الزمان : 20 جانفى 1930 .
المكان : مطبعة مجلة (العالم )
المناسبة : تصفيف مقالة أبى القاسم . (( الشعر ، ماذا يجب أن يفهم منه ، وما هو مقياسه الصحيح ؟ ))
- زين العابدين : اخالفك فى بعض ما ورد بالمقال من الاراء ، وكنت أود مقابلتك قبل طبعه ، عسى ان تدخل عليه تعديلا ، ولكن وجود بعض ما يخالف آرائى لا يمنعنى من نشره ، اذ ان مسؤولية ما فيه من الافكار محمولة عليك وحدك .
- أبو القاسم : نعم . ( وأردت أن أبين له أن ما يلاحظه على المقال ، ويود أن يكون موجودا فيه ، هو موجود فيه فعلا . فلم أتمكن لكثرة أعماله ووفرة حركاته ) .
- زين العابدين : أنك تريد أن تبعث المذهب الرمزى ( سانبوليزم ) من مرفده وهو مذهب قضى عليه الزمن ، ولم يتبعه فى فرنسا الا شاعران أو ثلاثة .
- أبو القاسم : لك أن تسمى طريقي بأي الاسماء التى تشاء ، فانا لا اعرف كيف أسمى ، ولا يهمنى معرفة أسمائها . وسواء على ، أكانت تسميتها كما قلت ، أم خلافا له ، وانما الذى يهمنى ، والذى أود أن تعرفه ، هو أن ادعو إلى الطريقة التى تسكن اليها نفسي ، ويرتضيها ضميرى ، ما استطعت الى الدعوة سبيلا .
واسمحو في مشهد حوارى آخر من مذكراته ، يلذ لى ، لانى أجد فيه ، وداعة أبى القاسم وصفاءه ، وغربته وضياعه ، فالعبقرية الشابية ضاقت على المؤمن والملحد فى عصره ، ولانى أجد فى هذا الحوار الكثير من الهمز واللمز الذى تعيشه الدراسات التى عالجت الشابى ، ولانى أجد فى نهاية المشهد من لوعة الغربة ، وروعة الموقف ما يحملنا امانة فهم الشابى على حقيقته .
المكان : مكان ما فى العاصمة التونسية .
الزمان : 7 جانفى 1930 .
المناسبة : لقاء مع أدبيين معروفين ملحدين ، احدهما متجاهر والثانى متستر .
الاول : ( أن اديك يا صديقى فن غريب ، لا أظنه يعيش فى تونس ، فانت فى شعرك من الشعراء الذين يدينون بالمذهب الرمزى ، وانى لعلى يقين من ان ادبك لا يفهمه فى تونس الا افراد قلائل لا يتجاوزون الاربعه أو الخمسة على الاكثر .
الثانى : أراك غلوت كثيرا فى حكمك ، وجاوزت حد الانصاف ! وما أدراك أن أدب صديقنا لا يفهمه الا مثل هذا العدد اليسير ؟ ! ولابدأ بنفسى 83 819
فاننى أفهم شعر صديقنا حق الفهم ، وأدرك مراميه البعيدة ، وأشعر حين اقرأه بخيالات تجول فى نفسى ، وبعواطف تتحرك فى قلبى وبآفاق تتفتح أمامى وتمتد .
الاول : ( وأبو القاسم ، صامت ، مطرق ، يتابع الحوار ) اننى لا أزال مصرا على رأيى ، وأجزم به ، فان أمير الشعراء لا يفهم من شعر أبى القاسم شيئا ، ان هذا الفن من الادب الذي يتخذ من الطبعية رموزا لمعانى النفوس ، جميل ، جد جميل . ولكنه سام جدا ، وغامض فى سموه بحيث أنه لا تفهمه الا نفوس قليلة قادرة .
أبو القاسم : ( فى يأس وقنوط ، وبينه وبين نفسه ، متمثلا بيوليوس قيصر حين لعبت به السيوف ) :
حتى أنت يا انطونيوس .
( كنت أحسب أنه خير من فهمنى ، وأدرك أشواق قلبى وأفراحه ، واصغى الى اغانى روحى ، فاذا به شر من جهل لغة نفسي ) .
أبو القاسم :
( صامت لا يتكلم الا بينه وبين نفسه ) :
لست والله غير طائر غريب ، يترنم بين قوم لا يفهمون اغانى الطيور ، ولكن هل يحفل الطائر بالوجود خين يترنم ؟ هل يسأل الناس : أيكم يفهم اغاني الطيور ؟ كلا ! يا قلبي كلا ! . . . سر فى سبيلك يا قلبى ، ولا تحفل بصفير الابالسة ، فان وراءك أرواحا تتبع خطاك .
مع أبى القاسم من جديد :
كان الشابى غريبا حقا ، غربة العباقرة النسور ، تحضنها الاعشاش ، فاذا مدت الاجنحة ، حلقت بعيدا ، مجنحة ، متمنعة عن الابصار ، مستعصمة بالقمم . فلا يعيب ابا القاسم أن يأوى الى الغاب ، وقد بلغ الرسالة ، فهو بها حاضر فى الاعماق ، نابض فى النفوس ، متناسخ فى الارواح متوالد مع الاجيال ، فما أبرأه من الثورة المهزومة !
و لا يضير الشابى وهو على قيد الحياة ، وعلى عتبة الوداع ، ألا يجد من يفهمه ، ويقرؤه الا القلائل ، وان يغلق ( النادى الادبى ) بابه بعد ثلاث محاضرات ، أولها ( الخيال الشعرى عند العرب ) التى عدها أدعياء الادب ( ثورة على الآداب العربية ، وجحودا لمزايا العرب ، وزندقة وكفرا ) .
لا ينقص من عظمة ( قيصر ) أن يكون صريع أخلص خلصائه ، ( انطونيوس )
كل ذلك ، وغيره ، لا يمس الشابى فى اصالته العربية الاسلامية ، ولا يقدح فى عبقريته وليدة تلك الاصالة ، ولا فى مجتمعه وارث هذه الاصالة ، ولا فى عصره ، ملتقى المواقف التاريخية ، وعتبة الانتقال والتطور ، وموسم الهجرة من ( النبى المجهول ) الى ( ارادة الحياة ) . عصر ( رياح التغيير ) كما يقول الجابري (66) .
غربة أبى القاسم فى السنوات الخمس التى سبقت رحيله ، لم ولن تقطع ما بينه وبين شعبه من سلك رقيق مكهرب ، يشد الشاعر فى أعماق الغاب ، وفى ظلمات اليأس ، وفي سورة العبقرية ، وينجبه مرة بعد اخرى فى أجيالة المتعاقبة .
انها ( خمسينية ) الوفاة ، فلنجعلها بداية الانبعاث ، الرحلة من جديد مع أبى القاسم ، من هنا ، من ( توزر ) من الجنوب ، بسمائه الصافية ، بشمسه المشرقة المحرقة ، بكثبانه المتموجة ، باغنامه ، برعاته ، بنخلته الباسقه ، وغديره الرقراق .
ولنواصل الرحلة فى اتجاه الشمال ، ولا بأس من التقاط الانفاس مرة فى رحاب ( الزيتونة ) وأخرى فى دوائر العدلية ، ولنطل الوقفة ، ونخفف الوطء فى مدخل ( قاعة الخلدونية ) فهنا قال أبو القاسم قولته ، ومضى فى سبيله .
وهناك مربع محبب إلى نفس أبى القاسم الكسيرة ، وقلبه المتعب ( البلفدار ) فلا بأس من استرخاء فى أعشابه ، وسرب من عذاب الافرنج يلعبن لعبة ( التنس ) وابو القاسم موزع النظرة بينهن وبين كتاب ( رفائيل ) فى يديه .
وما دمنا مع ( لامارتين ) وشبابه الزاخر بالعواطف والاحلام ، فلا ضير من التحليق بعيدا والوقوع على ( البحيرة ) الرومنسية ، ثم التحليق مرة أخرى فى ( طلاسم ) أبى ماضى ، و ( عواصف ) جبران و ( انداء ) أبى شادى .
ولكن جدير بنا ألا نطيل الهجرة ، فابو القاسم سبقنا الى مرتفعات ( عين دراهم ) بسنديانه الباسق ، وظلاله الوارفة ، وهوائه النقى ، انه مجهد القلب ، لاهث الروح كأنه يلاحقها على قمم الجبال ، وهى تسابقه الى الرفيق الاعلى .
وأبو القاسم مهما شدته الاجنحة بعيدا ، لا يقوى على الوقوع الا على عشه الاول .
وأبو القاسم يعجب لنا ، والنظرة تشدنا الى الوراء ، كاننا آسفون لما غادرناه هناك ، بعيدا ، من جمال الطبيعة ، وروعة الخالق والمخلوق ، عجبا ! ان الله جمع ل ( الخضراء ) ما فرقه على غيرها . ووهب هذه الربوع ، ما حرمته أخرى ، ما لكم كيف تحكمون ؟! انها عشيقة البداية ، وعشيقة النهاية ، فما دخلكم فى الصد والهجران .
أبو القاسم سبقكم الى ( توزر ) وأخشى ان تكون انفاسه سبقتكم الى بارئها ، وانتم تختصمون . هنا بدأ أبو القاسم ، وهنا لم ينته .
رحمك الله ، أبا القاسم فى الخالدين .
نم ملء جفونك ، وعلينا السهر والاختصام ، حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .

