الشعراء صنفان مقل مجيد يفضل الكثافة ويشحن أبياته بأشــد المعانى والصور عمقا وتوترا ، وصنف فياض ينساق مع تداعى الكلمات ويملأ الدنيا هديرا . ويغوص الاول فى دهاليز الذات وينزل الى الجحيم لاستخراج الكنوز الخفية والرؤى المتوهجة المتأججة ويولد الخصوبة الدفينة وهو الذي يستقطر نسغ الاشياء عبر كيمياء الكلم والالم ليصنع منه مركز العطور والسوائل أما الثانى فانه يرتع فى السهول والمنبسطات يقتطف النبت ويجمع كل ما يطفو على الارض فيعود محملا بالازهار والحشائش .
هناك اذن شعر عمودى ينزل الى الاعماق ويرتفع الى القمم يجعل من صاحب عامل منجم أو رياضيا يتسلق الشواهق فهو فى كلا الحالين مرهق لا يكاد يملأ جرابا واحدا بقراضة الذهب او الاحجار الكريمة ، وهنـــاك شعــر افقى صاحبه خطاب أو حصاد ينتقى ما يجمعه قدر الامكان فلا يكاد يسلم سمينه من غث .
وتبدو الاشياء في نظر القارئ السطحى وكأن الامر يتعلق بفارسين حصان احدهما حرون صعب القياد وحصان الثانى عداء يقطع شاسع المساحات ، والحقيقة ان الشاعر المقل ليس بأقل انتاجا خاما من الشاعر المكثار ولكنه يؤثر الكيف على الكم بل هو اكثر من غيره استهلاكا للورق يسوده ويمزقه فلا يبقى الا ما استبقاه الغربال الذاتى . لذلك يدوم عنده نسج القصيدة شهورا عـــدة . بل ان كثيرا من شعراء هذه الطبقة يشعرون بالاحباط فلا ينهون قصائـــدهم بل يلقون بالقلم ويستسلمون وذلك لاحساسهم العميق بأن معدات الشاعر من كلمات وتقنيات تقصر دائما عن التعبير عن أخلص الـــرؤى والافكــار ،
ويمتاز هؤلاء الشعراء بأنهم متحررون من المناسبــات والاحـــداث وحتى اذا اشتغلوا بحدث ما فليستخرجوا منه جوهر الاشياء وليستخلصوا الابقى من المؤقت والزائل .
وبالنظر الى هذه المعاناة الدائمة والى هذا الانتقاء المستمر فان انتاج شاعر من هذا الصنف لا يتجاوز الديوان الواحد مهما طال بصاحبه العمر بل نستطيع ان نعمم فنقول ان كل شاعر مهما كان سخاء قريحته وفيض الهامه لا يترك الا ديوانا واحدا وانه لمن اليسير على المنتقى ان يغربل دواوين الشاعر الواحد قصيدة قصيدة وبيتا بيتا فلا يستبقى فى النهاية الا مجموعة واحدة قد تكبر وقد تصغر ولقد حضرت مؤخرا تجربة طريفة رائدة خلال أمسية شعــريـــة أقيمت تكريما لعدد من الشعراء فى بلد اجنبى عمد فيها أحد المختصين فى تلاوة الشعر الى انتقاء أجمل الابيات فى ديوان معين فكون بها قصيدة مطولة كانت فى منتهى الروعة والتأثير .
ان كبار شعراء النصف الثانى من القرن الماضى والنصف الاول من هذا القرن فى أوروبا ممن اثروا فى الشعر الحديث كله أمثال بودلير ، ووالت ويتمن ، ورامبو ، ومالرمى ، و ت . س . اليوت ، وفاليرى ، اشتهر كل منهم بمجموعة واحدة بل قام مجدهم على قصائد معدودات ، فاليوت هو صــاحب قصيدة (( الارض اليباب )) وفاليرى صاحب (( المقبرة البحرية )) كذلك يمكــن ان نقول ان الشابى هو صاحب (( ارادة الحياة )) أو (( صلوات فى هيكل الحب )) أو (( نشيد الجبار )) . وفى اعتقادى ان الشابى لو طال به العمر لعمد الى غربلة ديوانه وقصائده خاصة إذا كان بجانبه الشاعر الناقد النصوح الذي يساعده على عملية الغربلة .
اذ من المعلوم ان (( أليوت )) مثلا لما أتم قصيدة (( الارض اليباب )) التى تعتب الى اليوم رائعة القرن العشرين ارسل بها الى صديقه ازراباوند ليقرأها ويقول فيها رأيه قبل النشر فأعادها اليه بعد أن شطب منها ابياتا كيثرة اعتبرها من قبيل الحشو فأخذ اليوت بالنصيحة وأسقط كل الابيات التى لم تحـظ بارتياح (( باوند )) .
وبالرغم من اقتناعنا بضرورة الانتقاء وباتلاف ما يستحق الاتلاف من الشعر فان قصائد الشابى التى ينبغى فى نظرنا اعمالها هى التى تسترعى اهتمامنا فى هذه النظرة السريعة التى نلقيها على ما سميناه بسنوات المخاض وغايتنا من ذلك تتبع مراحل ميلاد شاعرية جديدة فى يسرها وعسرها ، فى انفراجها
وتوترها . فمن خلال قراءتنا لقصائد الشابى التى لم يكتمل فيها النضـــج يمكننا الوقوف على حالته الشعرية الخام التى هيأت الظروف لأحسن ما أنتــج فيما بعد .
لقد اعتبرنا قصيدة (( النبى المجهول )) أولى قصائد الشابى التى أحسسنا فيها بتمكنه من وسائله وبحذقه لصناعته فجعلناها حدا فاصلا بين المحاولة والابداع الحقيقى وقد نظمها الشاعر في ٢١ يناير ١٩٣٠ لذلك حصرنا الاهتمام بالانتاج الحاصل قبل هذا التاريخ أى من فبراير ١٩٢٣ الى أكتوبر ١٩٢٩ .
ان أولى قصائد الشابى المثبتة بالديوان هي (( الغزال الفاتن )) وقد كتبها فى فى ٢٣ فبراير ١٩٢٣ أى فى سن الرابعة عشرة وهذا يثبت انه قال الشعر مبكرا كمعظم الشعراء الاصيلين ، وتستحق هذه القصيدة وقفة قصيرة لنلاحظ أنه نظمها على وزن مجزوء الخفيف وهي موحدة القافية وتقليدية تماما لا تسطع منها أية رؤيا أو صورة جديدة . العنوان نفسه تقليدى . ومن حسن حظ الشابى انه فشل فى التقليد والاتباع فأطلق العنـــان لخيــــاله فى قصائـــده الموالية ، وهذا الفشل لا يتمثل فقط فى اجترار صور القــدامى والجنـــاس المتكلف بل وفى نشاز بعض التراكيب ومن ذلك قوله :
رب ظبى علقــتــه بالبها قــد تقــرطقا
. . . وشقيق بخده مهج الخلــق شققا
خصره من نحافتى ونحولى تمنطـقــا
مــرشفــاه بــخــده ودمائى تخلقا (١)
وقد رجعت الى بعض القواميس لفهم بعض الكلمات الغريبة الواردة فى هذه المقطوعة وعلى كل فانها لا تعدو كونها انشاء مراهق بذل جهدا فى الزركشة اللفظية يستحق عليها علامة مدرسية .
والملاحظ ان التقليد راود الشابى مرة ثانية بعد دخوله مرحلة النضج اذ عارض دالية الحصرى القيروانى بقصيدة (( صفحة من كتاب الدموع )) (٢) فكانت المعارضة باهتة متكلفة ومن حسن الحظ أن فشل الشابى فى هذه المحاولــة
أيضا فاختار الحداثة والابداع نهائيا عدا قصيدة أخــرى بعنــوان (( أنسيــم يهب)) (٣) من نوع الاخوانيات يـــرد فيها على تهنئة شعــرية تلقاها بمناسبة زواجه ولم أجد لاثباتها فى ديوان (( أغانى الحياة )) أى مبرر .
