الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

أأبتسم غدا, قصة

Share

ايقظتنى من اغفاءتى الهادئة ، يد حذرة شعرت بها تحط على كتفى ، فتنبهنى برفق . . وخلتها الممرضة اقبلت توقظنى على عادتها كل صباح لتناوله الدواء . . ففتحت عينى ، ولكنى لم المح غير العتمة تغشى المكان ، وتبين لى ان الوقت ليل . . لكن ما معنى هذا ؟ . .

ان الممرضة لم تعتد زيارتى فى مثل هذا الوقت . . حتى فى الايام التى كانت حالتى فيها على اسواء وجه . . وهب انه خطر للمرضة ان تزورنى فى هذه الليلة . . فلماذا تبخل عن اضاءة النور مع انها اعتادت ان ترسله كلما دلفت الغرفة فى ضحى النهار . . والحسبست باليد ترتفع عن كتفى . . وانتهى الى سمعى صوت واضح يقول :

- ارجو ان لا اكون قد ازعجتك ايتها السيدة . . طابت ليلتك

وادرت رأسى موضع الصوت ، فلم ار غير الظلام الحالك فشعرت برجفة تسرى فى اوصالى ، وهتفت بصوت خفيض .

من يكلمنى . .  من بالغرفة ؟

ومكثت برهة أرهف السمع لعل حركة تحدث من صاحب الصوت . . ولكنى لم اسمع سوى انفاس جارتى المريضة تتصاعد من ركن الغرفة متقطعة متعبة . . وكاد يتملكنى احساس بان ماحدث ان هو الا اضغاث احلام . . لولا يقينى من ان هذا الصوت كنت سمعته منذ الصباح . . عندما قدمت الممرضة تنبئنى بأن ( الدكتور ( قادم لزيارتى . . ولما سألتها اذا كان اليوم هو موعد زيارة ، اجابتنى . . بان الدكتور اراد فقط ان يطمئن على صحتى .

وبعد ان فحصنى الدكتور . . وقبل ان يهم بمغادرة الغرفة سمعته يقول بنفس النبرة التى طرقت سمعى الآن . . بل وحتى بنفس العبارة .

- ارجو ان لا اكون قد حيرتك ايتها السيدة . . مع السلامة

بقيت زمنا انقلب على سريرى . . فى شبه حيرة من امرى ، لا ادرى أأصدق

سمعى واتهم الدكتور بالتلصص على سريرى . . ام انزه الدكتور عن هذه الفعلة . . واتهم نفسى بأنى انا المخطئة . . وانا التى تعتريها من حين لآخر اعراض الحمى ، فانساق فى تخيلات وتصورات لا اصل لها البتة . . وهكذا ظللت تتقاذفنى الهواجس . . الى ان غلبنى النعاس . . فنمت على حيرتى .

وفى صباح الغد لاحظت عناية متزايدة من طرف الممرضة ورأيتها تسرع لتغير لى فراشى ، وتهيئ لى فطور الصباح ، ثم لا تلبث الفينة بعد الاخرى ، ان تطل على وتسألنى ، اذا كنت أريد شيئا . . وتكرر ذلك منها مرارا . . وانا فى شبه حيرة من امرى لا ادرى بماذا افسر هذا التصرف ولا بأى شئ اعلله . . حتى اقبلت على ذات مرة والابتسامة تعلو محياها وسألتنى :

- هل انت راضية بوجودك فى هذه الغرفة . . ام انك تبغى غرفة مستقلة ؟

ولم استطع ان اذكر بماذا اجبتها . . ولكن الشئ الذى عرفته فيما بعد هو اننى وجدت نفسى فى غرفة مستقلة ، بها فراش . . ومنضدة نقلت اليها أدويتى . . وادباش زينة وجهى . . وبعض اشياء اخرى . .

اما ما يسترعى النظر فى هذه الغرفة . . فشباكها مطل على حقول اشجار الزيتون الخضراء . . وفيما انا اتلهى بمنظر هذه الحقول اذ دخلت على الممرضة وبيدها آلة ( بيكوب ) وبعض الاسطوانات ، قدمتها الى قائلة :

لقد اوصانى الدكتور بحمل هذه الآلة اليك . . حتى لا تبقى فى وحشة .

وأذهلنى ان اجد الدكتور ، يبعث الى بهذه الآلة المسلية . . وتذكرت ليلة الامس ، والصوت الذى كان يكلمنى ، والذى ارتبت فى صاحبه ، وكدت احسبه خيالا . . لكنه الآن قد ظهر لى كل شىء ، وبات من الواضح عندى ان ما حدث ليلة امس ، ليس هو من قبيل الحمى .

