الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

أبو الفيض

Share

كان الشيخ مبارك قاطناً في ( اكره ) حينما ابتسم له الحظ، وانفتحت في بستان امله أول زهرة، واثمرت شجرة امانيه أول ثمرة فكانت زهرة رائعة تضوع رياها إلى قطن الهند أجمعين، فارقصتهم طربا، وثمرة يانعة ذاق لذتها كل متأدب؛ فأصبح لا يجد لغيرها لذة. نشأ وترعرع هذا الشاعر الموهوب الفذ، تحت ظل أبيه الشيخ مبارك في ضيق من العيش وضنك. ودرج من العش الذي كان كله فقراً وبؤسا، يحس ساكنوه بلذعه والمه وناهيك بعداوة الاعداء، وحسد الحساد فى هذا الوقت العسير.

فلما وصل إلى ربيع شبابه، وصلت معه مواهبه إلى ريعان شبابها. ومع انه كان بارعا في العلوم التى تلقاها من أبيه؛ وماهراً، لكنه خلق للشعر، وخلق الشعر له، كما ظهر أخيراً، مع ان أباه لم يقرض شعرا طول عمره.

هذا العبقري الذي روى الله قلبه وعقله بمعين الشاعرية؛ انى لعقله ان يؤتى ثماراً غير الشعر، وانى لقلبه ان يميل إلى شئ سوى لشعر؟

كان بامكان " أبى الفيض " ان يذهب إلى الامبراطور " اكبر " فقد كان يعلم ان من دابة طلب كل عالم وشاعر وأديب، والسعى وراء كل ذى رأى صائب وعقل راجح؛ لكنه كان أباه أبى ان يطرق باب الملك، بل رآى أن على الملك ان يطرق بابه.

وأخيراً فاح شذى احدى الازاهير التى كانت تتساقط من شاعريته العظيمة، حينا بعد حين، فوصل عبيرها الى ذلك الانف الذي كان يقدر لكل ذى فضل فضله

صدر الامر السامي الامبراطوري الى حاكم ( أكره ) بارسال " أبي الفيض " الى مقر الامبراطور بدون تأخير أو ابطاء. ولم تكن الليلة قد أشرفت على النصف الباقي، حتى كان الجند على باب دار الشيخ مبارك يطلبون أبنه، فطفق يفهمهم أنه غائب عن الدار لكنهم الحو فى استدعائه، إذ كانوا يظنون أن اباه " مباركا " إخفاه عنهم كما لقنهم أعداء الشيخ...

ويالهم من بله اغبياء! فهم لا يدرون هل هم يقبضون على مجرم اثيم، أم انهم يقطفون الزنبقة التى عشقها " اكبر " واحبها.

وكاد الامر يصل إلى اهانة الشيخ، لولا مجئ " ابى الفضل " وقد هله وازهله وقوف الجند على بابه، وتشاجرهم مع والده الرؤف.

وقف " أبو الفيض " خارج الشباك الذهبى، الذى كان يحيط بعرش الامبراطور فرآى انه لا يمكنه ان ينشد قصيدته من مكان وقوفه، والبون بينه وبين العرش بعيد، فما وسمه الا ان ارتجل هذه الابيات:-

" أيها الملك! انى خارج القفص؛ فارجو السماح بدخولى فيه؛ لاني " درة "

غريدة. وما مأوى " الدرة " الا القفص ".

اشترك في نشرتنا البريدية