ان ابداعات الكاتب والشاعر الحق كانت دائما صحوة مبكرة (1) .. صحوة أثرت بعنف على العقول ، وحركت الهمم ، وأسهمت في اغناء الوعى بما أضفته عليه من روح وتوجه .
والكتاب والشعراء دائما حريصون على تفجير القضايا .. قضايا الانسان فى مكوناتها الترابطية بالمجتمع والحياة .
والابداعات الشعرية الخالدة رسمت دائما محصول المعاناة والتمرس حينما صدرت عن صدق ورؤى .
والشعراء الصادقون ظلوا دائما أوفياء للكلمة الحرة المسؤولة وحتى فى ثورتهم ، فهم يريدون " النهاية الواعية " من أجل تحقيق المجتمع الأفضل .
- الابداعات الشعرية فيما مضى :
ولنعد الى الابداعات الشعرية فيما مضى .. ان اضافات الشعراء العرب - وفى كل فترة - كانت تؤكد على عدم قطع الصلة مع القديم ويرنو بعضها الى التجديد والى الاخذ بأساليب العصر وروحه الخطابية أبدع العرب كثيرا وجددوا فى أساليب ابداعاتهم ، وعبروا باستمرار بطريقة عربية فصيحة ..
وحاول بعضهم الحفاظ على الديباحه العربه والاستفادة من أساليب الغرب ، كما طرحوا قضايا البيئة ، والعصر ، والتجديد فى الرؤى والأساليب فى عدة عصور .
والطور التحديدى فى الشعر الحديث بدأ فى رأيى بـــ ( طور النهضة الحقيقية ) حينما قوى اتصال الشرق بالغرب ونهل أبناء الشرق من آداب الغرب وثقافته .. فى ذلك الوقت بالذات آمن الأدباء بأن يكون أدبهم مرآة للعصر ، وأن ينطبع بطابع حياتهم ومشاغلهم .
وفى هذا العهد بالذات نشأت ثلاث مدارس أدبية هى :
أولا : مدرسية المخضرمين : ونزعت هذه المدرسة الى التجديد ولكنها أرادته على أساس الادب العربى القديم وخير من مثل هذه المدرسة فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين : أحمد شوقى ، وحافظ ابراهيم ، ومعروفة الرصافى ، وخليل مطران .
ثانيا : مدرسية المتطرفين وقامت على اثر الحرب العالمية الاولى واصحاب هذه المدرسية احتكوا بالغرب وبالادباء الامريكيين ، ومن أبرز من مثل هذه المدرسة : جبران خليل جبران ، الذى امتاز ابداعه بامتداد الخيال ، واشراق الديباجة ومحاولة خلق الشعر المرسل .
ثالثا : مدرسة المبدعين : وقامت بتوجيه الشعر نحو الفن الصحيح ، وسار الشعر الابداعى فيها شوطا محمودا وكان من رواد هذه الحركة : أمين نخله ، والياس أبو شبكة ، وعلى محمود طه ، وأحمد زكى أبو شادى ، وأبو القاسم الشابى فاذا علمنا كل هذا فأين يقف الشعر التونسى الحديث من هذه المدارس !؟
- خاصيات الشعر التونسى الحديث فى بداية هذا القرن :
ان الشعر التونسى شأنه شأن الشعر العربى عموما .. هو ممتد الجذور ، متلاحم الاطوار ، وتوفر له اليوم من المصادر ما يتيح التعرف على فترات ازدهاره وركوده وقوته وضعفه ، وقد أرخ عن تياراته الكثير : منهم محمد الفاضل ابن عاشور ، وأبو القاسم محمد كرو ، والبشير بن سلامة ، ومحمد الحليوى ، ومحمد العروسى المطوى ، وأحمد خالد وغيرهم .
فى هذا الشعر - ومنذ مطلع هذا القرن - نشأت عدة تيارات فكرية وسياسية واتجاهات تمثل فيها الشعر الاخلاقى والشعر الوطنى والاجتماعى .
لكن عند تعدد قراءاتنا لهذا الشعر فأين يكون موضع هذا الشع من المدارس الجديدة المستحدثة ؟
فى اعتقادى أنه عندما تتعدد قراءاتنا لهذا الشعر ، نلمس خاصيات بكل عقد ، وبكل شاعر أيضا .. فالشعر التونسى الذى مثله فى عقد من العقود : محمد بيرم الخامس ومحمد السنوسى وسالم بوحاجب ومحمود قابادو ، يختلف عن سواه من الشعر .. والجيل الشاعر الذى مثله أبو القاسم الشابى ، والطاهر الحداد ، ومصطفى خريف ، وسعيد أبو بكر ، ومحمد سعيد الخلصى له ميزات ويختلف عن الجيل الذى سبقه .
ومصطفى آغة ، ومحمد الشاذلى خزنة دار ، هما وان تواجدا فى عصر واحد لكنهما يختلفان عن بعضهما البعض كل الاختلاف من حيث الصورة الشعرية ، والمضمون ، والالتزام بالشكل .
ويحسن بى أن أؤكد هنا أنه لو تعددت قراءاتنا للشعر التونسى منذ بداية هذا القرن لا تضح السر فى اختفاء عشرات الأسماء من الشعراء التونسيين ويعود اختفاء هذه الأسماء فى رأيى أساسا الى ضعف شعرهم من حيث الأشكال والمضامين .
ان قصائد محمد بن عاشور (2) ، ومحمود قابادو (3) ، لا تصل الى الابداع الحقيقى والسبب فى ذلك يكمن فى رأيى فى هلهلة لغتهما وفى التركيبية العامة لبعض قصائدهما وبازاء بعض القصائد الضعيفة حصل تطور فى مجال بروز الشاعر الناقد عندما أدخلت تغييرات على القصيد فى تونس . . وكانت هذه التغييرات عندما بدأ التيار الرومانسى يبرز على الساحة الادبية فى الغرب ثم فى الشرق .. بدأ الشعر فى هذه الآونة ينتعش وبدأت الاضافات فيه تظهر بوضوح سيما فى العقد الثاني من هذا القرن .
وكما لا يخفى أن التيار الرومانسى الذى تأثر به الكثير من الادباء التونسيين وظهر فى ابداعاتهم كنزعة لليأس والكآبة ، جاء نتيجة لتردى الاوضاع الاجتماعية والسياسية فى تونس ، وقد أدى فساد الاوضاع الى ظهور الرومانسية فى الادب التونسي الحديث وفي تجربة الشعراء بالخصوص وفى
بروز فارق التباين فيما بينهم .. ونحن حينما نستقرىء التجارب الابداعية في الشعر ، نجد من بينهم من اتبع الاساليب التقليدية ، ومنهم من تأثر بالمترجمات ، ومنهم من جدد وأبدع وكانت له مؤهلات الشاعر المبدع العظيم .
والظروف السياسية والاجتماعية فى أيام الحماية الفرنسية هي التى - كما أشرت - مهدت لانطلاق التيار الرومانسى الذي بلغ شأنا كبيرا بظهور قصائد الشابي في الثلاثينات (4) .
ومن المعلوم أن ( الرومانسية ) التونسية يومئذ والتى طغت على شعر : الشابى ، والحليوى ، والعريبى وغيرهم كانت متأثرة بالشعر المترجم عن الفرنسية وبالشعر الرومانسى الذي ظهر فى مصر والمهجر بالخصوص .
- ظهور الشابى على الساحة الادبية :
وأبو القاسم الشابي هو شاعر عربى كبير من تونس ميلاده كان فى سنة 1909 أى بعد ثمانية وعشرين عاما من الاحتلال الفرنسى لتونس : ( 1881 ) ، وفى عصر هذا الشاعر الخالد : ( 1909 - 1934 ) حدثت أحداث فى مجتمعه وفي الوطن العربى .. وطبيعى أن يكون لهذه الاحداث وقع على نفسية الشابى وعلى تحربته الشعرية ، بل ومهدت لتحويله كظاهرة شعرية متميزة لها رؤية وتنطق بلسان الشريحة التى تنتسب اليها دون الانغلاق على ما يحدث خارج محيطه .
فالشابى فى شعره ( جبار وحالم ) ملتصق بهمومنا ، وفيه صدى لآلام أمته ووطنه .. هو ظاهرة تاريخية لا خرافة ، ووجدت في صوته شرائح المجتمع التونسى والوطن العربى بأكمله الترجمان الصادق المعبر عن الذاتية ، والهوية والوطنية ، والحب ، والجمال (5) .
- جيل الشابى :
والحديث عن الشبابى حديث حبيب الى النفس يحمل نفحات من صباها لجميل ، وينشر أمامها ذكريات رائعة عن هذا الصوت الشعرى الذى هز
ومازال يهز الوجدان الشعرى ويقدم اليه صورة للشاعرية الحق التى التزمت بالموقف الصادق ، ودعت الى التخطى والاستشراف ، وركوب المخاطر من أجل تحقيق مثل الانسان فى العدل ، والحرية ، والتجديد ، وتغيير الواقع بما هو أحسن وأفضل .
