استهـــلال بكـــــائى :
لن ابكى الشابى فى هذا الاستهلال ، فالشابى لا ينتظر بكاء من احد ، فضلا عن ان اى بكاء عليه سوف يكون متاخرا حين ياتى بعد نصف قرن من الزمن . ثم ان الشابى لم يمت حتى نبكى عليه ونذرف الدموع خلـــف جنازته المهيبة . فلماذا البكاء اذن فى هذا الاستهلال ؟ اننى أبكى واقعنـــا العربى الذى يسوء ويقسو . ابكى الوطن الكبير الذى يصاب كل يوم فى مقتل ، ابكى الوجه الذى تتقشر معالم عروبته وتكاد تضيع فى زحمة الهذيـــان والخيانــة وفي سـكـــــرة الانفعالات العنيفة المتوحشة ، ابكى الصورة البعيدة من الامل العربى البعيد . .
ابكى الكبرياء العربية المهانة وعلم الامة الغارق فى أو حال القدس وانتظر من يشاطرنى هذا البكاء ومن يحمل معى حائط الاحزان الى كل ملتقى ومنتــــدى ان ايقاع الرعب يقترب من منطقة القلب ويستولى على ما تبقى من بذور الثورة الجديدة وارادة الاستقطاب نحو الاسفل ترتفع ، ولم يبق امام حامل القلم العربى من مشروعية الدفاع سوى البكاء فلنبـــك ، ولنجعل البكاء فاتحة كــل حديث ومستهل كل لقاء ، لعل الدموع العربية تذيب جليد النسيان واللامبالاة ، ولعلها تغرق طوفان التجزئة والتنافر .
لقد اعادنى الحديث عــن الشابى الى الخمسينات بما حفلت به مــن احلام الشباب الاول ، ومن احاديث واناشيد الوحدة العربيــة ، وذكرتنى القــراءة الجديدة لقصائده - وكانت القراءة الاولى قد تمت فى منتصف الخمسينات - ذكرتني هذه القراءة الجديدة للقصائد باطياف من احلام ثورة عربية وحدوية وصل مدها المعنوى الى اليمن السعيد الاخضر الذى لم يكن سعيدا ولا اخضر ،
وكان من آثار تلك الاحلام العظيمة ان استطاع الشابى ان يصل الى صنعـــاء وان يقطع بصوت روحه العذبة آلاف الاميال من الارض العربية ، وان يجد فى اليمن أهله الغائبين ، وان تتعانق لغته الشعرية المتألقة مع أصوات الرعــــاة ومع أغانى الحقول .
كانت اليمن يومئذ ، تعاني مرارة الجهل ، وتشهد الوان الحرمان والهوان ، وكان النابهون من طلاب مدرسة دار العلوم التقليدية يساقون الى السجن بتهمة قراءة ديوان الشابى او على الاصح بتهمة قراءة قصيدة له عنوانها ( صلاة فى هيكل الحب ) العنوان وحده هو التهمة ، كيف يجوز ان تكون الصلاة لغير الله وفي هيكل لا في مسجد ، ياله من كفر ! وياله من تجديف ! كان ذلك هو وضع اليمن حقا ، لكن العدوى بالحلم العربى والاحساس العام بما سـوف تصنعــه الوحدة العربية قد جعل ليل الطغيان قصيرا . . والآن ما ابعد الاحلام وما اقسى الياس ، وما اقرب البكاء . . من مرحلة تحضير الارواح الى الرومانتيكية :
لم تكن الرومانتيكية - على ثوريتها وعذوبتها - تحظى باهتمام النقاد الى وقت قريب . وكانت اشارة ما الى عمل ادبى بانه رومانتيكى النزعــة كافيــة لتجرده من شرف الانتماء الى الحياة ، والشاعر الرومانتيكى - فقلمــا كــان شائعا - لا يرى سوى ذاته وشعره لا يصور ســوى الاحـــاسيس الفــردية الخالصة ، والعواطف الخاصة التى لا ترتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع ومشكلاته المختلفة . وبعد ان اتضح المفهوم الثورى للرومانتيكية واوضح (( ارنست فيشر )) ضرورة الفن في كتاب له بهذا الاسم واعلن ايضا ان الرومانسية كانـــت حركة احتجاج متحمس ومناقض لدنيا ( الراسمالية البرجوازية ) صارت الرومانسية ثورة فى الشعر واصبح الشعر الرومانتيكى في بلادنا العربية دعــوة صارخة للتمرد وتعبيرا عن القلق والرغبة فى التغيير . ولم يعد الشاعر الرومانتيكى شاعرا هروبيا وربما كان هروب عدد مــن الشعراء إلى المباشرة وعجزهم عــن امتلاك خصائص التعبير الفنى تحت شعار الواقعية هو الهروب الحقيقي فضلا عما قد يكمن فى ذلك الهروب من تشويه متعمد لوحه الفن والواقعية معا .
وانطلاقا من هذا الموقف فقد اكتشف النفاد العرب ولو في زمن متاخر نسبيا ان الرومانتيكية التى كانت فى اوربا فى مرحلة من المراحل هروبا عميقــا الى الداخل فى مواجهة انهيار المجتمع القديم قد جاءت فى الوطن العربي تعبيرا عن أشواق دفينة الى الجديد . وصرحه احتجاج حاد ونائح يصل الى حد البكاء فلم يكن هناك قبل ظهور طلائع الرومانتيكية العربية اى لون من الحياة او اى شكل من اشكال المجتمع يحن اليه الشاعر ويشعر بقلق لافتقاده ، وكــان فى
الغالب يحن الى عالم جديد مفقود ، ولم يكن يرفض التطور التاريخى بل كان يحترق ويتعذب لانه لا يستطيع ان يجد ملامح هذا التطور التاريخى المزعوم ، صحيح ان بعض ملامح المجتمع القديم العاجز كانت فى بعض الاقطــار العربية قد بدات فى الانهيار الا ان احدا لم يحزن لوقوع تلك الانهيارات ولم يكن يستمع الى اصواتها سوى قلة قليلة من الشعراء كانوا يرهفون السمــع بمشاعرهــم وباعصابهم ، وهؤلاء هم رواد الحركة الرومانتيكية فى الشعر العربى الحديث . كان شوقى شاعرا كبيرا لكنه لم يكن يرهف السمع لما يحدث او يدرك ما حوله ادراكا شعريا . كان مشغولا بسماع اصوات عصور اخرى ، وان كانت موهبته وحدها قد اثبتت انه احد الكبار فى قائمة شعراء العربية .