لقد عالج الشابى في سنوات المخاض أى فى مرحلة المحاولة والتكوين كل الاغراض واستكشف كل الآفاق ، كل القمم وكل الفجاج ، كل الانسام وكل العواصف التى يشكل مجموعها عالمه الشعرى ورؤياه الكونية ، وهو فى ذلك كله يتوقف بين الحين والآخر ليستجلى رسالة الشاعر ليرسم معالم الشعر ، حتى يكون على بينة من أمر الابداع ، وهذا أول ما يميزه عن شعراء عصــره الذين يكتفون من الشعر بكتابته .
كان الشابى قد تجاوز السادسة عشرة من عمره ببضعة أشهـــر عندمــــا استخلص جوهر ما يختلج بقلبه فأعطانا بيانا عن تصويره للشعر فى قصيدة بعنوان (( شعرى )) .
شعــرى نفــاثة صــدرى ان جاش فيه شعورى (٤)
فالشعر اذن جزء من كيانه ونفس زاخر بالاحساس يصاعد من صدره وليس حركة منفصلة عن الذات اكتسبها بالدرس والتطبع بل ليس مجرد تعبير عن انفعال ما ، انه هو الانفعال عينه فهو الحزن والطرب ، انه الشئ لا ظل الشئ ثم يبين الشابى غايته من ممارسة الشعر :
لا انتظــم الشعــر أبغى بـــــه رضــــاء الأمــيــــر
بــمــدحـــــة أو رثـــــــــاء تهــدى لـــرب الســريــر
حسبي اذا قلت شعرا أن يرتضيه ضميرى (٥)
وهكذا يؤكد الشابى منذ البداية اعراضه عن الاغراض التقليدية من مدح ورثاء فالشعر شعور تلقائى محض يتسم بالرفعة والجلال ولا يتخــذ مطيــة للتكسب والتزلف . وبذلك تتم القطيعة بين الشاعر وبين شعراء جيله ، واذا كان لا بد من الاطراء والامتداح فلا يكون ذلك الا للوطن وللمثل :
ما الشعــر الا فضـــاء يـــرف فــــيـــه مــقـــالى
فيمــا يســــر بـــــلادى ومــا يســــر المــعــالى
ومـــا يثيـــر شعـــورى من خافقات خيالى (٦)
وفى قصيدة بعنوان (( يا شعر )) تناهز أبياتها المائة يعود الشابى بعد عامين ونصف الى مناجاة الشعر وابراز خصائصه باعتباره الناطق باسم الشعور وباسم الروح وباسم القلب وباعتباره الرفيق والمخاطب والمعزى فى غــربــة الشاعر وسرعان ما يتحول الشعر نتيجة التحام الشاعر بالطبيعة وحلــوله فيها وحلولها فيه من احساس فردى الى احساس كونى شامل :
يا شعر انت مدامع علقت بأهداب الحياة
يا شعر انت دم تفجر من كلوم الكائنات (٧)
وككل الشعراء ممن صفا معدنهم ينطلق الشابى من الجزء الى الكل ويلبس الشعر رداء الاهيا يمكنه من جمع شتات الكون :
يا شعر يا وحى الوجود الحى ، يا لغة الملائك
غرد فايامى انا تبكى على توقيع نايك (٨)
هذه اللغة الملائكية المستقلة المترفعة هى الكفيلة بأن تصوغ الاسئلة الكبرى وأن تصوغ الاجوبة وهذه القدرة يستغلها الشاعر لاستكشاف اسرار الحياة والموت فصولا وبحارا وسهولا وجبالا وزهورا وطيرا .
ان الشعر عند الشابى هو عزاء الشاعر الوحيد والخيط الذى يشـده الى الحياة فى خضم المنايا :
يا ناى احلامى الحبيبة يا رفيق صبابتى
لولاك مت بلوعتى وبشقوتى وكآبتى (٩)
ويمر عام وتسعة أشهر فيحس الشابى بالحاجة الى العودة الى المناهل وكأنه يريد أن يراجع الذات حتى لا تحيد عن المنهج فيكتب قصيدة ثالثة بعنــوان (( قلت للشعر )) فيؤكد من جديد تصوره للشعر (( فلذة من فؤاده وقطعة مــن وجوده )) مستعرضا بالتفصيل العناصر المكونة لطبيعة الشعر فى تنـــوعهـــا وتناقضها وتكاملها الحاسم :
فيك ما فى عــوالمى مــن ظـلام سرمــدى ومــن صبــاح وليــد
فيك ما فى عوالمى مــن نجـوم ضاحكات خلف الغمام الشرود
فيك ما فى عوالمى مــن ضبـاب وسراب ويقظة وهجود (١٠)
وهذه القصيدة بوجه عام خالية من أية طرافة الا أنها تحدد بالتـــــدقيـــق علاقة الشابى بالشعر بل انها تثبت تطابق المعبر مع التعبير فالشاعر هـــو الشعر فى نهاية التحليل . وعلاوة على ذلك فان اهمية هذه القصيدة تكمن فى أنها تتضمن جزءا كبيرا من الرصيد اللغوى الذى استعمله الشاعر فى قصائده الماضية واستمر عليه فى قصائده اللاحقة كما انها تشتمل على معظم الصور الشعرية التى ستنمو وتتطور فى باقى شعره وعلى هذا الاساس يمكن اعتبار قصيده (( قلت للشعر )) مخطط الدروب والآفاق التى تشكل جغــرافية الشابى الشعرية وتحدد مملكته المستقلة وتميزها على الضيعات الصغيرة التى تعيش تحت اقطاع التقليد وفى ظل وصاية القدامى .
لو أردنا ادخال تغيير جزئى على عنوان ديوان الشابى لاضفنا اليه كلمة واحدة فيصبح (( أغانى الحياة والموت )) ذلك ان الموت شبح يخيم على الكثيــر من قصائد الشابى الحزينة وقد خصه الشاعر فى المرحلة التى تعنينا وفى الحدود المرسومة لعملنا بأربع قصائد أولاها بعنوان (( مأتم الحب )) ( ١١ ) نظمها وهو فى سن السابعة عشرة وفيها يتحدث عن موت حبيب غامض مجهول و لا نحسبها الا هوسا شعريا يداخل ذهنا بدأ يتحسس رفيف المنية ولكن الموت فى ضبابية الشابى الاولى يبدو خلاصا من أتعاب الحياة و مرفأ يلجــأ اليــه المعذبون لذلك نرى الشاعر فن غمرة الاحزان بعد تجربة الالــم فى قصائــد سابقة يكتب قصيدة غريبة بعنوان (( الى الموت )) يدعو فيها سجناء الوجــود
والمحاضرين والبؤساء الى الانعتاق عن طريق هذا المنفذ المفضى الى الامـــانى البعيدة :
الى الموت ان شئت هون الحياة فخلف ظلام الردى ما تريد (١٢)
ذلك ان الحياة الحقيقية فى نظر الشابى من خلال هذه القصيدة على الاقل تبدأ فى الموت بل ان الموت حياة تنبض بقلب رحيم .
