الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

أبو القاسم الشابي

Share

إذا ألقينا نظرة سريعة على نماذج الشعر التونسى فى العقود الاربعة الاولى من هذا القرن ، رأينا أن الشعراء التونسيين - ما عدا الشابى - كانوا مغمورين بالنسبة الى العالم العربي . والسبب الاساسى فى بقاء هؤلاء الشعراء في الظل هو أن شعرهم في جملته أعوزته المتانة ، فالقصائد التي جاءت في مختارات محمد الفاضل بن عاشور ، وزين العابدين السنوسى  (*) ، لا تكشف عن ابداع يؤثر ، وتذكرنا بالشعر الذي لم يوف على الغاية في الشرق العربي . ولعل أظهر اوجه الضعف الاساسية كما نراها فى هذه النماذج تقع في أشكالها عموما وفي تركيب جملها ، مع ركاكة فى اللغة والعروض .

ان اول تفسير يفرض نفسه على الناقد ، ويكشف عن حقيقة هذه العيوب ، هو أن الشعر التونسي ، فى القرن التاسع عشر ، لم يظفر بشاعر عظيما يوفق الى بعثه بكتابة شعر قوى - لم يكن هناك بارودى ولا شوقي - ثم فى العقد الثالث من هذا القرن ، عندما بدأت الرومانسية فى التطور بميلها الى نمييع أساليب التعبير الثابتة المقبولة ، والانحراف عن التشبيهات الصور الراسخة فى الشعر الكلاسكى ، فانها لم تجد أرضا صالحة ممهدة لظهورها . لقد أقيم الشعر الرومانسي التونسي على أسس ضعيفة نسبيا ، فزادته ضعفا ، وأثر هذا كله فى شعر الشابي ، فلم يكن قادرا على أن يتخلص كلية من هذا الذى أشرنا اليه .

وكانت رومانسية أكثر الشعراء التونسيين تعبيرا عن الكآبة والانقباض . لم يكن هذا راجعا الى القهر السياسى الفرنسى والظروف الاجتماعية فقط ،

كما يؤكد محمد الفاضل ابن عاشور ، وانما كان راجعا أيضا الى التناقض بين الحياة الغربية الناهضة ، وصورة الحياة فى الوطن ، بين المثالية والواقع - وأطلقت هذه الحالة الشعورية ، التى تهيمن على الكثير من نماذج الشعر الذي قيل فى العقدين الثاني والثالث من هذا القرن ، تيارا رومانسيا كان الشابى أعظم معبر عنه فى العقد الثالث - وقد اقتدى الشعر الرومانسي التونسى ، الى حد كبير ، بالشعر الرومانسى المترجم عن الفرنسية . وبدأت نبرة ذاتية ، واتجاه استبطانى يستوليان بالتدريج على بعض نماذج الشعر . وعاصرت هذه الحركة حركة شعرية مثلها فى بلاد عربية أخرى تعبر عن احساسات الشاعر الداخلية وتجربته الذاتية . ولم يكن الشعر المصرى وحده الذى أثر هذا التأثير على الشعر التونسى بل ان شعر المهجر على وجه الخصوص أثر فيه تأثيرا عظيما .

نشأ الشابي  1909-1934  فى بيئة أدبية ، كانت متفتحة كما رأينا لتلقي التيارات الفنية التى تهب عليها من الشرق والغرب ، وانتفعت من وضعها هذا الى حد كبير . وبالرغم من وجود محاولات فى تونس للابداع في الشعر ، وللكتابة فى اتجاه رومانسى ، ولمعالجة موضوع الطبيعة ، واللجوء الى الباطن ، والغوص الى أغوار تجربة الشاعر الذاتية فى الحياة ، أى بالرغم من وجود أكثر خصائص شعر الشابى فى الشعر التونسى ، فان الشابى يبقى ظاهرة فى تاريخ الشعر التونسي الحديث . ان أبا القاسم محمد كرو يقر هذا ، أما عمر فروخ ، فعلى ادراكه أن الشابى صاحب موهبة عظيمة يتفرد بها وحده دون معاصريه من الشعراء التونسيين فانه ، كما يلوح لنا ، لم يدرك عمق ثورته ، ولا مدى مغامرته الفكرية والفنية اذا قسناه بالنسبة لزمانه ومكانه .

لقد كان ما أنجزه الشابى وحققه مثيرا للاعجاب - كان موهوبا ، وكان صاحب بصيرة شعرية اجتماعية نفاذة ، وجدت فى وقت مبكر طريقها الى صهر الخاص بالعام في تآلف وانسجام . كان قادرا على تبني طريقة ذات مستوى جديد غير مسبوق في الشعر العربي الحديث ، لا نستثني منه الا أمثلة هنا وهناك من شعر المهجر كقصيدة  أخي  المشهورة للشاعر نعيمة . ان للشابي قصائد عديدة نرى فيها معاناة الجماهير المهزومة من خلال معاناة الشاعر وتجربته الداخلية المحركة لعواطفه الشخصية المعذبة .

لقد عاش الشابي حياة قصيرة حقا ، وشعره الذي بدأ غير ناضج ولا واثق من نفسه لم يجد المجال الزمني الكافى حتى يصل الى أبعاده الحقيقية .

لقد نشأ الشابي في بيئة متخلفة ذات عقلية جبرية ، مستسلمة للتقاليد القديمة والقوى الرجعية المناهضة للتغيير - ولقد حدث هذه النشأة من انطلاقه الشعرى ، وهو بعد لم يكن مستطيعا أن يتخلص كليا من ضعف الشعر المحلى حوله . وبصرف النظر عن الآثار المعوقة فى الموروث الشعرى التونسى ، فالحقيقة الواقعة هى أنه اهتدى الى ادخال تغييرات فى الشعر بعيدة عن الدوافع الكلاسيكية - مما جعله أقل اعتمادا على الشعر التقليدي المصقول الجيد التركيب ، ولذلك كان أكثر اعتماده على المجددين فى العربية ، ومن ضمنهم جبران على ضعف بعض شعره المنظوم . وقد كان على الشابى أن يعتمد بوجه خاص ، على الاعمال الفرنسية المترجمة ، اذ لم يكن يعرف لغة أجنبية . ولكنه بالرغم من هذه العوائق فقد كانت للشاب صفات الشاعر العظيم .

ولد الشابى فى الشابية احدى ضواحي مدينة توزر فى الجزء الجنوبي من تونس ، وهي مشهورة بمناظرها الطبيعية الجميلة ، وكان أبوه قاضيا من خريجى الأزهر ، وقد اقتضى عمله أن ينتقل من مكان الى آخر مما أدى  الي تقطع واضطراب فى دراسة الشابى الاولى ، وتقسم تعليمه الاول بين أبيه في منزله وبين الكتاتيب التقليدية . وعندما بلغ التاسعة من عمره كان قد فرغ من حفظ القرأن الكريم ، وبعد أن قرأ العديد من كتب الدين والفلسفة والتصوف في مكتبة أبيه أرسل الى كلية جامع الزيتونة حيث قام بدراسات دينية ولغوية حتى تخرج فى عام 1927 . وبعد ثلاث سنوات تخرج من كلية الحقوق التونسية . ونلاحظ أن حياته خلال الاعوام التسعة التى قضاها فى العاصمة كانت - على المستوى الثقافي - مثمرة بشكل ظاهر . وأهم ما ميز هذه الفترة هو قراءاته الواسعة الشاملة فى الادبين القديم والحديث ، فلقد كان متصلا باستمرار بالادب المعاصر فى مصر والعراق وسوريا والمهجر ، وكان طه حسين والمنفلوطي والعقاد من بين من قرأ لهم فى مصر ، كما قرأ لشعراء المهجر امثال إيليا أبى ماضى ونعيمة وجبران . وكان تأثير جبران على الشابي موضوعا لكتاب ألفه خ . م . التليسي - وقد أكد أبو القاسم محمد كرو ، تأثير شعر المهجر تأثيرا عميقا عليه . وعندما أنشئت مجلة أبولو عام 1932 ، كان الشابي من أكثر الكاتبين فيها توهجا ، ويبدو ، بالإضافة إلى ما تقدم ، ان الشابي كان قارئا نهما للادب الغربى المترجم . ومن أظهر الكتاب الذين أحبهم من الغربيين لامرتين وفيته على وجه التحديد . ومن المؤكد أن حياة الشابي في العاصمة كانت ايجابية ونشطة فى الحقلين الادبى والاجتماعى ، وربما كان أهم حدث أدبي وقع له هو محاضرته الاولى التى ألقاها

عام 1929 في الجمعية الخلدونية بتونس - والمدهش في هذا هو أن هذه المحاضرة كانت الاولى التى ألقاها فى حياته - وكان عنوانها  الخيال الشعرى عند العرب  وقد نشرت في العام التالي في كتاب . ويمكن اعتبار الشابى فى هذه المحاضرة أجرأ رائد بين رواد الشعر العربى فى النصف الاول من هذا القرن ، بل من أشدهم تطرفا ، فقد كانت أبعاد رفضه لاساليب الادب العربى القديمة ظاهرة ثورية مدهشة لا يضاهيه فيها أحد من معاصريه بما فيهم نعييم والعقاد وجبران . وسنفصل الحديث فى هذا بعد قليل .

وتوفى والد الشابي في عام 1929 ، ففرض هذا عليه بعده عن العاصمة ، ولكنه ظل معنيا بالاحداث الادبية ، متصلا بها فى تونس والعالم العربى . ويذكر بعض من كتبوا عن حياته فجيعته فى أبيه ، وبؤسه بعد وفاته ، فقد حمل ، فوق أحزانه ، كل أعباء الاسرة . كما يشير بعض مؤرخيه الى زواج غير سعيد ، والى حب باكر انتهى بمأساة ، فقد ماتت حبيبته قبل الاوان . ويظهر أن هذه المأساة من الحوادث المألوفة فى حياة كثير من الشعراء الرومانسين فى هذه الحقبة أمثال الشاعرين المصريين ابراهيم ناجى ومحمد عبد المعطي الهمشرى والشاعر السودانى والتجاني يوسف بشير.

على أية حال ، فانه يبدو أن الشابى عانى من أسباب شخصية متعددة أضافت نفسها الى حالة من اليأس والكآبة كانت منتشرة فى الشعر التونسي يومئذ ، وكان مرض الشابى العضال ، الذى انهى حياته وهو فى الخامسة والعشرين من عمره ، عاملا فعالا حكم عليه بالانقباض ، فان شعره يكشف عن صراع فريد بين اليأس الذي عاناه ، وبين حبه الجارف للحياة - ومن هذين تشكلت خصائص مزاجه .

وقبل أن ننظر فيما حقق الشابي من مآثر ، فلا بد لنا أن نعرف كيف كان رأيه فى الشعر .

اننا نرى بوضوح فى محاضرة الشابى المشهورة  الخيال الشعرى عند العرب  انحيازه للاساليب الشعرية الغربية ، وتفضيله لها على أى شعر عربي كلاسيكى .

لقد دفعته حماسة مستعجلة الى رفض مطلق لموروث الادب العربى ، حتى انه بلغ جدا من العنف يمكننا معه أن نقول انه وجه ، فى ذلك الحين ، أعنف

ضربة الى الادب العربى القديم . ولم يكن الادب وحده هو الذي تعرض اليه فى محاضرته ، فقد تخطاه الى الحديث عن العقل العربي وعن النفس والحساسية العربية . ان بامكاننا أن نخمن أن الجمع الذين ألقى عليهم الشابي محاضرته فى الجمعية الخلدونية كانوا قد نشأوا فى بيئة سيطرت عليها تقاليد الادب لعربى الكلاسيكى . لقد خاطبهم الشاعر قائلا :

قد انتهى بى البحث فى الأدب وتتبع روحه الى فكرة لا يشذ

عنها قسم من أقسامه ، وهاته الفكرة هى أنه أدب مادى لا سمو فيه

ولا الهام ولا كشوف الى المستقبل ولا نظر الى صميم الأشياء ولباب

الحقائق ، وانه كلمة ساذجة لا تعبر عن معنى بعيد القرار

ولا تفصح عن فكر يتصل بأقصى ناحية من نواحي النفوس . .

ان أوجه النقص ، كما يراها الشابى ، مردها الى أن هذا الأدب  أملته الروح العربية  وهي روح خطابية مشتعلة ، لا تعرف الأناة فى الفكر فضلا عن الاستغراق فيه ، وهي أيضا روح مادية محضة لا تستطيع الالمام بغير الظواهر ، مما يدعو الى الاسترسال مع الخيال الى أبعد شوط وأقصى مدى . وقد كان لهاتين النزعتين - الخطابية والمادية - الأثر الكبير فى اضعاف ملكة الخيال الشعرى فى النفس العربية - وقد كان لهما آثار أخرى منها أنهم كانوا لا ينظرون الى الشاعر على أنه رسول الحياة - بل كانوا يعتبرونه خطيبا . . وقد تأثر الشعر العربي بهذا الفهم الذى كان يفهمه العرب عن الشاعر فكان فيه شىء كثير من الخطابة المنظومة . والشاعر العربى فى أحسن حالاته عند الشابى ليس غير مصور لظواهر الاشياء لادخائلها المؤثرة على الروح . ولم يستطع ان ينظر الى الطبيعة نظرة الخشوع والاجلال ، بل كانت نظرته اليها نظرته الى رداء منمق وطراز جميل ، ولم يشعر بتيار الحياة المتدفق فى قلب الطبيعة الا احساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحس ونشوة الخيال . أما نظرة الشاعر العربى الى المرأة العربية فقد كانت  نظرة دنيئة سافلة منحطة الى اقصى قرار من المادة . . لا تفهم من المرأة الا انها جسد يشتهى ومتعة من متع العيش  . أما تلك الروح والنظرة السامية التى يزدوج فيها الحب بالاجلال ، والشغف بالعبادة ، تلك النظرة الروحية العميقة التى نجدها عند الشعراء  الآريين ، فانها منعدمة بتاتا أو كالمنعدمة فى الادب العربي .

وهنالك شئ آخر هاجمه الشابي . فقد نعت الاسطورة العربية بالفقر . فهو يرى أنها لاحظ لها من وضاءة الفن واشراق الحياة وانما كان الباعث عليها - عبادة الأموات .

انه لم الواضح أن الشاب ، في هذه المحاضرة ، ليس عالما ولا ناقدا ولا مفكرا ، انه ثائر بكشف عن خصائص رفضه الكامل وادانته الشاملة كما يفعل الثوار الأصلاء ، وكانت له رغبة قوية فى وضع القواعد حتى يفرض ثورة رومانسية على الشعر التونسي ، ومحاولته كما نراها الآن كانت ذات دواف منثققة من الغريزة الفنية . . تقذف بالشك على كل شئ يراه مناقضا لثورته .

لقد كان رفضه للأدب ولكل ما ورثه العالم العربى ، وايثاره المفرط للشعراء الغربيين وما قدموه من شعر نقدا جارحا فى نظر قوم لم يكن لهم سلاح برفعونه فى وجه العدوان الاجنبى المدمر وتأثير أدبه الغريب الا ارتباطهم وولاؤهم الذى يستطيعون بذله لاسلامهم وعروبتهم - ولكن الى أى حد أصيب الاعتزاز الحميم والثقة فى نفوس هؤلاء القوم يوم ألقى الشابى محاضرته ؟ - لقد وصف زين العابدين السنوسى رد الفعل فى نفسه فقال :  خرجت من قاعة الاجتماع قلقا اكثر مما كنت منبسط النفس ، بل لعلي كنت مغتم البال ايضا . .  ويستمر فيذكر :  أنه حادث فى الأمر كثيرين ، فاذا بهم يجمعون علم الاعجاب بالمحاضرة ، انما اقترح بعضهم أسلوبا مختلفا لمعالجة الموضوع . ويعقب بعد هذا على شجاعة الشابي فيقول :  ان أبا القاسم لم يتحاش أن نصادم فى كثير من النقط بخطابه ذاك أمورا كانت نفوسنا متوطنة عليها .. إذ صارحنا ينقد الأدب العربي الذي أخلدت نفوسنا . . على أنه مقدس وعلى أنه المثال الأعلى ، فكيف يمكننا أن نسمع فيه غير كلمات التبجيل والتقديس ؟ ويستمر السنوسى قائلا : " على أنني عندما خفت غلواء عواطفى الجامحة وركنت إلى الرأي ، أدركت جيدا أن شر ما أصاب الشرق تحجر جميع عناصر حياته . كان السنوسى فى ذلك الحين من الشخصيات البارزة فى الدوائر الأدبية التونسية ، فقد كان محررا لمجلة العالم الأدبي التى تولت نشر معظم الادب الرومانسي في تونس . ومع أن عددا كبيرا من التونسيين اعتبروا الشابي مرتدا ملحدا ، فان هذا لا يمكن أن يقلل من الواقع ، وهو أن هذه المحاضرة قد وحدت من الناحية الادبية قبولا حسنا عند عدد من الرجال المتعلمين في تونس .

ان هذه المحاضرة ما زالت قادرة على ادهاش القارىء العربى وصدمه حتى بعد اكثر من أربعين عاما من إلقائها - أما آراء الشابى الاخرى عن الشعر فهى

معتدلة ومتفقة مع الافكار التى كانت رائجة فى مصر والمهجر يومئذ - لقد كان مدركا وواعيا لما فى هذه الافكار الوافدة من تأثيرات مختلفة على العقل العربى ، كما كان مدركا أيضا لحالة الرفض النفسي للاساليب القديم والتفتيش على أساليب جديدة فى فترات الانتقال ، وهو تفتيش يسعى الى اقامة العلاقات مع الآداب العالمية الاخرى . ويكتب عن الشعر فيقول بأن الشاعر العظيم هو الذى يوفق فى فنه الى موسقة عناصر القصيدة من عاطفة وفكرة وخيال وأسلوب وايقاع ، بحيث يحصل بينها تجاوب موسيقى منسجم وفى رأيه ان الفنان المخلص لفنه لا يعبر بفنه الا عن صور الحياة وأسماها . والشابي عند هذا يدعو الفنان ليستلهم فنه من كل الآداب الانسانية سواء كانت عربية أو أجنبية .

تذكرنا بعض آراء الشابى الى حد كبير بآراء ميخائيل نعيمة . فهو يقول إن الشعر هو الحياة فى جمالها وقبحها وفي صمتها وضحيجها ، وفي كل ألوانها وصورها . ولقد هاجم بعنف سطحية الشعر فى عصره ، واصرار عدد من الشعراء على تسخير الشعر لأغراض غير صادقة كالمديح والرثاء الرسمى والتهانى الخ . وأكد أن هذا الشعر منعزل عن الحياة ، وحتى عندما يكون هذا الشعر فى أحسن حالاته فيعالج موضوعا اجتماعيا فهو اشبه بخطب الوعاظ .

ولقد صور الشابى فى شعره أكثر من موقف نحو المفهوم الشعرى - فمن واجب الشاعر لديه أن يختار حياة  مليئة  بالشعور :

عش بالشعور وللشعور فانما         دنياك كون عواطف وشعور

شيدت على العطف العميق وانها    لتجف لو شيدت على التفكير

والشاب يؤكد الرأى القائل بأن العقل يقتل الفن وليس ندا للقلب :

والعقل رغم مشيبه ووقاره       ما زال فى الأيام جد صغير

وهو المهشم بالعواصف ياله           من ساذج ، متفلسف ، مغرور

وزيادة على هذا فعلى الشاعر فى رأى الشابى أن يفتح قلبه جميعا لتدفق العوالم فيه ، وعليه أن يكتشف أسرار الحياة . ولقد صور الشابى موقفه من

وحدة الوجود بوضوح فى قصيدة  قلب الشاعر  التى اتسع فيها قلبه حتى هوى الحياة بجملتها والموت أيضا .

لقد استطاع الشابي أن ينتج شعرا مساويا تقريبا لنظريته فى الشعر ، وهذه ظاهرة أخرى فى هذا الشاعر فى الوقت الذى سبقت فيه النظريات الشعرية تجارب الشعر المكتوبة بمسافة بعيدة ، خصوصا لدى مؤلفين كالعقاد وشكرى والمازني وأبى شادى . لقد طفر هذا الشاعر فوق هوة واسعة متجاوزا الخلفية الشعرية فى تونس الى مستوى شعري أقل ما يقال فيه انه كان من أميز مستويات الشعر الذي كان يكتب يومئذ فى العالم العربى .

لقد كان الشابي واحدا من ألمع من ظهر على المسرح الشعرى فى النصف لاول من هذا القرن - وبالرغم من ضعف تراكيبه وأخطائه اللغوية احيانا ، فان الصورة ككل لم يصبها تشويه كبير . إن أسباب هذا الضعف والاخطاء لا تعزي فقط الى الضعف الاساسي في خلفية هذا الشاعر التى لم تزوده ببناء شعري قوى مركز ، ولكنها كانت راجعة أيضا الى مغامرة الشابى الرومانسية الطامحة المندفعة التى كانت تهدف الى الوصول بالشعر الى مستوى معاصر ، فقد كان عليه أن يحازف أولا مع اللغة وأن يحذف ويتخلص ، بقدر الامكان ، من استعمال الكلمات المبتذلة والعبارات الجاهزة ، والصور التقليدية .

وقد نجح الشاعر من خلال هذا فى ادخال كلمات لم تستعمل من قبل فى الشعر الثونسي . وما دام عملنا هذا معنيا بخصائص الشابى الاساسية كشاعر ، ففي امكاننا ان نقول ان ضعف بنائه الشعرى وسوء استعماله للكلمات أحيانا ، لم يكن قويا بحيث يوطد عرفا وتقليدا رديا فى الشعر الحديث ، كما فعلت هذه الظواهر فى شعر عبد الرحمن شكرى وأحمد زكى أبو شادى .

ولقد تلون الشابي - ككل الشعراء الرواد فى عصره - بتأثيرات متعددة ، وتقلب بين نوازع تقليدية خصوصا فى شعره المبكر - كان هذا واضحا فى 1927 عندما ألف السنوسى كتابه عن الشعر التونسى الحديث ، وجمع في نماذج متعددة للشعراء التونسيين . فقد لاحظ أن الموضوعات التقليدية في شعر الشابي احتفظت بالاساليب والتشبيهات المكرورة وبالشكل ذى القافية الواحدة على وجه الخصوص . وكانت هذه الموضوعات التقليدية فى الفخر والشعر الفلسفي أو شعر الحكمة الخ . غير أن الشابى ، فى معالجته لمواضيع

جديدة ، تحرر من هذه القيود وتمتع بحرية عظيمة فى اختياره للكلمة الشعرية .

ان الموضوع الذى عالجه الشابى مختلف حقا ومتعدد الاشكال ، فبالاضافة إلى الموضوعات التقليدية ، التى أسلفنا ذكرها ، وهي قليلة الحضور فى شعره ، فهو يمجد الشعر والطفولة والأمومة وينزع الى التأمل الباطني، والاحلام الرومانسية ، وينظم عن تجربته الذاتية ، كما يعالج شعر الرفض  والابتكار على المستويات الاجتماعية والسياسية .

ونرى تأثير شعراء المهجر كنعيمة وأبى ماضى وجبران ، على وجه خاص ، فى قصائد مثل  بقايا الخريف  و  الزنبقة الذاوية و  مناجاة عصفور  التى تتناول موضوعا عن الطبيعة كالزهرة والطائر التى يرد استعمالها عادة بطريقة رمزية فى مستوى له علاقة بتجربة الشاعر - غير أن الشابي لم يوفق فى تقديم صورة رمزية فى هذه الأشعار ، ولذلك بقيت ، لسوء الحظ ، أشعار أفكار . لقد كتب الشابى عدة قصائد بحث فيها فكرة تجريدية - ولكنها لا تحتل مكانة مهمة فى انتاجه الشعرى ، لسطحيتها والمباشرة فى علاجها ، ولأسلوبها النثرى التحليلى ، وافتقارها الى الشحنة العاطفية .

ولعل أشهر قصائد الشابى هى  ارادة الحياة  - ولكن بعض القصائد الاخرى مثل  نشيد الجبار  و  الصباح الجديد  و  فى ظل وادى الموت  و صلوات فى هيكل الحب  و  النبى المجهول  وأخريات ، لا تقل شهرة ورواجا .

ان ما بقى من الشابى الآن مهيمنا على أذهان العرب هو شخصية العراف الثائر اكثر من شخصية الشاعر المعذب - وهذا يعنى أن السمات الايجابية ، لا سمات الهروبية السلبية فى شعره هي التى ظفرت بأعظم الاعجاب وبقيت خالدة على مر السنين . ان فى شعر الشابى جانبين يصطرعان - كانت في أولا قوة ايجابية كأستاذه جبران الذي طمح الى اعادة بناء العالم من جديد . غير أن جبران كان قادرا على ربط رومانسيته بقواه الايجابية باستمرار ، وربما كان هذا فى الاصل راجعا الى انه لم يعش محاطا بالمجتمع الذي رفضه وأدانه ، ولكن روح الشابى الاجتماعية البناءة كان ينتابها عاملان يضعفانها : أولهما احاطة مجتمعه به وضغطه عليه اذ كان يحاول ايقاظه واعادة تشكيله ، والعامل الثاني هو وقوعه وهو شاب فى قبضة دائه العضال وآلامه المبرحة -

وعلى هذا فقد كان حنينه الى الغابة ليس حنينا الى رمز يوحد الحياة ، ويحل معضلة الخلافات البشرية والنزاع والتنافر ، كما فى حالة جبران ، ولكنه كان حنينا عميقا الى النجاة من عالم الخلاف والتحامل الاجتماعى والبؤس العام :

ليت لى أن أعيش فى هذه الدنيا سعيدا بوحدتى وانفرادى

أصرف العمر فى الجبال وفي الغابات بين الصنوبر المياد

عيشة للجمال والفن أبغيها بعيدا عن أمتى وبلادى

ومثال آخر :

فى الغاب ، فى الغاب الحبيب ، وانه  حرم الطبيعة والجمال السامي

طهرت فى نار الجمال مشاعرى  ولقيت في دنيا الخيال سلامى

ونسيت دنيا الناس ، فهى سخافة  سكرى من الأوهام والآثام

من الواضح أن هذه الأبيات ليست دعوة الى البساطة موجهة الى الجميع ، ولكنها مأوى بعيد عن كل أحد ، ونجاة من عالم تافه كئيب .

لقد كان الشابى من أوائل المنفيين الحقيقيين فى الشعر العربي الحديث ، وكواحد من جيل كامل من الادباء المنفيين ، فقد كان قادرا على أن يرسم بنجاح فى شعره الحالة الروحية والغربة الثقافية عند العرب المتعلمين في زمانه . قبل عقد واحد فقط لم يتمكن شكرى من تصوير غربة الأدب العرب عن مجتمعه الا فى النثر ( * ) ، أما شعره فقد بقى أغلبه خارج موضوعات الرفض والغربة - وحتى ضمن الشعراء المعاصرين مباشرة للشابي فأن أدواء المجتمع لم تستطع أن تصيب الشاعر العربى بعذاب شخصى يؤرقه ، الا في حالات نادرة ، ولذلك فانا فى بعض الاحيان نرى الشاعر العربى يتخذ لنفسه شخصية الواعظ أو المعلم لا شخصية المواطن الذي هدته تلك الأدواء التي يرفضها هدا ( ** ) .

ان شعر الشابى فى الرفض سابقة ممتازة لشعر الرفض الاكثر تعقيدا الذي جاء فى الخمسينات والستينات.

ونجد فى شعر الشابى تحريرا كاملا للعاطفة - لقد أحس الاشياء بعمق وعبر عنها بوضوح - وبالرغم من أن عواطفه كانت على الحقيقة عاملا مسيطرا غالبا على شعره ، فان طاقته الفكرية كثيرا ما تلمع فى متاهة عواطفه :

أيها الشعب أنت طفل صغير لاعب بالتراب والليل . . . مغس

أنت فى الكون قوة لم تسسها فكرة عبقرية ذات بأس

ان هذا الشعر يكشف عن نفاذ بصيرة وحدس عميق ، ويبقى الشابى واحدا من أوائل الشعراء العرب المحدثين الذين كشف شعرهم عن رؤيا ، وهى وان لم تكن مؤكدة فى كل أعماله فانها كانت رؤيا قوة ومحبة وكان حلمه قائما على انتصار الانسانية المعذبة على القهر عبر الثورة :

حذار فتحت الرماد اللهيب ومن يبذر الشوك يجن الجراح وقد تنبأ بأن طغاة العالم سيرتدون على أعقابهم منهزمين : سيجرفك السيل ، سيل الدماء ، ويأكلك العاصف المشتعل

لقد دافع الشابي عن مثل عظيمة : ارادة الحياة ، تقديم المرأة والجمال ، حب الحياة والتقدم - وقد شف شعره هذا أحيانا عن صوت ساخر وعن صيحة ادانة قد تصل الى الذم السافر : فهنا الجماهير :

لعب تحركها المطامع واللهى وصغائر الأحقاد والآراب

موتى نسوا شوق الحياة وعزمها وتحركوا كتحرك الأنصاب

كان اهتمام الشابى الاصيل بالتقدم الاجتماعى ينبع من موقفه الشخصى ، ولا يصدر عن رد فعل تفرضه فكرة الالتزام كما نرى بعض شعر الشعراء في هذه الايام . والحقيقة أنه بامكاننا اعتبار الشاعر الشابى فى مقدمة الملتزمين تلقائيا من الشعراء فى العالم العربى خلال هذا القرن - ولكن رؤيا الشابي المفعمة بالقوة كثيرا ما انكمشت لتفسح المجال أحيانا لمواقف شديدة الظلمة . لقد كتب عن الموت أحيانا . . ذلك الموت الذي كان ينمو فى عظامه . . كتب عنه شعرا جميلا جدا - وعندما كان يخاطب الموت فان لهجته كثيرا ما تعبر عن عبث حياة محجوبة فى الاحلام المستحيلة ، وفي طموح لا يتحقق :

الى الموت ان شئت هون الحياة فخلف ظلام الردى ما تريد

وهنا مقطع أخير من أكثر قصائده جمالا :

ثم ماذا ؟ هذا أنا صرت فى الدنيا بعيدا عن لهوها وغناها

فى ظلام الفناء ، أدفن أيامى ولا استطيع حتى بكاها ؟

وزهور الحياة تهوى بصمت   محزن مضجر على قدميا

جف سحر الحياة يا قلبي الباكى فهيا نجرب الموت هيا

وتشرح نازك الملائكة كلمته " نجرب " كرغبة من جانب الشاعر لا ليجعل من الموت استسلاما سلبيا ولكن كفعل ارادة ينفذ بوعي ،  لأن تجربة الموت كانت تعد الشابى بكل السرور الغريب والاسرار المغرية التى تحملها كل نجارب الحياة الجوهرية . فهو أحيانا يذكر الموت عندما يتحدث عن الحياة والجمال والشباب والامل والربيع . . ويعتقد أن الحياة الكاملة العميقة لا نستطيع الوصول الى ذروة الوعى والمعرفة حتى تمتزج بالموت . ان فى هذا القول عنصرا كبيرا من الصدق ، غير أن قول نازك الملائكة بعد ذلك بأن احساس الشاعر بالموت يتولد من التدمير النفسى الذى عاناه الشاعر تحت أعباء العواطف الحادة التى غمرت حياته ، بعيد الاحتمال - فالشاب ، مثله مثل كل فنان أصيل مرهف ، يحس بقابلية الجمال والحياة للعطب والسقوط - ولذا فان منظر الجمال والتجربة الجمالية يعطيانه على الفور الاحساس بأن الحب أو السعادة أو الجمال لا يمكن أن تدوم ، وهو عندما يشعر بتمام سعادته في حالة كونه محبا محبوبا  فهو يشتاق الى الموت لأنه يشعر بأن اللحظة الحاضرة ذروة يعقبها تفسخ التجربة وانحلالها ، والموت وحده هو الذي يحميها في كليتها الحاضرة :

قد سكرنا فى حبنا واكتفينا طفح الكأس فاذهبوا يا سقاة

نحن نحيا فلا نريد مزيدا حسبنا ما منحتنا يا حياة

أيها الدهر ، أيها الزمن الجارى الى غير وجهة وقرار

أيها الكون ، أيها الفلك الدوار بالفجر والدجى والنهار

أيها الموت ، أيها القدر الأعمى قفوا حيث أنتم أو فسيروا

ودعونا هنا تغنى لنا الأحلام والحب والوجود الكبير

واذا ما أبيتم فاحملونا   ولهيب الأحلام في شفتينا

وزهور الحياة تعبق بالعطر   وبالسحر والصبا فى يدينا

هذه القطعة من أنقى التعبيرات عن النشوة بالحياة والحب ، وقليلا ما نجد لها نظيرا فى الشعر العربى الحديث قبل الخمسينات وعلى وجه التأكيد فليس لها مثيل بين معاصريه . ان شعر الشابى تلمع فيه ومضات ترتفع به مباشرة الى ما وراء الطبيعة :

ان الحياة وقد قضيت قبيل معرفة الحياة

بحر قرارته الردى ونشيد لجته شكاة

وعلى شواطئه القلوب تئن دامية عراة

بقصائد كهذه فتح الشابى أبوابا جديدة لموضوعات أكثر شمولية فى الشعر العربى الحديث .

فهنا روح جديد واضح وقدرة لا يملكها الا الشعراء الاصلاء القادرون على أيراد المتناقضات بكيفية مؤثرة فعالة :  الكآبة المغردة  و  اثم مقدس و  جحيم يؤج تحت فراديس كأحلام شاعر مجنون  ، ان خياله حقا بديع ساطع فى بعض الاحيان :

وزهور الحياة تهوى بصمت محزن مضجر على قدميا

ومثال آخر :

والليالي مغاور تلحد اللحن وتقضى على المدى السكين

وهذا آخر :

هكذا المخلصون من كل صوب رشقات الردى اليهم متاحه

وهذا البيت الذى يشير الى الموت:

حملتك غيلان الظلام إلى الجبال النائية

وقد يجيء شعره حسيا تماما فى بعض الاوقات : فاذا تحدث عن قدوم الربيع الى الارض قال :

وقبلها قبلا فى الشفاه تعيد الشباب الذي قد غير

ان شعر الشابي مثال حسن على استعمال الصور بطرق متنوعة كما يحدث فى فترات الانتقال الادبية ، فهو يستعمل قدرا كبيرا من الاستعارة :

رياح الوجود - خضم الحياة كاهن الظلام - زهور الحياة الخ . وقد يلجأ من وقت لآخر الى رموز أكثر تعقيدا :

يا بني أمي ترى أين الصباح ؟ قد تقضى العمر والفجر بعيد

ولكنه فى نفس الوقت يستعمل عددا كبيرا من التشبيهات السهلة :

بالأمس قد كانت حياتى كالسماء الباسمه

واليوم قد أمست كأعماق الكهوف الواجمه

ومثال آخر :

نحن مثل الربيع نمشى على أرض من الزهر والرؤى والخيال

وهذا البيت :

عذبة أنت كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد

كالسماء الضحوك كالليلة القمراء كالورد كابتسام الوليد

لقد نجح الشابي بمعالجته الأصيلة للشعر فى تغيير الاساليب التقليدية وطريقتها - ولاح الشعر فى يديه حرا ، يمكن تطويعه لأي موقف . لقد استطاع الشابي أن يحقق كل هذا بتغييره لعناصر اللهجة والصورة والموقف

من الحياة ، من غير تبديل متطرف فى شكل القصيدة . فقد حافظ في أغلب شعره على الشكل التقليدى ذى الشطرين والقافية - وله أشكال أخرى بالمزدوج وكالمقطوعات ذات الثلاثة أبيات - وله رباعيات وأشكال شعرية أخرى من ضمنها الموشحات .

وان ما يميز شعره عامة هو طاقته الفنية الفتية . وقصائده جاذبية واضحة ، وفيها غنائية متدفقة ، ونادرا ما يكون فيها جمود أو تقعر .

ومن اكبر المميزات فى بعض شعره هي قابليته للتفسير على أكثر من وجه . على وضوح شعره ومباشرته ( * ) .

ولكن هذا الاسلوب قلما يتحقق له فى قصائده ذات المضمون الاجتماعي المباشر . غير أنه حينما يتناول موضوعات ذاتية فهو يصل إلى غابته . وتختلط مثاليه الشابى ، ومعالجته العاطفية لموضوع الطبيعة فى بعض الاحيان بلهجة معرفه مأساوية تنم عن اكتشاف لتناقضات الحياة حولها وللعبث المنضوى فيها .

وحتى فى شعره الاقل نجاحا فان وحدة القصيدة تتحقق دائما - وهذا بجحي في بعض الاحيان من وحدة الموضوع التى تنمو فيها القصيدة الى الذروة - فنمو القصيدة هنا يعتمد على مضمونها . ولكن مغامرة الشابي الرومانسية لا تخلو من بعض مظاهر الضعف فى الرومانسية ، كما أشرنا اليه من قبل .

فمن أخطر أخطائه الرخاوة ، وأكثر قصائده تشكو من التمييع ، بعضها الى أقصى حد - وقد تتبع الصفات بعضها بعضا بلا توقف أحيانا :

وتقضى صباح الحياة البديع وليل الوجود الرهيب العتيد

وعشت على الأرض مثل الجبال جليلا رهيبا غريبا وحيد

تأمل ، فان نظام الحياة نظام دقيق ، بديع ، فريد

وبالاضافة الى هذا فقد عرف ، من أول الأمر بأنه شاعر لا يصقل شعره :

وفي ليلة من ليالي الخريف مثقلة بالأسى والضجر

كما أسلفنا القول فان الشابي اليوم يذكر على الأخص بقصائده ذات المضمون السياسي أو الاجتماعى - عندما نشر ديوانه الوحيد مؤخرا ، فى عام 1955 ، لم يثر ضجة كبيرة فى الاوساط الادبية - ويذكر هذه الحقيقة ويعلق عليها صديق الشابى محمد الحليوى - فهو يذكر أن أسباب هذا الاستقبال الفاتر للديوان فى العالم العربى هو أن قصائده كانت معروفة سلفا للقارئ العربى . . وأن التى لم تعرف بعد . . . كانت مشابهة لتلك التى سبق نشرها . ويضيف أيضا الى هذا أن سيطرة الموقف السياسي في البلاد العربية واشتغال الناس به قد صرفهم عن الشعر . غير أننا نستطيع أن نضيف سببا مهما الى هذه الفرضيات وهو سبب يتعلق بالحساسية الشعرية فى تلك الفترة . فقد انفصلت فترة منتصف الخمسينات تقريبا عن الروح الرومانسى الذى تخلل هذا الديوان ولم يكن لقراء هذه الفترة صبر ولا اهتمام بالمنظر الطبيعى ، ولا الموقف التأملى ، ولا هذا النوع من نشوة الروح والمعاناة التى تعكسها أكثر قصائد الديوان - لقد كانت فترة غاضبة ساخطة انصرفت الى طريقة أقرب الى الواقع - ولهذا السبب راقتها - فى الأغلب - أشعار الشابى الرافضة . وبينما كان شعراء العرب وقراء الشعر فى العشرينات والثلاثينات  وحتى الاربعينات  يقرأون الشعراء

الغربيين الرومانسيين ، فان شعراء العرب في الخمسينات كانوا يقرأون فى ذلك الحين لشعراء آخرين جدد فى انجلترا وفرنسا وامير كا واسبانيا . . وفى أقطار أخرى من الشرق والغرب . والأمر المهم هنا هو أن الحساسية الفنية والدوق الشعرى كانا قد تغيرا الى حد كبير منذ الثلاثينات . كما كان الذوق الشعرى العربى الحديث منصرفا بجملته الى الاهتمام بشكل شعري أكثر ثورية من شعر الشابي .

يجب ألا يعنى هذا أن فى عدم الاحتفاء بهذا الديوان تجاهلا غير منصف لهذا الشاعر العظيم الموهبة ، أو ان القارئ العربى الحديث لا يستطيع أن يجد شيئا يستفيده من شعر الشابى ، ففي شعره الكثير مما يمكن أن يفيد الشاعر العربى بالرغم من تغير الحساسية الشعرية . ولعل الذنب يعود على النقاد العرب الحديثين . ان النقد العربى الحديث لم يبد اهتماما خاصا باحياء القصائد الحديثة المنسية ذات القيمة - وينصرف أعظم النشاط النقدى الى الكتابات عن التجارب المعاصرة حتى نرى ان شعراء كالشاب وأبى شبكة والهمشرى وآخرين كثيرين لا يذكرون الا فى مناسبات خاصة ، لا ضمن برنامج نقدى يسعى لاكتشاف الكنوز الشعرية الحديثة .

ان بامكان القارئ العربى أن يجد قصائد عديدة ما زالت ممتعة فى ديوان الشابى . ونضرب لذلك مثلا بقصيدته  اللحانى السكرى  التى أوفى بها الي غاية شمولية من الجاذبية والجمال - كما يمكن للشاعر العربى المعاصر أن يستفيد الى حد بعيد من تدفق الشابى الموسيقى ، ومن عمق احساسه الشعرى وحدته ، وعاطفته الغنية ، والشجاعة التى نهض بها الى التجربة الشعرية ،  والاصالة والروعة فى صوره - وبالاضافة الى ما تقدم ففي امكانه أن يستفيد من طاقة الشابى وقدرته على تجربة الاشياء فى تكاملها ، واستجابته لها علي  مستويات مختلفة بما فيها نظرته الى ما وراء الطبيعة - فحتى الآن نرى أن قليلا من شعراء العرب يستطيعون تحقيق هذا .

وعندما نزن الشابى ونحكم عليه فعلى النقاد أن يذكروا التجارب الشعرية المحدودة النطاق فى زمانه ، والمدى الذى بلغته مغامرته الشعرية بالمقارنة إلى معاصريه . وعلى النقاد أن يذكروا ما قسم له من حياة قصيرة - فان لم نستطع عبقريته فى حياته المحزنة القصيرة اكمال رسالته الجمالية التى كان مقدرا له أن يتمها ، فمن واجبنا ألا نغفل عن عبقريته أو نسمح لأنفسنا بنسيانها .

اشترك في نشرتنا البريدية