وقبل شوقى وفي اثناء ظهوره كانت قد ظهرت جماعة او جماعات من الشعراء التقليديين الذين لا يعترفون بان الشعر تعبير عـن روح العصــر واستجابــة طبيعية لتجربة الحياة المتطورة لذلك فلم تكن مهمتهم فى الشعر تختلف كثيرا عن مهمة جماعة او جماعات تحضير الارواح ، فهــم يقومون بتحضيــر ارواح الشعراء من مختلف العصور ويجبرون هذه الارواح على كتابة شعر عن العصر الحديث بلغة هذه الارواح نفسها وبتصورها البلاغى والفنى ، وغالبا ما كانت هذه الجماعات الشعرية تفشل فى استدعاء او بالاصح فى استحضــار ارواح الشعراء المجيدين وتكتفى باستحضـار جثث بعض شعراء عصر الانحطاط فتقوم تلك الجثث بنظم قصائد لا علاقة لها بالمجتمع العربى الجديد الجديد ولا تعبـــر ادنى تعبير عن أشكاله ومضامينه الجديدة .
ويومئذ كان لابد ان يتغير طابع الشعر وان يتم ميلاد الحركة الرومانتيكية فى الشعر العربى الحديث . وقد يكون الميلاد الاول لهذه الحركة الشعرية حدث فى هذا القصر العربى او ذاك لكنها اوجدت لها روادا او دعاة وممثلين فى كثير من الاقطار وعلى مدى فترة وجيزة كانت اصوات الرواد مسموعة على مستوى الوطن العربى تقريبا . وكان ابو القاسم الشابى احد رواد هذه الحركة وربما كــان اعلاهم صوتا وان كانــت ظروف تــونس السياسيــة فى العشرينــات والثلاثينات قد جعلت صوته يصل متاخرا بعض الوقت الى قراء الشعر والمهتمين به فى معظم الاقطار العربية . وقد اجمع كل النقاد الذين تناولوا شعر الشابى بالدرس والتحليل ان رومانتيكيته الشاكية الباكية وان تعابيره الطافحة بالاسى والغربية وبالكآبة والوجوم ليست سوى الانعكاس الطبيعي عن حالة القلــق والتمرد ، وليست سوى الاعلان الشعرى الرافض لنزعــة الجمود . والباحث فى واقع الاغتراب العام عن ذات الانسان الجديد ثم عن ذات المجتمع الجديد .
لقد تعرض الانسان العربى طوال عصور الانحطاط المتعاقبة لالوان شتى من السحق والتدمير فاصبح مسلوب الارادة مسجون الذات ، يتحدث عن الآخر ويعمل للآخر ، انطلاقا من تفسخ الذات وخوف القمع لا من نبل التضحية وجمال الايثار وانطلاقا من تجسيد الفراغ الموحش لا من تجسيد الشعور بالجماعة ، انه الهروب الحقيقى وليس الحضور في الحياة ، ولهذا فان رفــع الشاعر صوت الذات المقموعة ، والحديث عن النفس والهموم ، وعن موقــف هــذه الذات او النفس ازاء الاخرين وازاء الكون لا يشكل حالة مرضية ولا يبتعد بالشاعــر ولا يفصله عن واقع الحياة ومشكلات المجتمع .
وتغدو الرومانتيكية خطرا على الشاعر والشعر حين تصبح القصيدة محالا للتالق فى التعبير وفي اختيار الالفاظ المنتقاه والاسراف فى الانفعالات ، وحين تكون نكوصا عن مرحلة متقدمة فى الفنون والاداب وعودة الى اجترار العبث ومقاومة الخلاص بالفعل وبالاستغراق الجــاد فى شؤون الحياة . وقــد عرف الشعر العربى هذا اللون من الرومانتيكية بعد مرحلة الرواد وفي الاونة الاخيرة عندما تعالى صوت الاحباط وجدل الظواهر السطحية ، واصبــح الشاعر غير الملتزم كلاعب السرك معلقا فى الهواء لا هو فى الارض ولا فى الفضــاء . كان الشاعر الرومانتيكى فى مرحلة الريادة يجسد ذاته فنيا بعد ان ضاعت موضوع يجسد تلك الذات بالكلمات وبالصور والحدس بعد ان عجز عـن تجسيدهـــا بالفعل وبالحس ، اما الشاعر الرومانتيكى بعد تلك المرحلة والشاعر الرومانتيكى الآن فانه يسعى بوعى او بدون وعى الى الضياع الفني والموضوعى والانسلاخ عن جذور الشعر والواقع معـــا .
فهذه اذن ، الرومانتيكية ، وهذا هو دور شعرائها الرواد ، وكما ان الشاعر ابن مرحلة ، فهو ابن لغة المرحلة ، وابن هموم المرحلة ايضا ، وقد نجـح رواد القصيدة الرومانتيكية فى الشعر العربى ، ومنهم ابو القاسم الشابى فى ان يكونوا ابناء صادقين للمرحلة ، وان يخرجوا بالشعر من مرحلة تحضير الارواح الى صميم الحياة الجديدة ، وان يعيدوا من جديد بناء اجنحة للخيال قادرة على ان تطير بالشاعر الى اوسع الأفاق .
مدخل الى عالم الشابى الشعرى :
جاء الشابى الى عالم الشعر فى بداية انكسار نشوة الخطابية فى الشعــر العربى بعد ان وصلت على يد احمد شوقى دروتها التعبيرية ، واستنفدت كــل
الخواص الفنية التى امدتها بها القراءة الذكية المختلطة باصداء معطيات عالية النضج لعصور ابى تمام ، والبحترى ، والمتنبى ، وابن زيدون ، وبقية الاسلاف العظام من رموز الشعر العربى ورواده . وكان شوقي قد استوى على عرش القصيدة الاحيائية واثبت من خلال قدرته الخلافة على تحرير نماذجه التكرارية من ملامح المحاكاة الحرفية ، واعطى بموهبته الكبيرة لتلك النماذج طابعا خاصا استعصى على كثير من شعراء عصره الذين حاولوا مجاراته والاستقاء من نفس منابعه لكنهم فشلوا ، وكانوا اصداء لشعراء سابقين ، ومن هؤلاء الفاشليــــن تكونت قائمة كبيرة لاسماء سقطت من حساب الشعر وان كان بعضها قد وجد له مجالا للذكر في حساب النظم .
وكان الشابى الاسم الاول او الثانى لا يهم الترتيب - فى قائمة الشعراء الذين نجحوا في الهروب من قبضة التقليد ومن مواصلة السير عــلى طريق التكرار والمحاكاة ، طريق البحث عن الشعر خارج الذات ، ويحدثنا شعره ، وهو ما يزال - حتى الآن - اقدر على الحديث عن الشاعر من كــل الدراسات الممتازة التى كتبت عنه ، يحدثنا هذا الشعر ، عن بداياته المبهمة ، عن محاولاته التى تسعى الى تبرير وجوده والبحث عن صورته ، صورته هو لا صورة انسان آخر ، وقسماته الخاصة لا قسمات اى مخلوق آخر ، وما يترتب عــلى ذلك من ضرورة العثور على صوته الشعرى المتميز . لهذا لم يكن الشابى - وهــو يبدا خطواته الاولى على طريق الشعر - يحاكى احدا من شعراء عصره او من شعراء العصور القديمة . وقصائده - حتى تلك التى تفتقد التوهج الشعـــرى - لها نفس الكينونة والخصوصية المتمردة على المحاكاة والمعارضات لقد اكتشف لغته واسلوبه واختار لقصيدته نفس الملامح التى لا تقيم عصرا آخر غير عصر الشابى نفســـه .