وجـــام روى لمن أظماته سموم الفــلاة ومهد وثير تنام بأحضانه الكائنات (١٣)
ويختم الشاعر هذه الدعوة المرغبة فى الموت بأبيات تكاد تكون بوحا بحبه وتغزلا فيه :
هو الموت طيف الخلود الجميل ونصف الحياة الـــذى لا ينـــوح
هنالك خلـــف الفضـــاء البعيــد يعيش المنون القـــوى الصبــوح
يــضــم القــلــوب الى صــــدره ليأسو ما مضها من جروح (١٤)
لا شك أن الشابى قد بدأ فى تلك الفترة يطالع بعض النصوص المترجمة عن الادب الرومانسى الاوروبى الذى يصور الموت ملاكا يأخذ الارواح الوجيعة الى المطلق حيث السعادة والحب وبالرغم من ميل الشابى الطبيعى الى التشاؤم ندرك انه منساق هنا مع انفعالات وتأثرات روائية فالموت حقيقة اخرى مختلفة مع . هذا التصور . وبوفاة والده أحس الشاعر بثقل هذه الحقيقة الرهيبـــــــة واذا (( بالمهد الوثير )) ((والصوت الرخيم )) و (( القلب الرحيم )) تتحول إلى وحــش ذي ظفر وناب :
يا موت قد مــزقت صــدرى وقصمت بــالارزاء ظــهــرى
. . . وفجعتــنى فيمن احــب ومــن اليــه أبـث سرى (١٥)
ويسترسل فى مخاطبة الموت ببيان اهمية المحبوب الذي اختطفته يده فهو (( فجر جميل )) و (( غاب )) و (( محراب )) و (( عمدة )) و (( صرح )) و (( رواح ))
و (( قلب )) و (( ركن )) الى غير ذلك من التفاصيل والمجازات الاستعراضية التى لا تخلو من السطحية والتكرار وفى خضم اللوعة واليأس يطلب الشاعر من الموت أن يأخذه اذ لم يعد يتحمل ما يعانيه من شقاء وبؤس فى حياة انقطعت اسبابه بها .
يا موت ماذا تبتغى منى وقد مزقت صدرى
ماذا تود وانت قد سودت بالاحزان فكرى
وتركتنى فى الكائنات أئن منفردا باصرى
وأجوب صحراء الحياة ، اقول (( أين تراه قبرى ؟ )) (١٦)
ورغم صدق العاطفة وحرارة اللوعة فى فؤاده فان الشابى لـــم يفلــــح فى صناعة قصيدة جيدة اذ هى دون المرائى الكلاسيكية المعروفة فى الشعر العربى ودون التأملات الحزينة التى أوحى بها موت الاحبة الى شعراء الغرب قـــديما وحديثا ذلك أن الشاعر لا يرتقى الى مرتبة التأثير ما لم يتجاوز تجربة الالم فى لحمه ودمه وما لم يتحرر من خصوصية فجيعته الشخصية بأن يجعل منها منطلقا الى استجلاء منزلة الانسان ومصيره كحقيقة مطلقة . وتجدر الاشارة هنا الى أن قصيدة (( الى الموت )) وهى تجربة نظرية مستمدة من مخزون الشاعر الثقافى هى أقرب الى الابداع الفنى من مرئية أبيه وهى مستمدة من تجربة
عملية ولكنها تستند في الظاهر الى مخزون أنماط الالم المتوارثة عن الاســـر والعشائر وبعبارة اخرى فان هذه القصيدة ، بقيت محدودة لا تعبر الا عــن لوعة شخصية فى حين أن الشعر يتطلع دائما الى الشمول بتعميم الحــالـــة الخاصة ولا يتم ذلك الا بتوسيع الرؤية وتجاوز الذات عن طريق تطعيم التجربة بالتفاعل الثقافى فالتجربة ليست مجرد محسوس مباشر بل هى تراكم كل التجارب الانسانية فى قلب الشاعر ، وذلك هو بالفعل ما توصل الشابى الى اكتسابه والى استثماره بالنسبة الى روائعه التى صاغها فيما بعد ، وخاصة فى موضوع الحب .