ان أبا القاسم الشابى هو واحد من الجيل العربى الثائر فى الثلاثينات عمل فى أكثر من واجهة دفاعا عن الجديد والثورية وأمكن له - وبفضل ما وجهه من نداءات التجديد والمغامرة - ان يخلق جيلا ثوريا ناقدا يدعو الى المغامرة ، ويتشبث بــ ( ارادة الحياة ) ويتحمل - فى اباء - أعباء التجديد ، ويبحث فى عناصر البقاء والاستمرار والتواصل .
وعهد هذا الشاعر الكبير تميز بأحداث كبيرة .. ففيه حدثت بوطنه ( أحداث الزلاج ) الشهيرة فى سنة 1911 ، ثم اندلعت الحرب العالمية الاولى ( 1914 ) ، وفى عهده أيضا شاهدت تونس انبعاث الحزب الدستورى القديم على يد الشيخ عبد العزيز الثعالبى : ( 1920 ) ، وتأسيس ( جامعة عموم العملة التونسيين ) فى سنة 1924 بقيادة الدكتور محمد على الحامى : وتأثر الشابى تأثرا عميقا بمحمد على وتعاطف مع مؤرخ حركته الشاعر المصلح الطاهر الحداد (6) وعاش الشابى أيضا فى تلك الفترة الانتقالية أيام كان العالم العربى يتعثر بين حاضره الاليم وماضيه القريب المنقوص ، وتألم مما كان يلقاه رجال الاصلاح وانصار الجديد من جحود وأذى .
والشاب من خلال قراءاتنا لأشعاره نراه لم يوغل في التشاؤم ولم تطغ عليه نزعة الرومانطقية بل كانت أحاسيسه كلها تنصب الى حب الوطن ، والدعوة الى تكسير الاغلال واعتناق الحياة والطموح .
ولقد أشار الأديب المفكر محمد مزالى في دراسة كتبها عن الشابى في عام 1975 الى تعلق هذا الشاعر بالحرية قائلا : " من غريب الأمور أن أبا القاسم الشابى يموت فى السنة ذاتها ( 9 أكتوبر 1934 ) التى ولد فيها الحزب الدستورى التونسى الجديد ( 2 مارس 1934 ) ، وامتزج زعماؤه بالشعب وساروا معه فى درب الكفاح الجدى والمجدى .. ونحن نعلم اليوم انه حضر
اجتماعيا شعبيا بـ ( معقل الزعيم ) أو بجامع ( الحلق ) ( ربما كان ذلك يوم 14 مارس 1934 ) دعا اليه الزعيم الحبيب بورقيبة وشاهد لأول مرة فى حياته مظاهرة يقودها رجال النخبة بعد أن كان ( الزعماء ) يكتفون فيما مضى باصدار الأوامر والاختفاء في المكاتب تاركين الجماهير وشأنها (7) .. " .
وانتماء أبو القاسم الشابى لأسرة قروية كان عائلها قاضيا وهو الشيخ محمد بن بلقاسم الشابى خريج جامع الازهر وانتقاله من جهة الى أخرى مع أبيه ، وافراطه في مطالعة الادب المهجرى ، كل هذا ساعد على بلورة التخطى فى شخصيته الشاعرة وعلى رفع راية التجديد فى الشعر التونسى الحديث .
- الشابى الحالم :
والشابى الذى تعلم بالزيتونة ، ونبغ وألف عديد الاشعار والدراسات الادبية ، توفى أبوه فى عام 1929 فاضطلع بأعباء عائلته وقد أنهكه مرض ( تضخم القلب ) فمات ولم يبلغ 26 سنة (8) .. قلت الشابى هذا عاش فى محيط أدبى متفتح ، وكان له نشاط أدبى ملحوظ فى تونس ، ولعل أهم ما أنجز أدبيا محاضرته عن : ( الخيال الشعرى عند العرب ) التى القاها سنة 1929 بنادى ( الخلدونية ) وطبعت فى كتاب خاص فيما بعد .
ويؤكد الشبابى في محاضرته قائلا : " قد انتهى بى البحث فى الادب العربى وتتبع روحه فى أهم نواحيه الى آفة أدب مادى لاسمو فيه ولا الهام ولا تشوف الى المستقبل ، ولا نظر إلى صميم الاشياء ولباب الحقائق ، وانه كلمه ساذجة لا تعبر عن معنى عميق بعيد القرار .. "
وأعتقد أن في قوله الشابى هذه ما يؤيد أنه كان أجرأ شعراء العرب فى النصف الاول من هذا القرن . وأكثرهم راديكالية ، وتمرد الشابى هذا بلغ اقصى مداه (9) . فلم يصل اليه معاصروه بمن فيهم العقاد وجبران ونعيمة .
- الشابى الشاعر المبدع والمجدد :
وصاحب ( أغانى الحياة ) و ( المذكرات ) ، و (الخيال الشعرى عند العرب) كان فى بداية حياته الادبية قليل النضج ، لكن تشجيع زين العابدين السنوسى له فى تونس ، وتشجيع أحمد زكى أبى شادى له ايضا فى مصر جعلاه يقدم على تطوير تجربته الشعرية ، وساعدته مطالعاته الواسعة للأدب المهجرى وللتراث على أن يشق طريقه كشاعر مجدد ثار على التراكيب الكلاسيكية وعلى التراث فكثرت تساؤلاته : أين العقل ؟ .. وأين الحس العربى في الشعر ؟ .. وهل الروح العربية خطابية ومادية ؟ .. وأثار فى نثره مفهوم الشاعر ودوره الريادى وهل الشعر العربى يمثل مشاغل الامة العربية ؟ ..
ان الشابى فى كل ما طرحه من قضايا فكرية وأدبية فى " الخيال الشعرى عند العرب " كان ثائرا وعنيفا فى ثورته وقد جاهر بآرائه ودون التواء (10) .
فالشابى الذى وهب حسا شعريا واجتماعيا عميقا عاش ثائرا على أوضاع مجتمعه وعلى الشكل التقليدى للشاعر .. أبى أن يكون الشاعر مداحا ، وأبى أن تنحصر أغراض الشعر فى المفاهيم القديمة كــ : ( الفخر ) ، و ( الغزل ) ، و ( الحروب ) ، و ( الوصف ) .. أراد أن تبقى قصانده تنير الدروب ، ومشتعلة فيها روحه ، والتزم بالثورة ، واستطاع أن يقدم نماذج جديدة للقصيدة العربية الحديثة .
ونستطيع أن نكتشف استغراقاته فى هذه المعاني في قصائد كثيرة منها : ( صلوات فى هيكل الحب ) ، و ( النبى المجهول ) ، و ( ارادة الحياة ) ، و ( نشيد الجبار ) .
ان الشابى فى كل هذه القصائد كان مجددا وعلامة من علامات الفن الابداعى وقيمة فنية متميزة .
لقد عرفت تونس شعراء كثيرين فى جيل الثلاثينات وفيما قبله ، ولكن الصوت الشاعرى الحق كظاهرة شعرية مختارة ومتميزة وذات قيمة وفعالية لم يبرز الا بظهور هذا الشاعر .. واستطيع أن أقول : إن هذا الشاعر فاق أستاذه الدكتور أحمد زكى أبا شادى الذى نشر له بواكير قصائده فى مجلة ( أبولو ) فى بداية الثلاثينات .
والشاب كظاهرة شعرية تغنى بأشياء كثيرة تغنى بالحياة والموت ، وتغنى بالفرح والألم فعندما تقرأ أشعاره تجد أن لكلماته وصوره وأخيلته عوالم سحرية مثيرة وموسيقى تأخذ بالألباب ، واحساس قوى بصدق مشاعره وميوله الانسانية .. ففى شعره تبدو ثورته العنيفة على الظلم :
الا أيهــــــا الظالــــــــــــم المستبــــد حبيب الفناء عدو الحياه
سخرت بانات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه
وعشت تدنس سحر الوجود وتبذر شوك الأسى فى رباه
* * *
رويــــدك لا يـــــخدعنك الربيـــع وصحو الفضاء وضوء الصباح
ففى الأفق الرحب هول الظلام وقصف الرعود وعصف الرياح
ان هذا القصيد يعبر عن ثورة الشابى ، ويمثل بحثه عن عالم مثالى ، ويمثل رومانسيته ، وتحديه للواقع المقهور هذا .
الحقيقة التى واجهت الشابى كانت قاسية ولذلك ثار على الاوضاع المتردية ، وانك لا تجد قصيدا يشبه هذا الأقصيد عند شعراء عصره ، لذلك علق الدكتور أحمد زكى أبو شادى عليها فى سنة 1952 حينما قرأها من جديد قائلا : " انه وجد فيها مذاقا لم يألفه عندما نشر هذا القصيد لأول مرة فى مجلة ( أبولو ) فى ماى 1934 (11) " .