لقد انتهت مرحلة الخطابة فى الشعر او كادت ، وبدأت مرحلة الهمس التى تنبه اليها الناقد الكبير محمد مندور التى ارجع فضل ظهورها الى الشعر المهجرى بعد اختلال ايقاع الطبول العربية التى غابت فى رياح المسافات ، وهذا التعليل او التفسير الاخير يمتلك كثيرا من مقومات الصحة والصدق . واذا كان شعرنا العربى المعاصر قد افاد من تيارات الشعر الاوربى - وهو قد افاد حقا ولبس ذلك ما يعيبه - فان اهم ما افاده كسر حدة وخفوت النبرة العالية التى تتلائم مع عصور الحصر والفراغ .
وقد بدت القصيدة الرومانتيكية فى اول عهدها وكانها نبت مخالف لطبيعة القصيدة العربية مع أنها لم تغير شيئا فى بنية هذه القصيدة او نظامها الخليلى .
القصيدة هي القصيدة . نفس البحــور ، نفس التفاعيل والمسافــــات ، نفس الادوات التعبيرية ، لكــن الحس الموسيقى ، الايقاع العام اختلــف ، دلالات الالفاظ ، الايحاء والظلال الجديدة التى صارت لهذه الالفاظ كــل ذلك يجعل القصيدة مغايرة غير متجانسة . وبما ان اللغــة هي عمود الشعــر والعنصـــر الاساسي في هندسة القصيدة وهي لا تتغير ولا تعلن ثورتها التعبيرية الا فى مناخ من الصراع المحبوب بينها وبين الشاعر وبين المنطق العقلى للاحياء ومنطق الانفعالات اللاشعورية فان اهم خطوة اتخذها الشعــراء الرومانتيكيون العرب هى الارتفاع بالمفردة العربية من قاموس المنطق اللغوى الى قاموس المنطق الشعرى . والخروج بالجملة الشعرية من الزمن العادى الى الزمــن الفنى ،
والخروج بموضوع القصيدة من مكان المناسبات والاستجابة للاحداث المباشرة الى مكان المفاجأة والمغامرة . وكان الشابى احد اقطاب هذا التحول فى لغـــة القصيدة وزمانها ومكانها ، وهنا قد تاتي الاشارة إلى موضوع تاثــر الشابى بالشعر المهجرى وتفاعله بما وصل اليه ذلك الشعر من اكتشاف استجـــابة مغايرة للالهام واكتشاف ازمنة وامكنة تقترب من الحاضر ولا تلهث كثيرا نحو الماضى . وقد أفاد الشابى من الشعر المهجرى ما فى ذلك شك وربما أفاد من جبران ومن نثرياته اكثر مما أفاده من الآخرين وقد بقيت له بالرغم من كل ذلك لغته ومكوناته الشعرية الخالصة والمتميزة .
ولعل تاثير جبران يبدو جليا فى كتابات الشابى النثرية وفي كتابه المثير والوحيد ( الخيال الشعرى عند العرب ) فالتاثير الجبرانى واضح المعالم فى هذا الكتاب وكثير من أفكار جبران عن الخيال ، والخيال الشعرى ثم طريقته فى الكتابة ذاتها تؤكد فرضية هذا التأثير . وان كان ارتباط الشابى بالتراث الادبى العربى واستيعابه الواعي لاهم اصوله قد جعله اكثر من جبران قدرة على تقدير هذا التراث واعادة تشكيله . ولو انه - اى الشابى - قد عاش اطول من حياته القصيرة لكان قد ترك لاجيال العصور الحديثة اجمل شعر من منظور الشعراء الرومانتيكين العرب ولكان اثره عــلى الشعر العربي الحديث شاملا وعظيمــا .
هل يمكن اعتبار ( الخيال الشعرى عند العرب ) البيان الادبى المعلن لابى القاسم الشابى الشاعر ؟ نحن لا نتردد عن القول انه لكذلك ، وانه لا غنى عنه للباحث فى شعر الشابى ان لم يكن لكل واحد فى شعر الحركة الرومانتيكية باكملها ، فالكتاب يقدم مفهوم الشابى للشعر وللخيال الرومانسى من خلال
البحث فى ماضى الشعر العربى واساطير الادب العربى ، وفى ضوء النماذج التى توقف عندها معجبا ومفندا ، وان كان قد غاب عنه وهو الشاب المتحمس لادب العصر وشعر العصر خطأ محاكمة الخيال الشعرى العربى الذى توفق نموه بل وبدأ انحداره منذ الف عام بمعايير الخيال الشعرى المعاصر ، اقول ان كان قد غاب عنه ذلك الفارق الجوهرى فان التمرد لم يصل بــه الى الدعوة الى الابتعاد عن روح التراث او التنكر لقواعد القيم الجمالية العربية الاصيلة .
ولم يكن الشابى الوحيد بين الرومانتيكيين او المجددين فى مجال الشعر العربى التحديث الذي عاد الى الماضى ليقرأ آثاره الادبية فى ضوء معارفه الحديثة وما اكتسبه من ثقافة شعرية معاصرة ، فالعقاد على سبيل المثال يقول : ( ولقد ضاع الشعر العربى بين قوم صرفوه فى تجنيس الالفاظ ، وقـــوم صرفوه فى تزويق المعانى ، فما كان شعرا بالمعنى الحقيقى الا فى ايام الجاهليين والمخضرمين على ضيق المعانى عندهم ، وسيعود كذلك فى هذه الايام على يد افاضــــل شعراء العصر ) ( ١ ) .
اين شعراء العربية الكبار او الذين يعتبرهم كل الدارسين والنقاد كبارا اين هؤلاء من هذا الرأى المتمرد ، اين ابن الرومى رفيق العقاد وشاعره الذي لم تشرق وان تشرق على مثله الشمس ؟ انهــا الثورة التمهيدية للجديــد القادم وتسوية الطريق امامه مهما كانت الحجج ضعيفة والادلة غير مكتملة ، وهذا هو نفس موقف الشابى في كتاب ( الخيال الشعرى ) الذي زعمت وربما سبقنى الى هذا الزعم كثير من النقاد والدارسين انه البيان الذي اعلن به الشابى حضوره الشعرى المغاير لما كان شائعا من شعر ، انه يرفض الخيال الصناعى ، ويرفض (( الخيال المجازى )) ويقبل فقط ما دعاه (( الخيال الفنى )) او (( الخيال الشعرى )) ومواصفات هذا الخيال او قواعده التعبيرية هى نفسها ذات مواصفات وقواعد الخيال الرومانسى : ( ان الأدب العربى غنى بالخيال الصناعى او الخيال المجازى وهو خيال المجاز والاستعارة والتشبيه وغيرها من براعات الالفاظ والتعابير التى اشبعتها البلاغة على اختلافها بحثا ودرسا . ولكن هذا النوع مــن الخيال المالوف ان دل على بعض نواح خاصة من روح الامة فهو لا يدل على مقدار شعورها بتيار الحياة كعضو حى في هذا الوجود ، ولكن هناك نوعا آخر مــن الخيال اتخذه الانسان لا للتزويق والتشويق ولكن ليتفهم من ورائه سرائر وخفايــا
الوجود واسميه (( بالخيال الفنى )) لان فيه تنطبع النظرة الفنيــة التى لقيهــا الانسان على هذا العالم الكبير ، واسميه ايضا (( الخيال الشعرى )) لانه يضرب بجذوره الى ابعد غور فى صميم الشعور ، فالخيال الشعرى بهذا المعنى العميق الذي تلتقى فيه الروح الفنية والفلسفية فى آن ، والذي نفهم منه نفسية الامة وندرك ما لافاقها الروحية من عمق وسعة وضياء . . ذلك النوع من الخيال هو الذي حرم منه الادب القديم ) (٢) .
ويلاحظ من الامثلة التى اوردها الشابى فى كتابه هذا انه قرأ قدرا لا باس به من النماذج المترجمة عن الأداب الاوربية ، وانه قد اتخذ مــن بعضها وسيلة للمقارنة الناقصة والمزعومة كما اتخذ منها حجة ودليلا على قصور الخيال فى الأدب العربى ، ولم يفطن الى انه قد استعان باليونــان والالمان والفرنسييــن والاسكندناف ، والهنود ، والفرس وانه قد حشد نماذج من آداب كل هذه الامم ليواجه به نماذج من ادب امة واحدة . ولو كان موضوعيا لاكتفى بالمقارنة بين العرب واليونان ، او العرب والالمان او الفرنسيين ، لكــن يبدو ان الموضوعية شرط مقترن بسنوات الثابت والمالوف وليس بمراحل التغيير والتحول .
يعلن الشابى بعد ان يقدم نموذجين من حب الطبيعة أولهما للامرتين الفرنسى وآخرهما لجيته الالمانى ، مبينا الفرق بين الرنة العربية الساذجة البسيطة وبين الرنة الغربية العميقة الداوية (( غير ملتفت الى الفارق الزمنى والمكانى )) بقوله : ( تلك كلمة لامرتين وهذه كلمة جيتى ولست بمستحلفكم مــرة اخــرى اى النظرتين الى الطبيعة اعمق ؟ وهل عندنا فى العربية مثل هذه الــروح القوية الشاعرة ؟ ولكنى أقول كلمتى . وهى ان النظرة العربية الى الطبيعة بسيطــة ازاء هذه مهما بلغت من العمق والشعور ، وان تلك الكلمات الاخيرة التى قالها جيتى هى الاغنية الخالدة التى ترددهــا النفوس الشاعرة فى اعماقهــا كلمات شاهدت بهجة الكون وجلال الوجود . اما شعراء العربية فلم يعبروا عــن مثل هذه الاحساسات الشعرية العميقــة لانهم ينظروا الى الطبيعة نظــرة الحى الخاشع الى الحى الجليل وانما كانوا ينظرون اليها نظرتهم الى رداء منمق وطراز جميل ، لا تزيد عن الاعجاب البسيط ومثل هذه النظرة الفارغة لا ينتظر منها ان تشرق بالخيال الشعرى الجميل لان الخيال الشعرى منشؤه الاحساس الملتهب والشعور العميق وشعراء العربية لم يشعروا بتيار الحيــاة المتدفق فى قلــب الطبيعة الا احساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحس ونشوة الخيال ، هو
ذلك الاحساس الذى تشاهدون اثره فى شعر البحترى وابن الرومى وأبى تمام وبعض شعراء آخرين ) (٣) .
وليست هذه الاقوال هي اخطر او اهم ما تضمنه البيان العنيف من هجوم على الأداب العربية عامة والشعر العربى بخاصة ، فقد امتلات صفحات منه بهجوم قاس . تركز الجزء الاكبر منه على الرتابة والنمطية والتكرار والاجترار والخيال اللفظى . . انه الحلم الرومانتيكى الى خلق شعر فنى جديد ، وهو حلم مشروع يبرز هذا التمرد الذى يصطنع الابتعاد المؤقت عن الموروث ويعرب عن الرغبة فى المشاركة المتميزة لسد منافــذ العجــز دون التنكر لخصائص المحيط او الانقطاع عن الاسرار الكامنة فى الموروث .
ونخلص من هذه الملاحظات الى تأكيد المعنى التالى : وهو ان الشابى وزملاءه من رواد الحركة الرومانسية فى الشعر العربى لــو لم يصلوا الى مثــل هــذه الدرجة من الاقتناع بضرورة التغيير والتجاوز ، والى اقامة مثل هــذا الحــوار العميق والتمرد مع الذات ومع التراث لما استطاعوا ان يقتربــوا بالشعر مــن معاناة العصر ، ولما تمكنوا من الانتقال السريع من مرحلة الاحياء الى مرحلة التحديث التى قادت بدورها الى مرحلة الثورة الشعرية باعمق واوسع معانيها .
الشعر . . والشعب :
الشعر الحقيقى تمثيل لشخصية صاحبه ، وتصوير لعواطفــه وانفعالاته ، والجانب الاكبر والحى من شعر الحركة الرومانتيكية هو شعــر حقيقى يمثل نفس الشاعر ويصور احلامه وعواطفه . والرومانتيكية لا تعنى بالضرورة - وكما سبقت الاشارة - تجاوز حدود الواقع او الانصراف التام عن حياة البشر والانطلاق مع الخيال فقد استطاعت اعمال رومانتيكية كثيرة ان ترسم للواقع اليومى صورا لا تقل واقعية وربما كانت اوضح جمالا وشفافية - من تلك التى تبدعها المدرسة الواقعية . وليس صحيحا ان الاديب الرومانتيكى غير موضوعى ولا يستطيع ان يضبط خياله او يتحكم في ايقاعه السريع المندفع .
والدليل على ما ذهبت اليه قائم فى شعر الشابى ، هذا الشاعر الرومانتيكى الذى شكل شعره اهم روافد الرومانتيكية العربية ، فقــد اثبت هــذا الشاعر
صدق تعامله مع الواقع وصدق رؤيته مع الحياة ، وأكدت قصائده المتشـح معظمها بسواد الكآبة الرومانتيكية كما اتخذت فى شعــره طــريق الــرفض والاحتجاج فقد اتخذت طريق الثورة والتفاعل مع الحياة بواقعيــة صــادقة ، وكانت قادرة على اتخاذ المــواقف المنــاسبة فى وجـه المواضعــات الاجتماعية والسيــاسية .
ولم يكن الشابى وحده الشاعر الرومانتيكى الذي لم يتمكن الغوص الذاتى فى عوالم النفس ان يقتلعه من جذور المعاناة العامة ومن علاقاته مع الاخرين فقد كان ذلك شان اهم شعراء الحركة الرومانتيكية فى الشعر العربى الذين استطاعوا بفضل الواقع المأسوى المقموع ان يحسموا الموقف الحائر فى مفترق الطرق لصالح الفن والحياة معا ولصالح العلاقة بين الذات والآخر ، فما الشاعر الرومانتيكى بالنسبة له سوى خلفية اطار تتبلور من خلاله آلام الانسان وعذاب المجتمع وهى لذلك - اى الطبيعة - تبدو حينا ضاحكة مشرقة واحيانا عابسة قائمة ، وهى فى كلتا الحالتين تعكس ظلال الواقع وتعقيداته السائدة .
ولعل ابرز سمة موضوعية متميزة فى شعر الشابى تكاد تتمحور حول موضوع الشعب وتكمن فى ذلك الاسلوب من المخاطبة القائمة على محاسبة الشعب ونقد اخطائه . فقد كان المألوف فى عصور الازدهار والانحطاط على حد سواء ان تتوجه القصائد الى الحكام والامراء والسلاطين والى كل من في خزانته مال عام او خاص امــا فى العصر الحديث فقــد تغير الامــر الى حد ما وحــاول بعض الشعــراء الرومانتيكيين وفى مقدمتهم الشابى ان يتوجهوا بقصائدهــم الى مواقع اخرى فلم يعد الشاعر يهتم بالمال ، انه عظيم الغنى باحساسه الجديد ازاء الحيــاة والكون ، غنى بشعوره النفسى المتمرد وبانه قد وجد ذاته ولا يمكن له ان يقامر بها او يضعها تحت سيطرة الاخر مهما كان حظ هذا الاخر من الجاه والمال ، ان الغنى المعنوى الذى هبط على الشاعر قد جعله ينصرف عن الحكام وعن اصحاب المال وجعله يفتش عن الشعر وعن موضوعاته فى الطبيعة تارة وفي الحب الحزين وفى الاشياء الصغيرة التائهة فى زمن الاحباطات والموانع القابعة تارات اخرى .
والشعب فى تجربة الشابى الشعرية مسؤول عما يلحق به من ضرر وعن كل ما ينال الوطن من اذى ويكتسب هذا الاتجاه دلالات فكرية اكبر بكثير من كونه اسلوبا فى ارادة التخاطب او استحضار الغائب الموجود (( الشعب )) انه تعبير عن الوعى الجديد ، عن الانفعالات الحارة ازاء خنوعها واستسلامها لحكامها الطغاة او جلاديها مع الدخلاء والمستعمرين ويوضح هذا الاتجاه تماما عندما نلاحظ ان الشاعر لم يتوجه بثورته الى حاكم محلى او الى مستعمر اجنبى ، ولم
يتحدث سوى مرة واحدة الى الظالم المستبد ، صديق الفناء عدو الحيــاة الذى يسخر من انات الشعب الضعيف ، وفيما عدا ذلك فقد اقتصرت ثورته على الشعب ذاه ، الشعب الذى ارتضى بحاكمه الطاغية العابث ، وارتضى الاحتلال أليس الشعب هو الذى يصنع حكامه ؟ لذلك فهم كثيرا ما يأتون على صورته هو ، ان خيرا فخير وان شرا فشر ، والشعب ايضا هو الذى يتقبل الهزيمة من اعدائه ويمكن بضعفه لقابلية الاستسلام بعد ان تجرد مــن الاحساس ومن شعــور الكبرياء والشعوب التى تئن تحت اثقال الظلم والهوان لا تستحق العطف وعلى الكتاب والشعراء بدلا من ان يتوجهوا الى حكامها وقادتها ساخطين ناقمين ان يتوجهوا الى هذه الشعوب التى ارتضت الاضطهاد وقبلت ان تحيا بلا حقوق وان تعامل كالسوائم .
وفيما اتجهت القصائد النضالية عند شعراء كثيرين من رومانتيكيين وغير رومانتيكيين الى القصر أو الى الحــاكــم الفــرد أو الى السلطــة الحــاكمة ، اتجهت قصائــد الشابى الى الشعب تستثير دفين ارادتــه المفقــودة ، وتعدد نماذج سلبياته وخطر التمادى في الصمت ، وهذا لا يعنى - كما قد يتبادر الى بعض الاذهان - ان الشابى انطلاقا من الرؤية الرومانتيكية يحبــذ الابتعاد عن المواجهة من الحكام الطغاة والجلادين الاجانب ويفضل عليها مواجهة الشعب الاعزل المغلوب على امره ، وهذا التصور الخاطئ هو الذى اوصل هذا الشعب العربى في مختلف اقطاره الى درجة من الانتكاس والتخلى عن المسؤولية فلم يكن الشعب فى وجود الحاكم الطاغية او حتى وجود الحاكم العادل - ان وجده - الا قوة هلامية أو قطيعا من البشر لا يسأله أحد عما يفعل به ولاة أمره ،
ان هذا الاتجاه الذى تنبه اليه الشابى كان البداية الصحيحة للايقاظ وستظل قصائده الناقمة على استرخاء الشعب وتجاهله لدعوته وانصرافه الى حيـــاة العبودية والذل . ستظل تلك القصائد نموذجا فريدا يشكل ظاهرة فى تاريخ الشعر العربى الحديث . هى ظاهرة تمتلك قيمتها واهميتها مــن حيث ان الشعب هو الذى يختار حكامه ويحاسبهم وهو الذى يختار النهج الذي يسير عليه الى تحقيق حياة افضل . والذين يغضون الطرف عن عيوب الشعب لا يقلون خطرا عن الذين يغضون الطرف عن عيوب الجلادين . وان يكن المنظور الذاتى قد حدد من الرؤية العامة عند الشابى ولعب دورا فى اضعافها فالمنظور الفردى الوجدانى يخلع رؤيته الخاصة على الأشياء العامة فيفقدها قدرا من الاحساس المشترك .
وربما كانت قصيدة ( الى الشعب ) فــى ديوان الشابى اوضح الامثلــة الشعرية فى تحديد مفهوم هذا الاتجاه ، وهي من القصائــد النادرة فى شعرنا الحديث وكانت بمثابة البشارة بمناخ جديد يستنهض خامد الشعوب ويستفز ميت الاوطان ، فقد جمعت بين حرارة التعبير وبراعة الصورة وهما اهم سمات الاسلوب الرومانتيكى المتفرد وبين قوة الفكرة والتركيز العميق على تفاصيلها الصغيرة ، تتألف القصيدة من سبعة مقاطع ، لكل مقطع قافية مستقلة ، ويبدأ المقطع الاول بتساؤلات خطيرة تحدد الاجابة الصحيحــة ما اذا كــان الشعــب موجودا ام غائبا ، حيا ام ميتا . وينتهى المقطع بشطر بيت شهير للمتنبى تكرر معناه معه كثيرا وفيه يرى ان الموت في احايين كثيرة يكون اشفى للنفس واخف وطأة من حياة الذل والهوان :
أين يا شعب قلبك الخافق الحساس ايـــن الطمـــــوح ، والاحـــــــلام ؟
عمـــر ميت ، وقلـــب خـــــواء . . ودم ، لا تـــــــــثيـــــــــــــره الالام
وحيــــاة ، تنام فى ظلمة الوادى وتنمـو مــــن فوقهــا الاوهــام
أى عــيــش هــذا ؟ وأى حيــاة ؟ ( رب عيش أخف منه الحمام ) (٤)
ماذا تبقى من الشعب العربى اذن - وليسمح لى القارىء ان ازعم ان الشابى لم يكن يخاطب الشعب العربى فى تونس وانما فى كل الوطن المستلب - ولعله لم يكتف باطلاق هذه التساؤلات على طريق الشعب الساذج السادر فى جهله وحرمانه ، الشعب الذى تخلى عن كل الطموح والاحلام ، وافتقد ما هو اهم من ذلك الاحساس ، الاحساس بما حوله من حركة وبما حوله من اصوات الحيــاة المتحدة المتغيرة ، على هو الموت ؟ هل هو الخواء القاتل ؟ ام هى الاوهام التى كبلت أقدامه فلم يعد معها قادرا على الحركة والنهوض ! مرة أخرى انه الشعب العربى باكمله وليس الشعب فى تونس ! !