الحب يحتل مكانة ممتازة فى شعر الشابى ويبدو أنه ذاق حرقته مبكرا ، ومهما يكن من امر فان ثانى قصيدة كتبها الشابى حسب ما جاء فى التسلسل الزمني المثبت فى (( أغانى الحياة )) جاءت بعنوان (( أبها الحب )) وفيهــا قائمــة
بوظائف الحب بالنسبة الى الشاعر خلاصتها أن الحب هو (( سر الوجود )) وهو الشئ ونقيضه ، العذاب والمتعة ، العلقم والسلاف وأن الانسان مهما شرب منه لا يرتوى حزنا ولا انشراحا فيقول فى النهاية :
ليت شعرى يا أيها الحب قل لى : من ظــلام خلقت أم ضيــاء ؟ (١٧)
هذا البيت على بساطته يكتسى فى نظرنا اهمية بالغة لانه يتضمن من حيث الترتيب الزمنى أول سؤال بطرحه الشابى على نفسه وعلى الحيـــاة ، وأول وقفة له على عتبات حيرته الخلاقة والمفترسة فى آن واحـــد ، ثــم ان الظــلام والضياء يشكلان البابين الرئيسين اللذين ظل يطرقهما حتى نفذ منهما الى الغياهب والدياجير والاشباح والطيــوف والكــواكب والى الاشعــة واللهــب والرؤى .
ويعود الشابى الى الحب فى مقطوعة بسبعة أبيات نحس من خلالها انه لم يدخل التجربة بعد وانما نراه يستشف هذه العاطفة الكبرى ويتشوف اليها روحا الاهيا واجنحة نورانية تمزق الاغشية والحجب فهى المعرفة والائتلاف وهى الدرع الذي يقينا الويلات حين نخوضها وهو فى النهاية الغاية والمطلق من تجربة الحياة كلها والضامن لنفاذ الانسان الى الخلد فيما وراء الموت :
الحـب جــدول خمــر مــن تــذوقــه خاض الجحيم ولم يشفق من الحـــرق
الحب غــاية آمـــال الحــيــاة فــمــا خوفى اذا ضمنى قبرى وما فرقى ؟ (١٨)
وكلمة جدول التى يستعملها الشابى للمرة الرابعة والى حد هذه الابيات ، مشحونة برمزية مائية وبكائية طاغية على الجزء الاوفر من شعره فلو جمعنا ما انصب فى هذه المرحلة التمهيدية من دموع وسيول وأنهار وبحار وكؤوس وأكواب لعم الطوفان ، ومهما كان التكرار ومهما كانت المبالغة فى استعمال هذا الرمز فان الشابى قد نجح بذلك فى أن يجعل لشعره خريرا وهديرا وصخبا رقراقا نلمس فيها بالخصوص التحامه بالطبيعة فى اشراقها وضبابها ولعل قصيدته (( الحب )) أفصح انموذج لهذه الظاهرة المائية ولما يلتف بها من اخضرار وغابات وبلابل .
قد كان لى ما بين احلامى الجميلة جدول
يجرى به ماء المحبة طاهرا يتسلسل (١٩)
. . . هو جدول قد فجرت ينبوعه فى مهجتى
أجفان فاتنة أرتنيها الحياة لشقوتى (٢٠)
هذا الحب السخى الفياض تفجره امرأة فاتنة فهل أحب الشابى امرأة معينة وهو فى الثامنة عشرة ؟ من تكون هذه المرأة الساحرة التى ايقظت قلبه وزرعته احلاما وآمالا ثم ماتت فأظلمت الدنيا فى عينيه وتاه فى القفار ؟ يعسر علينا أن نجيب عن هذا السؤال وأغلب الظن انها امرأة مثالية ضبابية ابتدعها خياله ولكنها أصبحت حقيقة وجدانية تشهد بصدق التجربة ، ولعل موت الاحـــلام اشــد وقعا وايلاما من موت الواقع :
كنا كزوجى طائر فى دوحة الحب الامين
. . . ملأ الهوى كأس الحياة لنا وشعشعها الفنون
حتى إذا ما كدنا نرشف خمرها عضب المنون (٢١)
. . . مات الحبيب ، وكل ما قد كنت ترجو أن يكون (٢٢)
لقد وضع الشابى منذ البداية حدا فاصلا بين الغزل السطحـى المجــزئ للمرأة عيونا صائدة وشفاها عسلية وجبينا مشمسا وبين قصيدة الحب التى تجعل المرأة مفتاحا لاسرار الطبيعة وربيعا دائما لغاباتها وعصافيرها ووسيطا بين الارض والسماء ، بين المادة والروح ، وطيفا زائرا محملا بهدايا النــور يمر بنا فيسعدنا ثم يتبخر فيسلمنا الى الضياع ومن هنا ندرك اسرار احزان الشابى واذا أمكن تلخيص ما لا يلخص من كآبة الشابى الشاسعــة التى لا تداوى نلاحظ ان الحياة فى نظره ، حياة الطفولة ، أو حياة الماضى المجهول التى عاشها الشاعر قبل الميلاد كانت جميلة سعيدة طاهرة ولكن رياحا معاكسة تهب فتعصف بكل شئ فى لحظة الاطمئنان وتعظم هذه الكآبة الشعرية كلما اختفت اسبابها .
كآبة الناس شعلة ومتى
مرت ليال خبت مع الابد
اما اكتئابى فلوعة سكنت
روحى وتبقى بها الى الابد (٢٣)
ويشتد فى نفس الشاعر الاحساس بموت الاشياء وتلاشى الرؤى فتستوقفه (( الزنبقة الذاوية )) ويلبس حدادها ولعل الشابى قد رفع زاوية الحجاب لادراك ما به اذ توجه (( الى الله )) يقول :
انت عذبتنى بــدقــة حســى وتعقبتنى بكل الدواهى (٢٤)
ولعل دقة الحس هذه هى الحاسة الاضافية التى تستفز انفعالات الشاعر ازاء ما يرى وما لا يرى من ظواهر وتعود به حينا آخر الى متاهات الابد فيستبد به الحنين الى حياة أخرى :
- أنت انزلتنى إلى ظلمة الارض وقد كنت فى صباح زاه (٢٥)
- ضاع أمسى وأين منى أمسى وقضى الدهر أن أعيش بيأسى (٢٦)
- بالامس قد كانت حياتى كالسماء الباسمه
واليوم قد أمست كأعماق الكهوف الواجمه (٢٧)
الى أى أمس يشير الشاعر ؟ وكم عمره حتى يكون له أمس ؟ ان الجواب يكمن فى كون الشاعر الحقيقى وريث كل ما تراكم من ألم وخيبات طوال القرون الخالية . وعلى هذا الاساس فقط تكون للتجربة الشعــرية قـيـمتهـــا الانسانية التاريخية الجماعية . ان خزانة ما من خزانات الذاكرة ما زالــــت تحتفــــظ بذكرى حياة كانت سعيدة ثم ولت وانتهت :
كان فى قلبى فجر ونجوم وبحــار لا تغشيهـــــا الغيــــوم
. . . فاذا الكل ظلام وسديم (٢٨)
وعلى هذه الاحزان الاصلية يقوم الاحساس الرومانسى بأن الفــرح ذاتــه كآبة مقنعة .
ليس في الدهـــر طائـــر يتغنـــى فى ضفاف الحياة غير كئيب (٢٩)
ان التشاؤم فى الاصل انكسار واستسلام واستقالة من كــل الوظــائف الانسانية ولكن تشاؤم المبدعين حافز على الانتاج والتأمل والاكتمال وما ذلك الا دليل على شغف الشعراء بالحياة ولقد حاول الشابى فى البداية أن يتغنى (( بجمال الحياة )) (٣٠) وأن يلتمس الهناء فى الغابات مع الرعاة بين أحضـــان الطبيعة . ولكن الواقع دائما مخيب للظن وهو مصدر كل ما يحس به الشاعر من حرمان وقلق ولقد كان الواقع التونسى فى عصر الشابى مريرا قاسيا اذ كان الوطن يعانى ويلات الاستعمار والجهل واللاوعى ، ومع ذلك ورغم نزوع الشابى الى التشاؤم في معظم ما عالجه من أغراض ، تراه - وهذا مدهـــش حقا - يستشف انفراج الازمة وتقشع السحب بالنسبة الى الوطن المغلول . وأولى قصائد الشابى الوطنية هى (( تونس الجميلة )) وقد كتبها قبل ظهـــور (( ارادة الحياة )) بثمانى سنوات ، ويقول فيها بالخصوص :
أنا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت أى سباحه
شــرعتى حــبــك العميق وانــى قد تذوقـــت مـــره وقــــراحـــه
. . . ان ذا عصر ظلمة غير أنـى من وراء الظلام شمت صباحه (٣١)
ويؤكد الشابى نظرته المتفائلة بمستقبل الشعب الذى يملك وحده مفتاح سجنه يديره فى القفل متى أراد فيقول فى قصيدة أخرى بعنوان (( الى الطاغية )) :
يقولون : صــوت المستــذلين خافت وصوت طغاة الارض أطرش أصخم
وفى صيحة الشعب المسخر زعـزع تخر له شــم العـــروش وتهـــدم (٣٢)
والابيات مشحونة جميعها انذارا للمستبد وايماننا بالغضب الشعبى العارم المفضى حتما الى الثورة والتحرر . ويتضح لنا موقف الشابى المتشائم ازاء مصير الفرد لاعتقاده بأنه معرض للضياع والتيه فى حيــن أن تفــاولـــه ازاء الجماعة صادر عن ايمانه بأن للشعب ديمومة ثابتة وقوة متى حركها لا تقهر .
تلك هى فى عجالة بأهم الخمائر التى اختلجت بأعماق الشابى طوال سبع سنوات من التدرب والمعاناة الاولية جمع خلالها مواد البنـــاء الشعـــرى التى شاد بها فيما بعد هيكله الثابت . بقى أن نقول كلمة عن جانب مهم فى صناعة الشاعر أعنى بحوره وأوزانه وهذه قضية تحتاج الى دراسة تفصيلية تبرز كل عناصر الحداثة فى شعر الشابى .
يشتمل ديوانه (( أغانى الحياة )) على ٢٦٧٨ بيتا نصفها تقريبا نظم فى سنوات المخاض وقد كان فى هذه المرحلة يتلمس طريقه فى مجال الاوزان فجـــرب الخفيف والطويل والبسيط والكامل والمتقارب والرمل والمجتث والســريــع والمنسرح أما فى مرحلة النضج فقد أهمل المجتث والمنسرح وتدارك المتدارك . والملاحظ أنه لم يستعمل الوافر وهو من البحور التى كان لها رواج .
وفى الجملة فان أكثر البحور استعمالا فى شعر الشابى بوجه عام أربعة هى بالترتيب الكامل فالخفيف فالرمل فالمتقارب وهى أوزان معروفه ذات ايقاع محكم وذات قابلية للاسترسال ولاستيعاب الصور . هذا وقد حاول الشابى فى البداية أن ينسج على منوال الموشحات (( المهجرية )) ان جاز هذا التعبير ، فلم يتجاوز الاربع و الخمس قصائد من هذا الصنف مقررا اتبــاع النهـــج العمودى فى بناء القصيدة بل ان قصائده موحدة القافية بما يقارب ثلثـى الديوان ولذلك يجب التماس الجدة والطرافة فى شعر الشابى مــن خــــلال رصيده اللغوى ومن خلال الصور والرؤى والاشباح والطيوف الظاهرة والخفية التى عرف كيف يحركها بقلم سحرى يقطر ندى ودموعا ونسغا ورحيقا .