هذا هو الشابى ، الذى اعتنق الرومانطيقية وتأثر بجبران .. كان يريد استبدال عالم الحقيقة بعالم الخيال ، ولكنه وجد الأبواب موصدة فوقف مشدوها وحائرا يبحث عن نفسه المعذبة ، وعن رسالته كشاعر وفنان :
لا أنظـــــم الشعـــــــر أرجــــــــــــــــــو بــــــه رضـــــــاء الأميــــــــــــــــــــــــر !
بـــــــــمـــــــــــــــــــدحة أو رثــــــــــــــــــــــاء تهـــــــــدى لــــــــــرب السريــــر !
حسبــــى إذا قلــــــــــت شعــــرا ان يرتضيــــــــــــــه ضميــــــــــــــرى
وهذا هو الشابى الذى كتب تساؤلاته حول الحياة ، والموت ، والحق ، ولم يجد جوابا لتساؤلاته فزاد هذا الأمر فى حيرته وتشاؤمه :
نحن نمشى وحولنا هذه الأكو ان ، تمشى . لكن لأية غاية ؟
نحن نتلو رواية الكون للمو ت ، ولكن ماذا ختام الرواية ؟
هكذا قلت للرياح فقالت : سل ضمير الوجود كيف البداية ؟
ان أبا القاسم الشابى هو شاعر الحرية والثورة والوطنية (12) . وقد حمل على الرجعية فى عهده وسعى الى تبصير أمته بالنور والحياة فكتب في ( مذكراته ) قائلا : " لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب ، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذى في قلب الحياة أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت وانضاء القبور الساخرة . . "
هذا هو الشبابى الذي يشير بــــ ( الفجر الجديد ) وبــــ ( الصباح الجديد ) بعد طول انتظار :
ان ذا عصر ظلمة غير انى من وراء الظلام شمت صباحه
ضيع الدهر مجد شعبى ولكن سترد الحياة يوما وشاحه
ان هذا الشاعر حول بابداعاته مسيرة التجديد فى الادب العربى المعاصر ، ونقد الحياة الحامدة في عصره ، ومهد لارساء التجديد فى المادة الشعرية شكلا ومضمونا .
صدرت عن هذا الشاعر عدة دراسات متنوعة منها : 20 كتابا خاصا به ، و 5 كتب مقارنة ، و 120 كتابا تناولته بالبحث ، و 21 ديوانا بها قصائد فى رثائه عدا مئات المقالات المترجمة بلغات أجنبية .
فهل نقف اليوم وقفة حداد وحزن عليه ؟ أبدا ان الشابى مازال حيا بيننا .. الشابى لم يمت منذ خمسين عاما وان دفن جثمانه وغاب كيانه عن أبصارنا
وكيف يمكن أن يكون قد مات ، من خلق للانسانية أناشيد الفرح ، وأهازيج الغرام ، وأغانى الحزن ؟
كيف يمكن أن يموت من عاش قيثارة تتغنى ، وزهرة تتضوع ، وينبوعا يفيض بالسحر والالهام ؟
وكيف يموت ؟ من قال :
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء (13)
وهل يموت من وضع ( أغانى الحياة ) واحترق شوقا اليها ؟
ان الشابى مازال حيا ولابد لنا أن نقف له وقفة اجلال وتقدير ، لأنه من هؤلاء الشعراء الكبار الذين يملكون صفة الحضور المتجدد .
هو شاعر رومانسى ، اذ فى شعره " ما فى شعر الرومانسيين جميعا من حزن ولوعة وشجن ، وفيه نزعة عاطفية تعمر كل احساسه بالناس والطبيعة والأشياء (14) ولكن رغم رومانسية هذا الشعر ، فهو شعر قوة وليس شعر ضعف .
ومن هنا جاء شعره تمردا صريحا على الواقع المشوه .. ثار الشابى على الاستعمار وثار على التقاليد البالية .. لكنه ثار أكثر على العرب فقد كانت له رؤيا مستقبلية تتلخص فى وجوب تطوير المجتمع والنهوض بالقيم والمبادىء ..
الشابى كان دائما يصب غضبه على شعبه ويدعوه الى يقظة الاحساس بالحياة .. وتلك هى رسالته ، ومن أجل هذا كان دائما شاعرا متميزا وله القدرة التى تضمن له بقاء متصلا .