وياتى المقطع الثانى من القصيدة ، وهو لا يخلو من التساؤل لكنه هذه المرة تساؤل مرير ، تساؤل أشبه بالاستغاثة منه بالاستفهام ، وهو تساؤل يجمح الى الانكار والدهشة :
أنــت لا ميـــت فيبـــــلى ، ولا حى ليمشـــــى ، بــل كائـــن ، ليس يفهم
ابـــدا يرمــــق الفـــــراغ بطــرف جامــد ، لا يــرى العوالــم ، مظلــم
أى سحر دهاك ، هل أنت مسحور شقـــــى ؟ أو مـــــــارد ، يتهكــــــم ؟
يا له من شعب ضائع منكود الحظ بين الموت والحياة ، لا يتحرك الزمان فى وجوده ولا يحس بوجود الزمان لا معنى له ولا لأيامه الميتة ، انه ليس شعبا ولكن انقاض بقايا ، انه كائن لا يفهم ومع كل ذلك فما الذى يقوله البيت الاخير من هذا المقطع ، ما الذي توحى به جملة (( مارد يتهكم )) ؟! هل هى جملة تحاول تخفيف حدة الياس ، اذا كان ذلك صحيحا ، فلماذا ياتى المقطع الثالــث اشد حزنا واكثر ايحاء باليأس ؟ فالشعب لم يعد سوى عجوز ، عجـــوز محطم اختار البقاء مع الاموات ورضى العيش فى (( قبر الامس )) والسكنى فى الماضى البعيد :
فالزم القبر . . فهو بيــــت شبيه ، بــك فــى صمــت قلبـــه وخرابـــه
واعبد (( الأمس )) واذكر صور الماضى فدنيــا العجـــوز ذكــــرى شبابـــــه
ان غضب الشاعر - وهو غضب مشروع - لم ينسه ابدا ان المغضوب عليه هو شعبه المقهور ، لهذا فهو لا يخفى عطفه أو اشفاقه عليه ، وهو يحاول بين حين وآخر ان يكسر حدة هذا الغضب ، بكلمة رقيقة ، او باشارة خاصة ، وربما جاءت كلمة (( فيلسوف )) فى المقطع السابق انطلاقا من هذا التعاطف الودود .
ويبدو اننا لن نتمكن من ايراد كل مقاطع القصيدة ، واننا سوف نتجاوز المقطعين الرابع والخامس . وهذا التجاوز لن يؤثر بحال على النسق العـــام للقصيدة ، فالوحدة العضوية التى كافح فى سبيلهــا شعراء العصور الحديثــة كانت ما تزال حلما من احلام الشاعر ، واذا كان مفهومها قد شـــاع فى عصر الشابى فان نماذجه الاصيلة لم تكن قد ظهرت بعد او استوت ناضجة على صفحة الشعر المعاصر . والمقطع التالى . وهو السادس فى الترتيب - ربما يكون اخطر مقاطع القصيدة واقدرها على احتضان رؤية الشاعر وعلى رصد التجربة الرامية الى تحرير الشعب العربى من مخاوفه وآلامه ، وعلى اغرائه بمقاومة كل ألوان الظلم والقهر والاستغلال :
والذى لا يجاوب الكون بالاحساس عـــبء عـــلى الوجــود ، وجـــوده
فلماذا تعيش في الكون يا صــاح ! ومـــا فيــك مــن جنى يستفيـــده
لست - يا شيخ - للحياة باهـــل انــــــت داء يبيدهـــــــا وتبيـــــــده
هل ينطوى هذا الاستفزاز الرائع على طبيعة هروبية ؟ وهل يوحى باي قدر من الاحتضار او الاندحار ، وهى الفاظ قاسية اجاد استخدامها نقادنا الافاضل فى وقت من الاوقات للتعبير عن كراهيتهم العميقة لكــل شعر لا ينبعث مــن الواقع ولا يكون تعبيرا عن الاحساس بالغربة والكآبة والسأم ؟!
وبالرغم من ان المقطع التالى والاخير تكرار لمعانى المقطع السابق وتداعيات متشابهة تتآزر وتتنامى معه الا انه يستطيع ان يوضح تطور انفعال الشاعر ويضع التجربة فى قرارها الاخير :
انـــت يـــا كاهـــن الظـــلام حيـــــاة تعبـــد المــوت . . انــــت روح شقى
أنـــت لا شئ فى الوجود ، فغادره الى المــوت ، فهــو عنــــــك غـــــــنى
رحم الله الشابى ، ولقد كان يعتقد واهما ، ان مشكلة الشعــــب العربى انه يعيش فى ماضيه لا فى حاضره وانه من اجل ذلك الماضى يتجنب الدخول الى الحياة الحاضرة ، وما ذلك - فى رأيى - الا وهم خادع ، فالشعب العــربى ، يومئذ كما هو اليوم لم يكن قد تبقى له من امجاد الامس الا بمقدار ما اكتسبه من امجاد اليوم ، قشور صغيرة ، ومظاهر سطحية لا معنى لها ولا قيمة .