كان مساء يوم الاثنين موعد الزيارة بالمستشفى . . واخذت الجموع تتوافد . . وانا من داخل غرفتى انصت لوقع الاقدام المتلاحقة فى دوى يصمى الآذان . . وعيناى متعلقتان بالباب ارقب اللحظة التى سيظهر فيها زوجى . . وطال انتظارى ، وانا اعد الثوانى . . وفى كل مرة اسمع فيها خطى تقترب من الباب احسب انها خطى زوجى . . وظللت طوال الحصة منخلعة القلب لكل حركة تجرى فى الخارج . . الى ان اشرف الوقت على النهاية . . وحين لم يعد لى امل

فى قدومه ، فوجئت بمقبض الباب يلتف ويظهر من خلفه زوجى . . وبادرته فى لهفة :

اين كنت . . ما الذى اقعدك حتى هذا الوقت

فرد على لاهث الانفاس :

- سوف اخبرك . . كيف حالك . . هل استرحت قليلا عن ذى قبل ؟

بدأت اشعر بالتحسن .

- حمدا لله . . ماذا قال لك الدكتور . . هل حدد لك موعد الخروج ؟

-انه لم يحدثنى فى ذلك بعد ثم اخذ يطوف بعينيه فى ارجاء الغرفة وقال :

- لماذا حولوك الى هذه الغرفة . . وحيدة ؟

وشعرت بمرارة السؤال . . فرحت احدثه عن اشياء اخرى واسأله عن لاقارب . . واخيرا بادرته بقولى :

- هل وجدت عملا . . ؟

ووجدته يلتفت الى النفذة كأنه يريد الهروب من هذا السؤال ثم عاد فادار وجهه نحوى وقال فى نبرة لاتخلو من حزن :

لاجل هذا تأخرت الى هذا الوقت .

- وماذا كانت النتيجة ؟

- النتيجة . . انى لم انتظر بعد ما ستكون النتيجة .

-كيف ؟

لقد حدثتك فى المدة الفارطة عن صديقى ( احمد ) الذى قلت لك عنه انه حدث المسؤول فى المعمل فى امرى . . وقد قبلنى هذا مبدئيا ، لكنه قال : ان الامر يتوقف على موافقة مدير المعمل . . وقد حدد لى موعد مقابلة المدير بعد ظهر هذا اليوم . . وذهبت من بعد الظهر حتى هذا الوقت . . لكننى لم اقابله ، ولم اعد كذلك اقوى على مواصلة الانتظار . . لانى شعرت من انه لا بد لى ان اراك . . وما كاد ينتهى الى هذا القول حتى وجدتنى اقول له عن غير وعى منى - كان من حقك ان ترجئ زيارتى الى زمن آخر .

ونظر الى فى حزن ثم حرك شفتيه . . وحسبته سيقول كلاما . . لكنه تقدم

ليودعنى . . لان ناقوس انتهاء الزيارة كان قد دق منذ زمان . . وظللت اتبعه بعينى وهو يتحرك بعيدا عنى . . ثم لم يكد يحجبه الباب عن عينى حتى وجدتنى آخذ وجهى بين يدى واندفع فى بكاء حاد ، لم اشعر من بعده الا بخطى تقترب من سريرى .

ومن خلال دموعى ابصرت الدكتور " راجى " وقد اخذ يسألنى فى انفعال واضح وحيرة بادية عن سبب بكائى

وما كان احوج مخلوقة مثلى فى هذه اللحظة . . وهى تشعر بالوحشة والضاع الى ان تجد العزاء والسلوى فى انسان تركن اليه وتجد الى جواره الراحة والهجوع . .

وقد وحدت انا هذا الانسان فى الدكتور - راجى - فشعرت بنفسى تعود إلى بعد ما خلتها قد ضاعت منى . . وبالدفء يسرى فى ضلوعى بعد ما فقدته الليالى الطوال .

ورحت انعم برفقة هذا المخلوق سويعات من زمن . . تحدثت اليه خلالها عن نفسى . . وعن زوجى . . وذكرت له سبب بكائى وحدثنى هو أحاديث مسلية عذبة نسيت فى غمرتها دموعى . . وتشاغلت عن كل ما حولى بهذه الجلسة اللذيذة من عمرى الملىء بالاوجاع والآلام . . ولم انتشبه للوقت كيف انقضى . . ولا للظلمة كيف غشيت المكان الا حين فاجأنى الدكتور ينهض ليودعنى قائلا :

- ارجو ان لا اكون قد اطلت المكوث . . طابت امسيتك

ثم تركنى وتحرك مبتعدا عن المكان . . دون ان يلتفت ليلمح الابتسامة التى كانت قد طفرت على ثغرى .

لم يعد لى على مغادرة المستشفى الا ساعات قلائل . . حينما اخذت اخلع عنى هذه الملابس البيضاء . . ملابس المستشفى . . وارتدى مكانها ثيابى الحبيبة . ثم انهمك فى تسريح شعرى وترصيف خصلاته على جبينى . . وبعد ذلك اخذت اجمع امتعتى وسط الحقيبة . . وبينما انا هكذا اذ دخلت على الممرضة تخبرنى قائلة :

- لقد بعثنى الدكتور راجى اليك . . وهو يطلب منك ان تزوريه فى غرفته قبل مغادرتك المستشفى .

- هل لك علم بما يطلبه منى ؟ كلا ياسيدتى . . لعله سيكتب لك بعض الادوية

- سوف اذهب اليه

وبعد قليل اقبل زوجى ليأخذنى الى البيت . . وفى طريقنا الى الباب الخارجى للمستشفى اسأذنت زوجى ، وعرجت على غرفة الدكتور . . وما كاد يرانى حتى هب لملاقاتى مرحبا وعرض على مقعدا مريحا ، جلست عليه وانا اتمتم شاكرة بينما اسرع هو لاحد الرفوف فاحضر منه زجاجة من عصير الفواكه وكأسين وبعد ان افرغ فيهما ما بالزجاجة . . اخذ كأسه والصقه بكأسى ، وقال وعلى ثغره ابتسامة فرحة .

- لنشرب نخب صحتك .

وحين هممت بالانصراف . . عرض على ان يأخذنى بسارته الى منزلى . . ولكنى افهمته ان زوجى فى الخارج ينتظرنى . . ورفع الى عينين ملؤهما العطف والمودة . . ثم تناول من على رف الكتب المرصوفة فوق مكتبه ورقة مطوية قدمها الى وهو يقول :

اتظنين اننى احسن تقديم الهدايا ؟

- لست ادرى . . ولكن لماذا هذا السؤال ؟

- لانى لا اريد ان اقوم بعمل يضايقك . . وكل ما اطلبه منك الآن ان تصفحى عنى اذا كنت قد ارتكبت نحوك حماقة . . واعتقد انك ستفعلين ذلك اذا قرأت هذه الورقة . . واؤكد لك انى لا اطمع فى شىء . . ولكنه يرضينى فقط ان تكونى سعيدة .

ورفعت اليه عينين حائرتين . . ثم مددت يدى اتناول منه هذه الورقة . .

وقرأت عليها بأحرف بارزة ماجعلنى امتلىء غبطة وحبورا . . وحين رفعت رأسى لاشكر الدكتور على ما قدمه الى . . وجدته قد اختفى وراء الباب المفضى الى بيت الجراحة . . وعندئذ ادرت راسى وخرجت الى حيث ينتظرنى زوجى امام سيارة الاجرة .

وقبل ان تنطلق بنا السيارة مبتعدة عن مبنى المستشفى كانت يدى تمتد بالورقة الى زوجى . وعندما اخذها بين اصابعه كنت انا أقرأ عليها للمرة

الثانية بطرف عينى " . . عليك ان تحضر غدا صباحا لمباشرة مهنتك بالمستشفى " وادرت راسى موضع النافذة محاولة بذلك اخفاء هذا الاضطراب الذى لم استطع ادراك مصدره .

وهل هو بسبب ما سيطلق على زوجى من انه اصبح رجل اعمال ، ولم يعد بالزوج العاطل كما دعته مرة احداهن .

ام هو اضطراب مبعثه شىء آخر لم اهتد الى تفسيره . . واخرجنى من تفكيرى سؤال زوجى الممزوج بالفرح .

- هل انت واثقة مما بهذه الورقة ؟

- تمام الثقة يا عزيزى

- اذا انا لم اعد عاطلا .

قالها فى تنفس مريح ، وكأنه ينزع عن كاهله ثقلا كريها ناء بحمله حقبة من زمن . . ثم تطلع الى بعينين قرأت فى اعماقهما خجلا وحزنا . . ولم اجرؤ على ان اقول له انى احبك . . واكتفيت بان اسندت رأسى الى صدره . . ولاول مرة فى حياتى وجدتنى اشعر بالدفء والامن . . وكم كنت اود فى تلك اللحظة ان اعرف ما اذا كنت سأبتسم غدا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية