الشيخ الشاذلى هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار ينتهى سببه الى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
دعي الشاذلى نسبة الى شاذلة ببلاد المغرب التى مارس فيها أشق مراحل جهاده الروحى . ولد ببلاد المغرب بقرية تسمى غماره وهى قريبة من مدينة سبته عام 593 ه / 1196 - 1197 م (*) نشأ بهذه القرية وحفظ فيها القرآن ودرس السنة والعلوم الدينية حتى برع فيها على أيدي شيوخ القرية ومعلميها .
كان طويل القامة خفيف العارضين ، طويل أصابع اليدين ، فصيح اللسان ، عذب الكلام ، يلبس الفاخر من الثياب ، ويركب الفاره من الدواب ، ويتخذ الخيل الجياد ، مجاهدا يقف مع الجيوش فى الميدان .. مكافحا : يعمل فى الحرث والحصاد عابدا : أدت به عبادته الى قرب قال هو عن حقيقته : (( انه النبتة بالقرب من القرب لضم القرب )) .
وبيانا لنهج الطريقة الشاذلية ، الذى رسمه أبو الحسن ، يقول ابن عطاء الله (1) : (( واما ليس اللباس اللين ، وأكل الطعام الشهى ، وشرب الماء
البارد : فليس القصد اليه بالذى يوجب العتب من الله ، إذا كان معه الشكر لله .
وهو ما يتماشى مع قوله تعالى : قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصه يوم القيامة .
ومهما يكن من شئ فان أبا الحسن كان ينصح دائما بالاعتدال ، ويعلن للمريدين قائلا : لا تسرف بترك الدنيا فتغشاك ظلمتها ، أو تنحل أعضاؤك لها ، فترجع لمعانقتها بعد الخروج منها بالهمة أو بالفكرة أو بالارادة أو بالحركة .
والقاعدة العامة على كل حال عنده : أعرف الله وكن كيف شئت وذلك لان من عرف الله تعلق قلبه به وامتلأ بحبه فلا يتأتى منه الا الفضيلة وهو الذي يقول : ليس هذا الطريق بالرهبانية ، ولا بأكل الشعير والنخاله ، ولا ببقية الصناعة وانما هو بالصير على الاوامر ، واليقين فى الهداية . كما قال تعالى : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون .
وتكمن أهمية الشيخ الشاذلى بالنسبة لمريدية انه كان لا يرى طريق القوم موقوفة على العزلة أو المرقعات أو الخرق وانما كان يراها فى اطار النهج القرآنى الواضح : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد والأرض كلها مسجد .
علمه : أما جانبه العلمي والصوفي ، فيقول عنه سيدى عبد الوهاب الشعراني : بلغنا ان الشيخ الكامل أبا الحسن الشاذلى لما فني اختياره مع الله مكث ستة اشهر لا يتحرس أن يسأل الله شيئا فى حصول شئ .
لقد فن اختيار أبي الحسين مع الله ، وهذه المرتبة لا يتأتى للانسان ان ينالها فى ابتداء حياته السائرة الى الله ، الا ويسبقها جهاد شاق ( 2 ) .
لقج كان الجانب العلمي من العناصر الاولى التى حددت شخصية الشاذلى : : بدأ الدراسة والتحصيل صغيرا ، فتثقف كأحسن ما يكون التثقيف . بدأ الدراسه والتحصيل صحيح
وحفظ القرآن ودرس السنة ، والعلوم الدينية : فكان ذا علوم حية حي العلوم الغزيرة ( 3 ) فتدرج في هذه العلوم سلما فسلما ، ثم أخذ يختار الكتب التى يدرسها ويشرحها وينصح بقراءتها وكان منها :
_ كتاب ختم الاولياء _ للحكيم الترمذى وهو الكتاب الذي أثار اهتمام الامام الأكبر محيي الدين بن عربى اثارة كبري (*) . فافرد له كتابا خاصا ، ثم
أفرد له صفحات وصفحات من كتاب الفتوحات . كما القى دروسا تثيره فى شرح هذا الكتاب ( 4 ) .
_ كذلك كتاب المواقف و المخاطبات من تأليف الشيخ محمد بن عهد الجيار النفري وهو كتاب ليس بالسهل ، لانه يعبر عن حالات روحية عالية لا يتأتى لغير اصحاب الاذواق العالية فهم الكثير منها ( 5 ) :
_ كذلك كتاب الشفاء للقاضي عياض ( 6 ) ، وكتاب أبي الحسين والمفضل فى التفسير وهو كتاب المحرر الوجيز لابن عطية ( 7 ) ،
وليس بغريب بعد ذلك ان ينقل الامام الشعرانى 8 رضي الله عنه فى الطبقات عن شيخه : كانت القاعدة عند الشيخ أبى الحسن الشاذلى والشيخ أبي العباس 9 والشيخ ياقوت العرشى 10 فى قبول الطلاب : الا يدخل أحد الطريق الا بعد تبصره في علوم الشريعة ، وآلاتها بحيث يقطع العلماء في مجالس المناظرة بالحجح الواضحة فاذا لم يتبحر كذلك لا يأخذون عليه العهد من هذا المنطلق نحس ان العلم عنصر من عناصر شخصية الامام الشادلى وهو عنصر من عناصر طريقته ايضا وصلى الله وسلم على من أمر ان يقول : رب زدني علما وسبحان القائل : انما يخشى الله من عباده العلماء .
ويصل أبو الحسن الذروة حينما يعتبر الجهل والرضاية من الكبائر بل حينما يعتبره من أكبر الكبائر ويقول عن ذلك 11 : " لا كبيرة عندنا أكبر اثنين حب الدنيا بالايثار ، والمقام على الجهل بالرضاء ، لان حب الدنيا أساس كل خطيئة . والمقام على الجهل أصل كل معصية .
لذلك شهد العلماء والمؤرخون لابى الحسن جانبه العلمي ورأوا ما فيه من اصالة وعلم ومن هؤلاء البوصيرى صاحب البردة (*) حيث يصفه فى قصيدة يعتبره بحر العلم أما ابن المبلق فيقول عن أبي الحسن :
لقد كان بحرا فى الشرائع راسخا ولا سيما علم الفرائض والسنن
ومن منهل التوحيد كم عب وارتوى فلله كم روى قلوبا بها محن !
ويقول صاحب المفاخر عنه 12 : وهو صاحب الاشارة العلمية والعبارات السنية ، حاء في طريق القوم بالاسلوب العجيب ، والمنهج الغريب الذي جمع بين العلم والحال ، والهمة والمقال . هذا ويخرج بصحبته جماعة من الاكابر مثل : أبي العباس المرسى ، وابن العزام ماضى ، وغيرهم وتتلمذ له أعيان كثيرة من أعيان أهل الله تعالى 13 .
ويقول شارح القاموس المحيط السيد مرتضى الزبيدى صاحب تاج العروس : وممن كان يحضر مجلسه العز بن عبد السلام ، وابن دقيق العبد ، وناهيك بهما ، والحافظ المنذرى ، وابن الحاجب ، وابن الصلاح ، وابن عصفور وغيرهم بالكاملية من القاهرة .
عبادته : كان أبو الحسن عابدا ، ومن أجل عبادته ساح سياحات كثيرة لقد ساح ليخلو الى الله ، وساح لتصفو نفسه وساح ليتمكن من التركيز والتجميع فيلقي بنفسه كلية وبكيانه كله ، فى الرحاب الالهى مستسلما ، مسلما ، مؤكدا قولته : " اللهم ان القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا ، فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا نصحبه لطائف رحمتك ، وكل وجد يحجب عنك فنسألك عوضه فقد تصحبه انوار محبتك - لم تكن سياحات أبي الحسن تنعما بالجو ، ولا استمتاعا بالحدائق والمنتزهات ولا حبا فى استجلاء المجهول من عوالم المادة ، وانما كانت بحثا عن الحق فلما وجد الحق كانت سياحاته من أجل التمكن فى مجالات الحق استقر به المقام مبشرا وهاديا 14 .