واجد نفسى مضطرا - رغم ضيق مساحة الدراسة - ان لا اتوقف عند قصيدة واحدة من قصائد هذا الاتجاه المنخنق المستفز ، والذى يكاد يتميز به الشابى عن سائر شعراء عصره اولائك الذين حرصوا عــلى تمجيد الشعــب والتغنــى ببطولاته الخيالية ، وسعوا الى ان ينفخوا فيه روح شجاعة ليست له والى ان يتحدثوا عن مواقف لم تكن ، كما فعل شوقى وحافظ وشعراء آخرون . ولعل التوغل في رؤية الشاعر الدائرة فى اطار هذا المنحنى تكشف عن بقية ابعاد الرؤيا الشعرية المجللة بالتشاؤم ومرارة السخرية ، ولاننا لن نتمكن من التوقف عند كل قصائد هذا المنحنى واهمها قصيدة (( ارادة الحيــاة )) اشهـــر قصائد الشابى واكثرها ترددا على الافواه ، فسوف نكتفى بالنظر الى بعض مقاطع من قصيدة ( النبي المجهول ) القصيدة التى تحمل اعلانا بالغ الدلالة والتعبير عن الاتجاه الرومانتيكى الثورى ، حيث يمتزج الغضب والتمرد بالشعور الحاد بالقلق والسأم ، يقول المقطع الاول :
ايها الشعب ، ليتنى كنـــت حطابـــا فاهــوى عـــلى الجـــذوع بفــــــاسى
فى صباح الحيـــاة ضمخت اكوابى واتــــــرعتهــــا بــخـمــــرة نفســـى
ثــم قدمتهــا اليـــــك ، فاهرقـــــت رحيقى ، ودســـت يـــا شعب كأسى
ثــم البستنــى مــن الحــزن ثوبــا وبشوك الجبــــال توجت رأسى (٥)
يا لها من امنية خطيرة ، ان يغدو الشاعر حطابا يتابع بفاسه جذور الفساد ويستاصل اسباب التخلف والجمود ، كيف يستطيع ان يقف صامتا وهو يرى شعبا بكامله غير قادر على النهوض ، غير قادر على الرد على قوة متسلطة تتحكم بوجوده وتعمل عامدة على الغاء ابسط مقومات هذا الوجود . ويلاحظ انــه مع ارتفاع حدة الانفعال ترتفع حدة الاستفزاز ، ولا يرى الشاعر طريقا للخلاص سوى مغادرة الواقع المهين والاتجاه نحو الغابة . وكثير هم الانبياء المجهولون فى التاريخ البشرى ، اولئك الذين حاولوا اصلاح ما افسده الانسان والزمان لكنهم فشلوا واتجهوا الى الغابات النائية بعد ان افرغــوا فى مسامع النــاس شحنات لعناتهم الغاضبة :
اننـــى ذاهـــب الى الغـــاب ، عــــلى فى صميــم الغابات ادفــن بــؤسى
ثــم انســاك ما استطعت ، فما انت بأهـــــــــــــل لخمرتـــــــى ولكــــــأسى
هل يستطيع شاعر تحترق فى أعماقه كل هذه الاحطاب وكل هذه البراكين ، هل يستطيع ان يدفن ثورته او ياسه او هموم شعبه فى صمـــت الغابات وفى ظلال الصنوبر وفى نضارة الفصول ؟ لا أظن ذلك يحدث ولكنه نوع من مغالطة النفس ، شكل من أشكال محاولات اطفاء النار المحتدمة فى ضلـــوع الشاعر الكئيــــب .
ومرة اخرى اجد نفسى مضطرا - مع علمى بضيق مساحة هذه الدراسة - الى تقديم نموذج آخر من شعر هذا المجال ، وهو نموذج لا تفسده الذاتية ولا تنقصه الرؤية الموضوعية الشمولية :
لعــب تحركهــــا المطامــع واللهـــى وصــغـــائـــر الاحقــــاد والآراب
الشاعــــر الموهـــوب يهــرق فنـــه هــدرا عــلى الاقــدام والاعتــــاب
والعــالــم النحريـــر ينفــق عمـــره فى فهــم الفــــاظ ودرس كتـــاب
والشعب بينهما قطيـــع ضائــع ، دنيـــاه دنيــا مأكـــل وشــراب (٦)
منذ متى كتب الشابى هذه الآبيات ؟ وهــل اختلف امر القطيـــع العربى ، عفوا امر العمر الشعب العربى ، هل اختلف قليلا او كثيرا عما كان عليه منذ خمسين
عاما ؟ لقد تغير كل شئ فى العالم تقريبا ، نهضت شعوب ، وتطورت شعوب ، وما زال الشعب العربى كما كان منذ خمسين عاما ، وربما أسوأ مما كان ، وها هو ذا يلعق جراحه ، ويحصى قتلاه ، وينتظر المخلص الذى لن يأتى لانه هو وحده الذى يبغى بل يجب ان يخلص نفسه ، ولانه هو وحــده القــاتل والقتيـــل .
السمات الفنية الجديدة فى القصيدة الرومانتيكية :
عندما يتجرد العمل الادبى من سماته الفنية لا يكون ادبا ، ولا يبقى منــه للحياة شئ . والشاعر العظيم والشاعر الحقيقى قبل ان يعبر عن فكر ما ، عن رؤية ما ، عليه اولا ان يمتلك القدرة على الابداع وعلى التعبير الفني الرفيع فالعمل الادبى - شعرا او نثرا - تتاتى قيمته الحقيقية من القدرة على تقديمه فى صورته الفنية الراقية ومن امتلاك جوهر خصائصه القادرة على الاشعاع والتوهج . ولا تكون الفكرة السامية فى الشعر او النثر الادبى بديلا عن الصورة الفنية مهما سمت الفكرة ، اما حين تجد الفكرة السامية من يجيد التعبير عنها ويبرع فى تقديمها ضمن اطارها الفنى المناسب فانها حينئذ تكون قــد حققت اقصى معانى النجاح .
ولعل فى هذه الملاحظات شبه المنطقية ما ياخذنا بعيدا عن الصراعات التقليدية التى دارت وتدور بين انصار المدارس الادبية ولعلها ايضــا تعطى للتعاطف المحدود والمشروط بزمانه والذى ابديناه تجاه الرومانتيكيــة معنى محــددا وتصرف عن هذه الدراسة المتواضعة ردود فعل المغالاة في المواقف الرافضة . وهي مواقف كانت الى وقت قريب حكرا على ذوى العقول الضيقة لكنها فى زمن التوتر العربى الردئ ، صارت ما لا تعافه العقول النيرة .
ونحن هنا نتساءل : هل حركت الرومانتيكية سكونية الشعر العربى وامدته بدلالات جديدة للحياة وللمصير الانسانى ؟ هل ساعدت على ايقاظ الشعراء وتحريرهم من سيطرة التحريفات والمفاهيم غير المعاصرة للشعر ؟ هل قادت الى سلسلة التغيرات التى شهدها الشعر فى السنوات الخمسين الاخيرة ؟ اسئلة وأسئلة ، لا بد ان تكون الاجابة عنها - من وجهة نظرى - بالايجاب . فمــن الناحية التاريخية لا تستطيع اية دراسة جادة الا ان تشيد بالنقلة العظيمة التى خطتها القصيدة العربية على ايدى الشعراء الرومانتيكيين العرب ، فقد كان لصيحاتهم المتمردة المجنونة واحيانا لاحزانهم وكآبتهم دور عظيم فى مواجهة
مفارقات الحياة العربية وفي احتضان افكار التمرد واخيرا فى التمكين لظهور الحداثة الشعرية بعد استهلاك القوالب الفنية القديمة وملئها - حتى التخمة - بالمضامين الجديدة .
