كتب عبد الملك بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس و والي الثغور حينها حدث من اهل قبرس ما يراه عبد الملك نكثا منهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين كتب الى مالك بن انس والليث بن سعد وموسى بن اعين واسماعيل بن عياش ويحيى بن حمزة وأبى اسحاق الفزاري ومخلد بن حسين يشاورهم في محاربتهم فأجاب كل واحد من هؤلاء الأئمة بجواب جاءت فيه كلمة " قبرس " بالسين لا بالصاد فقد استحسنا ان ننقل تلك الاجابات من كتاب الاموال لابى عبيد القاسم بن سلام وكتاب " فتوح البلدان " لاحمد بن يحيي البغدادى الشهير بالبلاذري تاييدا لما كتبه الاستاذ البحاثة عبد القدوس الانصاري في عدد مجلة المنهل الغراء الصادر فى شهر رجب عام ١٣٨٤ حول كتابة الكتاب اليوم لفظة قبرس بالصاد . . وهذا اوان الشروع في المقصود فأقول بالله التوفيق :
" اجابة مالك بن انس "
" ان امان اهل قبرس كان قديما متظاهرا من الولاة لهم يرون ان امانهم واقرارهم على حالهم ذل وصغار لهم وقوة للمسلمين عليهم لما يأخذون من جزيتهم ويصيبون بهم من الفرصة على عدوهم ولم اجد احدا من الولاة نقض صلحهم ولا اخرجهم من مكانهم وانا أرى ان لا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حتى يعذر اليهم وتؤخذ الحجة عليهم فان الله تبارك وتعالى يقول فاتموا اليهم عهدهم الى مدتهم " فان لم يستقيموا بعد ذلك
ويتركوا غشهم ورايت ان الغدر يأتي من قبلهم اوقعت بهم عند ذلك وكان بعد الاعذار اليهم فكان اقوى لك عليهم واقرب من النصر لك والخزي لهم ان شاء الله " .
" اجابة الليث بن سعد "
" ان اهل قبرس لم نزل نتهمهم بالغش لاهل الاسلام والمناصحة لاهل الروم وقد
قال الله تعالى " واما تخافن من قوم خيانة فأنبذ اليهم على سواء " ولم يقل تبارك وتعالى لا تنبذ اليهم حتى تستبين خيانتهم واني ارى ان تنبذ اليهم ثم ينظروا سنة يأتمرون فمن احب منهم اللحاق ببلاد المسلمين على ان يكون ذمة يؤدى الخراج فعل . ومن اراد ان ينتحي الى الروم فعل ومن اراد ان يقيم بقبرس على الحرب اقام فيقاتلهم المسلمون كما يقاتلون عدوهم فان فى انظار سنة قطعا لحجتهم ووفاء بعهدهم
" اجابة موسى بن اعين "
" انه قد كان يكون مثل هذا فيما خلا فينظر فيه الولاة ولم ار احدا ممن مضى نقض عهد اهل قبرس ولا غيرها ولعل جماعتهم لم تمالئ على ما كان من خاصتهم واني ارى الوفاء لهم واتمام تلك الشروط وان كان منهم الذي كان قال موسى وقد سمعت الاوزاعى يقول في قوم صالحوا المسلمين ثم اخبروا المشركين بعورتهم
ودلوهم عليها قال ان كان من أهل الذمة فقد نقض عهده وخرج من ذمته فان شاء الوالي قتله وصلبه وان كان مصالحا أو يدخل فى ذمة نبذ اليهم الوالي على السوا " ان الله لا يحب الخائنين "
" اجابة اسماعيل بن عياش
" ان اهل قبرس اذلاء مقهورون تغلبهم الروم على انفسهم ونسائهم فقد يحق علينا ان نمنعهم ونحميهم وقد كتب حبيب بن مسلمة فى عهده وأمانه لاهل ارمينية انه ان عرض للمسلمين شغل عنكم وقهركم عدوكم فانكم غير مأخوذين ولا ناقض ذلك عهدكم بعد ان تفوا للمسلمين وانى أرى ان يقروا على عهدهم وذمتهم فان الوليد بن يزيد كان اجلاهم الى الشام فاستفظع ذلك واستعظمه فقهاء المسلمين فلما ولى يزيد بن الوليد ردهم الى قبرس فاستحسن المسلمون ذلك ورأوه عدلا "
" اجابة يحيى بن حمزة "
" ان امر قبرس كامر عربسوس فان فيها قدوة حسنة وسنة متبعة فان صارت قبرس لعدو المسلمين الى ما صارت اليه عربسوس فان تركها على حالها والصبر على ما كان فيها لما فى ذلك للمسلمين من جزيتها وما يحتاجون اليه مما فيها افضل وانما كان أمانها وتركها لذلك وليس من اهل عهد بمثل منزلتهم فيما بين المسلمين وبين عدوهم الا ومثل ذلك تبقى منهم قديما وحديثا وكل اهل عهد لم يقاتل المسلمون من ورائهم وتمض احكامهم فيهم فليسوا بذمة ولكنهم اهل فدية يكف عنهم ما كفوا ويوفى لهم بعهدهم ما وفوا ويقبل منهم عفوهم ما أدوا ولا ينبغي ان يكون ذلك من المسلمين اليهم الا من بعد تقية يتقونها منهم او ضعف عن محاربتهم او شغل عنهم
بغيرهم وقد روى عن معاذ بن جبل انه كره ان يصالح احدا من العدو على شئ معلوم الا ان يكون المسلمون مضطرين الى صلحهم لانه لا يدري لعلهم يكونون اغنياء اعزاء في صلحهم ليست عليهم ذلة ولا صفار " .
" اجابة ابي اسحاق الفزاري ومخلد بن حسين "
" انا لم نر شيئا اشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس وما حكم فيها عمر بن الخطاب ثم ذكر مثل الحديث الذي ذكرناه فيها وقد كان الاوزاعي يحدث ان المسلمين فتحوا قبرس فتركوا على حالهم وصالحوهم على اربعة عشر الف دينار سبعة آلاف للمسلمين وسبعة آلاف للروم على ان لا يكتموا المسلمين امر عدوهم ولا يكتموا الروم امر المسلمين فكان الاوزاعي يقول ما وفي لنا اهل قبرس قط وانا نرى ان هؤلاء القوم اهل عهد وان صلحهم وقع على شئ فيه شرط لهم وشرط عليهم وانه لا يستقيم نقضه الا بامر يعرف به غدرهم ونكث عهدهم " .
هذه رسائل أئمتنا التى جاء فيها ذكر قبرس بالسين لا بالصاد وهم اعلم باسم قبرس من الذين يكتبونها اليوم بالصاد فقد جرى الامام ابو عبيد القاسم بن سلام على نهجهم فى هذه الكلمة فذكرها فى كتاب الاموال بالسين قال " قبرس وهى جزيرة فى البحر بين اهل الاسلام والروم قد كان معاوية صالحهم وعاهدهم على خرج يؤدونه الى المسلمين وهم مع هذا يؤدون الروم خرجا ايضا فهم ذمة للفريقين كليهما " .
فالرجوع الى ما تضمنته هذه الرسائل وما نقله الاستاذ عبد القدوس الانصاري عن المراجع اللغوية وغيرها أولى من الاستمرار على خطأ واضح والله اسأل ان لما الى الصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل الرياض اسماعيل الانصاري