والشيخ يتحدث عن هذه السياحات ، نذكر اأمثلة منها : يقول صاحب المفاخر العالية عن الشيخ : انتقل الى مدينة تونس وهو صبي صغير ، وتوجه إلى بلاد المشرق ، وحج حجات كثيرة ، ودخل العراق 15 ومما رواه أبو الحسين وكان ذلك فى أوائل سلوكه : " كنت أنا وصاحب قد اوينا الى وغارة ، نطلب الوصول الى الله ، فكنا نقول : غدا يفتح لنا ، بعد غد يفتح لنا : رخ علينا رحل له هبة ، فقلنا له : من أنت ؟ - أنا عبد الملك ، فعلمنا انا من أولياء الله ، فقلنا له ، كيف حالك ؟ فقال : كيف حال من يقول غدا بفتح لم ، بعد غد يفتح لى ، فلا ولاية ولا فلاح ، يا نفس لم لا تعبدين الله . قال : فتفطننا من أين دخل علينا ، فتبنا إلى الله ، واستغفرنا : ففتح لنا .
هذه السياحات المتكررة انما كانت هجرة الى الله ، وذهابا اليه ، وفرارا نحوه .
وما هجرته الا تحنث وبحث عن الصفاء ، ومران على الاسترسال مع الله على ما يريد . وهو القائل : لن يصل العبد الى الله وتبقى معه شهوة من شهواته ، ولا مشيئة من مشيئاته ، ان أردت أن تكون مرتبطا بالحق فتبرا من نفسك واخرج من حولك وقوتك .
كما أراد أبو الحسن أن يصل في الصفاء الى اقصى ما يصل اليه السالكون ، لذلك نجده متضرعا إلى الله داعيا مستغيثا محاولا الفناء في الله ، مرددا قولته : أبي المحققون أن يشهدوا غير الله تعالى لما حققهم به من شهود القيومية ، واحاطة الديمومية .
هذه الكلمة الحق التى هى تفسير لما يقوله الصوفية فى وحدة الوجود كانت الهدف الذي أراد ان يصل اليه أبو الحسن ، معرفة ، وان يشعر به ذوقا ، وان يتحقق به حالا 16 .
فلما تم له ذلك من سياحاته ، وخلواته وتحنثه عاد الى الناس مستقرا هاديا مبشرا بالنور والرحمة والمعرفة .
الطريق الصوفية : سئل رسول الله فى حديث صحيح من مرويات الامام مسلم : عن الاسلام ؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه : ان يسلم الله قلبك ، وان يسلم المسلمون من لسانك ويدك لقد كان اسلام القلب لله هدف أبي الحسين : هدفه لنفسه ، وهدفه للآخرين وهو حينما وصل فى مجاهداته الى اسلام قلبه لمولاه حاول ما استطاع أن يصل بأتباعه الى ذلك : فأخذ يبشر بكل ما يؤدى الى هذا المعنى . فأخذ يقود الناس الى اسلام الوجه لله بالمثال والقدوة ، وبالحديث والشرح فسار لكل بحسب استعداده للعروج .
فميز أبو الحسن الصوفي بأربع صفات : أ ) التخلق بأخلاق الله عز وجل . ب ) والمجاورة لأوامر الله . ج ) وترك الانتصار للنفس حياء من الله . د ) وملازمة البساط بصدق البقاء مع الله .
كما رسم الشيخ طريقا للصوفي يبدأ اولا بــــــ : - الاخلاص : والى ذلك الاشارة بقوله ، عز وجل ، فيما يحكى عن جبريل عليه السلام لرسول الله :
الاخلاص كرمز سرى استودعته قلب من أحببت من عباده . - التوبة : وأول ما يبدأ به المريد السالك الى الله انما هو التوبة وتبدأ بالاستغفار أن لا يكون لك مع غير الله قرار . - النية : ولا بد لكل عمل يأتيه الانسان بل كل أمر يتركه من النية ، ومن الاخلاص في النية وذلك لكى يترتب الاجر والثواب من الله على العمل .
- الطريق القصد الى الله تعالى : وهي أربعة أشياء ، من حازها فهو من الصديقين ومن حاز منها ثلاثا فهو من الاولياء المقربين ومن حاز منها اثنين فهو من الشهداء ، ومن حاز واحدة فهو من عباد الله الصالحين .
أولها : الذكر وصفاته العمل الصالح وثمرته النور . التفكير وصفاته الصبر وثمرته العلم . الفقر وصفاته الشكر وثمرته المزيد منه . الحب وصفاته بغض الدنيا وأهلها وثمرته الوصل بالمحبوب .
