كنت في الطائرة ، متوجها الى ابها ، عاصمة عسير . ولم يكن لدى ، فكرة ثابتة عن هذا الموطن الجديد الذي سيكون محل اقامتى : . سوى تلك المتناقضات من الإخبار التى كان يتناقلها الزملاء ويرددونها . .
كنت اشعر بالوحشة وانا في الطائرة . احاول رسم صورة لهذا الموطن الجديدة . الا ان الصورة كانت ابدا مهزوزة ، فأما ان يضفى عليها خيالي الكثير . . فلا اخال الا اني ساكون فى جنة عدن . أو يغلب التشاؤم على نظرتى . . فأرى ابها مجرد حجارة سوداء . . وجبال
جرداء كل حجر فيها يثير فى نفسي الاشمئزاز والخوف .
ثم صحوت . . من هذه التخيلات وجلا فالطائرة اصبحت وكأن عنانها قد افلت من يد الربان . . وراحت تسير كما يحلو لها ، بل كما يحلو للهواء ان يسيرها ،
ونظرت الى اسفل فرأيت جبالا عالية ، يجلل رؤوسها ضباب ابيض ناصع لا يستطيع المرء أن يرى رأس الجبل من خلاله بالعين المجردة ثم هذه سهول فسيحة خضر يانعة . فسألت مضيف الطائرة بدهشة : ( اين نحن الآن ؟ ) فأجاب بابتسامة وكأنه فهم مقصدى : ( فوق جبال عسير ) فعذرت الطائرة . . نعم لقد عذرتها ، فان جمال المنظر قد هز مشاعرها وهي جماد ، وقد تناسيت تلك المطبات . الهوائية المخيفة التى كانت تحدثها الطائرة ، ورحت فى شبه حلم لذيذ أمعن النظر الى تلك الخارطة الطبعية المرصعة بازهي الالوان ، وكنت وانا انظر اليها من وراء شباك الطائرة ، أقارنها بتلك الالواح (١) البديعة التى ترسمها يد الانسان ، محاولة منها محاكاة جمال الطبيعة ، وكنا نؤخذ لروعتها . ونبهر بجمالها ودقتها وحسن تصويرها . ولكن شتان ما بين التقليد
والاصل . فان قدرة الخالق سبحانه وتعالى التى ابدعت رسم هذه الخارطة الارضيه - كانت هي القدرة الجبارة التى مزجت تلك الالوان الزاهية ، فكان منظرها اخباذا ساحرا . وأروع من هذا ، تلك الخيوط الذهبية الدقيقة التى يرسلها الشمس على تلك الخارطة . . فتزيدها روعة على روعة وسحرا على سحر ، فما أعلاك يا رب . . وما اجل عظمتك وقدرتك .
واستقبلت الأرض الطائرة بحنان ، وترجلنا متجهين نحو السيارة الخاصة بالاستاذ غرم الله الغامدى مدير الخطوط الجوية هناك ، قاصدين ابها عاصمة المنطقة ، وصلناها حوالى العصر . فشعرنا ببرودة فى الجو لم نتوقعها من قبل ولاحظنا ان هذه الملابس الخفيفة التى ترتديها ، لا تتلاءم وهذه المنطقة بالرغم من أننا في شهر جمادى الآخرة ، والحر لا يزال على أشده حتى فى البلاد التى يقال عنها انها ( معتدلة ) .
وابها بحق موطن السحر والجمال . .
لا تعرف غير الربيع فصلا دائما لها وغير الجمال والنضارة والروعة في سهولها وجبالها وأوديتها ، دائما طوال العام .
وأبها عروس ريفية عذراء ساذجة عروس بلا مكياج أو تزاويق (( ورتوش )) انها درة الجزيرة العربية ، وواسطة العقد . . هدية الاله الى الجزيرة العربية ، وبقيت كما هى تحتفظ بعذريتها وسحرها على كر الاعوام ، وتعاقب السنين ، وكان انسانا لم يعلم اين موطن السحر فيها . . ومركز الحساسية الشاعرية منها . . قد يظن بعضهم انه فى الهواء العليل والجو الناعس الخام ، وقد يراه آخر فى تلك الروابى الخضر التى تكسؤ ابها الحلل الزاهية طيلة . ايام السنة ، وقمم الجبال الشم . . الشامخات بأنفة وعظمة ، لتحمي تلك السهول التى انحنت بذلة وانكسار تحت أقدام تلك الجبال تحتمي بها .
وقد يرى آخر سر روعة هذه المنطقة فى غاباتها الكثيفة التى تحجب الشمس من ان تتسلل الى الارض وتكشف عن مفاتن العذراء الطيبة الممتدة نحتها تحميها بأجنحتها الورقية كما تحمى الطيور
صغارها العارية من الزغب . وقد رأيت ان سر جمالها فى كل هذه الأشياء مجتمعة حتى جعلت منها حديفة للسحر ومعينا للجمال لا ينضب .
وتوالت الايام وانا فى ( ابها ) احاول أن أطفئ ظمئى للجمال من مناهله العذبة ، ولكن آفاقا من المناظر الخلابة البديعة والوانا من الفن والجمال تتفتح باستمرار ، فأرى نفسى رغم كل هذه اننى لم أصل الزلال من المورد .
وازداد هيامى بها وبجوها ومتنزهاتها وغاباتها الطبعية الساذجة العذراء ولست وربى أول عاشق لها ولن اكون الاخير . كل شئ هنا عاشق حتى الشمس والقمر ! فالشمس لا تكاد حرارتها ترتفع حتى لا تؤذي هذه العادة الفاتنة ، بل ان خيوط الشمس ، تتحسس بأناملها السحرية الرقيقية وجه العروس . . لتمسح عنه دموع الفجر التى تساقطت فوق أرضها وجبالها ، مبللة أعشابها بالدموع أسفا لفراقها ، فيشرق وجه العروس الفاتن ، وهي تضحك سعيدة بهجة . .
وكذلك القمر الولهان الذى يخشع
بصمت وسكينة وهدوء فى محراب جمالها يسكب ألحان حبه فى شاعرية صامتة ملهمة ، حزينة باكية تارة ، متوسلة ضارعة تارة اخرى ، ضاحكة مستبشرة تارة ثالثة ، مستعطفا فتاة احلامه ، مطوقا جيدها بأكاليل من نور وقلائد ساحرة جذابة .
وحتى الظلام - الظلام القاسى الذى لا يرحم - رأيته هنا رقيقا مهذبا ، لانه عاشق متيم ، نعم ، حتى الظلام هنا عاشق مفتون . . تتشابك اهدابه السمر الطويلة ، لتكون غلالة سمراء شفيفة ، تحيط به وجه العذراء وهى نائمة كيلا تتهاوى النجوم اليها فتزيد من جاذبية سحرها .
هذه ابها كما رأيتها عروسا خضراء فتانة ، هدية الخالق جل وعلا الى جزيرتنا العربية ، ولدي ، كلمة صريحة وهى :
ماذا ستصبح ابها لو امتدت لها يد المدنية والحضارة بالرتوش والتزاويق ؟ . . ماذا . عن عروستنا الفاتنة لو طلى وجهها بالاصباغ والمساحيق الجذابة ؟ . . ماذا عن
أبها الجمال لو نعطيها مثل ما تعطينا أو ربعه على الاقل ؟ ! انها اشبه بزنبقة الوادى التى تمنح الاعصار العاتى رائحتها الزكية ، بدلا عن وحشيته وهو يحاول خلعها .
حقا انها كنز ثمين ، لو انتبهنا اليه لكان موردا اقتصاديا هاما . بالاضافة الى الدعاية الطيبة لبلدنا ، لو فعلنا ذلك لأغنتنا عن سويسرا وغيرها من البلاد الاجنبية بل لربما توافد أهل سويسرا انفسهم يستجمون هنا فى أبها ، فلقد توافرت فى عسير كل الشروط والمؤهلات لجعلها بلدا سياحيا من الدرجة الاولى .
رحمة بالجمال ايها المسؤولون . ان الجمال هبة الله على الارض . . فحافظوا على هبة الله والى لقاء قريب . استودعكم الله . . وشكرا لسعادة الأستاذ الكبير عبد القدوس الانصارى على تجاوبه ورعايته واهتمامه البالغين عما يكتب عن هذا الموطن الخلاب .
المدينة المنورة - الخطوط العربية السعودية