الخلوة : حيث يحسن أن يخلو الانسان وربه فترة من الزمن هي فترة العزلة ، أو فترة الخلوة ، أو فترة الكهف : يلازم فيها الذكر والمراقبة والتوبة والاستغفار .
الجهاد : ولا بد للمريد من جهاد ، لا بد له من جهاد العدو.
النفس : واذا أردت جهاد النفس فأحكم عليها بالعلم فى كل حركة ، واضربها بالخوف عند كل خطوة واسجنها فى قبضة الله اينما كنت .
الدنيا : انما هو الابتعاد عن أن يكون الانسان عبدا للدنيا .
الذكر : وهو الاكثار من تلاوة الذكر : وهي الحمد لله واستغفر الله ، ولا حول ولا قوة الا بالله .
الورع : وهو الاخذ من الله وعن الله ، والقول بالله والعمل لله وبالله على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة .
الزهد : وهو فراغ القلب مما سوى الرب تبارك وتعالى .
التوكل : وهو صرف القلب عن كل شئ سوى الله ، وحقيقته : نسيان كل شئ سواه ، وسره وجود الحق دون كل شئ تلقاه ، وسره : ملك وتمليك لما يحبه ويرضاه .
الرضى : ومن ذلك الرضى : الرضى عن الله ، وعن قضاء الله . المحبة : والذي تختم به الطريق انما هو المحبة . والمحبة والرضا والتوك هى صفات الكرامة عند أبي الحسن يقول رضي الله عنه : صفات الكرامة اربع :
1 - حب يشغلك عن حب غيره . 2 - ورضى يتصل به حبك بحبه. 3 - وزهد يحققك بزهد فى بريته. 4 - وتوكل عليه يكشف لك عن حقيقة قدرته .
الذكر والدعاء : وكانت طريقته فى أكثر الاحيان أن يمزج الذكر بالدعاء ، وما روى عنه فى هذا الباب كثير مستفيض سواء منه ما يتعلق بالاحزاب أو بغيرها من أبواب الذكر والدعاء فكانت احزابه جامعه بين افاده العلم ، وآداب التوحيد ، وتعريف الطريقة ، وتلويح الحقيقة ، ذكر جلال الله تعالى وعظمته وكبريائه 17 .
أما أقسام الدعاء عند شيخنا فيتمثل فى : الامتثال للأمر - 2 والاجتناب للنهى - 3 وتطهير السر - 4 وجمع الهمة - 5 ) والاضطرار .
كما كان لأبي الحسن عادات في اذكار معينة يتحدث عنها فيقول : كنت كثيرا ما أداوم على قراءة آية الكرسي ، وخواتيم سورة البقرة 18 . كلمة ختامية : وهكذا كان لأبي الحسن أثر عظيم فى هداية الناس على مر الزمن ، فهو منبع من من منابع الهدى وعلم من الاعلام الذين اتبعوا هدى الله
فى كتابه العزيز واقتفوا أثر رسول الله قولا وعملا واتخذوه أسوة فى سلوكهم فى اليسير من الامور والعظيم منها.
وما المدرسة الشاذلية الحديثة بمريديها لدليل على الاثر الضخم الذي تركه أبو الحسن فى مجال هذا العلم 19 . وتأكيدا على ذلك يقول ابن عطاء الله 20 :
ونشأ على يد الشيخ رضي الله عنه جماعة كثيرة منهم من أقام بالمغرب كأبى الحسن الصقلى ، وكان من أكابر الصديقين ، وعبد الله الحبيبى وكان من اكابر الاولياء .
ومنهم من تبعه وهاجر معه الى مصر ، منهم شيخنا وقدوتنا الى الله أبو العباس شهاب الدين أحمد بن عمر الانصارى المرسى ، وأبو الحسن البجائى ، وأبو عبد الله البجائى .
ومنهم من صحبه بديار مصر ، منهم الشيخ عبد الله بن منصور المعروف بمكين الدين الاسمر ، والشبخ عبد الحكيم والشيخ عبد الله اللقانى ... ولكل هؤلاء علوم وأسرار وأصحاب اخذوا عنهم .