واذا كانت الرومانتيكية - كما هو معروف - تستند الى نظريــة التعبير فى مقابل الكلاسيكية والواقعية اللتين تستندان الى نظريتى المحاكاة والانعكاس فان التعبيرية هى ابرز عناصر الثورة الرومانتيكية فى الشعــر والآداب وفى الفنون جميعا . وهى لم تقف عند تغيير قواعد الرواية وقواعد المسرح بــل تعدت ذلك الى اللغة وطريقة الاستعارة وعنيت بالاسلوب عناية تامة ، وكان رفض اشكال التعبير التقليدية ورفض الصيغ المالوفة وكــان استخدام اللغة استخداما جديدا ومختلفا . كان ذلك كله من سمات الشاعر الرومانتيكى .
وسوف نرى فيما بعد ان ثورة الشابى التعبيرية لم تقف عنــد المضاميــن الجديدة واللغة الوجدانية المجنحة . بل تعدت ذلك الى محاولة تغيير التشكيل الفنى للقصيدة ، الا ان الثورة الرومانتيكية لم تصل الى دروتها وتوقفت لاسباب كانت وراء اختصار المراحل الاربع وقد استرعت هذه الظاهرة انتباه عدد من نقادنا المعاصرين ، فألمحوا الى خطر اختصار المراحل الاربع والى اثر هذا القفز على الاداب والفنون ، فالمراحل التى قطعتها المدارس الادبية لم تكن كافية وكانت النتجة هــذا الخلط بين الكـــلاسيكية والرومـــانتيكية وبيـــن الرومــــانتيكية والـــواقعية عنـــد الشــــاعر الــواحــد وأحيــانــا فى القصيــدة الــواحــدة فضــلا عن تشــابك الاتجـــاهـــات والخلــط فـــى التيــــارات النقـــدية ودور التجــزئة القــوميــة فى ظهــور بعـض الاشكـــال الادبيــــة المــتــقـــدمـــة
فى هذا القطر فى وقت متقدم وتاخرها عن الظهور فى قطر آخر وما يتبع ذلك من معارك جانبية ضيقة . وخلاصة القول ان الرومانتيكية كانت بداية الثورة على الاشكال الادبية الجامدة ، وانها بالرغم من عوامــل الاحباط العديدة قـــد ساعدت فى الشعر على خلق رؤيا جمالية لا تقف عند حدود الصياغات اللغوية بل الى التحرر من سيطرة القالب السلفى القديم ، وهى كما ذهــب الى ذلــك الدكتور محمد غنيمى هلال ( مذهب ادبى من اخطر ما عرفــت الحياة الادبيــة العالمية سواء فى فلسفته العاطفيــة ومبادئه الانسانيــة ام فى اثاره الادبيـــة والاجتماعية ) (٧) .
الابداع الفنى فى شعر الشابى :
لم يكن الشابى تعبيرا محليا او بعبارة اوضح تعبيــرا تونسيا عــن الحياة القاسية الحزينة ، وانما كان تعبيرا عربيا ونموذجا للشاعر العــربى العميق الاحساس الذي تختزل تجربته الشعرية القلقة عذاب الانسان العربى وابعاد الاحساس الفاجع بالتناقض القائم بين الحلم الكبير - مجــرد حلم - وبين الواقع الباهت المزيف .
جاءت ثورة الشابى متاخرة بعض الشئ فقد سبقتها الى الظهور ثورة شعراء المهجر ، وثورة شعراء الديوان وقد رافقت فى الظهور - وعن بعد - ثورة جماعة ابولو ، ولم تطرح ثورة الشابى ما طرحه بعض شعراء المهجر ، ولا بعض ما طرحه شعراء الديوان او شعراء ابولو ، ومع ذلك فقد تحقق على يد الشابى ما لم يتحقق على ايدى غيره من الشعراء وتحقق له من الشهرة ما لم يتحقق لهم ، وبذلك استطاعت ثورته ان تلعب دورا هاما فى ترسيخ هذا الاتجاه وفى تحديـــد قسماته لماذا ؟ هل لانه استوعب الاتجاه الرومانتيكى اكثر منهم ؟ ام لانه شاعر اوتى موهبة مدهشة تجاوزت به الآخرين ؟ ام لأن موته المبكر قد جعله يرحل عن الدنيا قبل ان يفسد صوت الحزن العفوى العظيم فى شعره ؟ هل لهذا كله
استحق ان ياتى اسمه فى هذا السياق التاريخى من معالم التعبيــر فى الشعر العربى المعاصر : شوقى ، الشابى ، السباب . ولماذا لم تظهر اسماء على محمود طه ، وزكى أبو شادى وابراهيم ناجى ومحمود حسن اسماعيل او اسماء بشارة الخورى او الياس ابو شبكه او صلاح وغيرهم . لقد كتب هؤلاء جميعا شعرا رومانتيكيا جميلا وكتب غيرهم شعرا لا يقل جمالا ، لكن الاضواء لم تتسلط عليهم بنفس القدر الذي تسلطت به من حول الشابى كما ان بــذور الثــورة والتمرد لم تنطلق من آثارهم الشعرية كما انطلقت من آثــار الشابى منـــادية بتحطيم القيود التى تكبل الشعر والشاعر ، واكتملت في شعره القليل نسبيا اذا ما قورن باشعار اضرابه . اكتملت معاناة الشاعر الرومانتيكى المستغرق فى الثورة على الواقع الفاسد والنافر عن كــل الاغراض الشعريــة التقليديــة والمجذوب نحو الطبيعة والمراة على نحو يختلف عن انجذاب شعراء الوصف او الغزل فى الشعر العربى القديم والحديث .
ومن الواضح ان مهمة شعراء الثورة الرومانتيكيـــة فى مجــال البناء الفنى للقصيدة العربية المعاصرة لم تبق قاصرة على فكرة الوحدة العضوية ، ورفض تعدد الاغراض ، واشاعة لغة عذبة شفافة وانما تجاوز ذلك الى تفكيك القصيدة كخطوة اولى نحو تفكيك البيت ، وقد احتل الشابى فى هذا المجال بالرغم من
عمره الشعرى القصير مكانه الطبيعى والطليعى ايضا ، وحاول التقاط وربما اكتشاف بعض الاشكال الجديدة التى اصبحت اساسا مهما فى تطــور بنية القصيدة العربية المعاصرة وقد المح فى كتابه ( الخيال الشعرى عند العرب ) الى ضيقه بالهندسة الثابتة للقصيدة التقليدية وما تفرضه من قيود ضارة بالعواطف المتدفقة والبساطة والتلقائية . وتطل علينا من ديوانه نماذج فنيــة لا تخضع لوحدة البحر ولا لوحدة القافية كقصيدة (( اغنية الاحزان )) التى تتعدد مقاطعها وتتعدد قوافى المقاطع فيها على نظام شاع حينا فى الموشحات ثم اختفى وشاعت اشكال منه فى الشعر المهجرى كما نرى فى قصيدة (( اغنية الاحزان )) (٨) التى تتالف من احد عشر مقطعا .
هذه القصيدة وغيرها من القصائد المتطورة تولد عند القارىء احساسا بان الشابى يتململ داخل القصيدة التقليدية كما كان يتململ داخل الحياة الباهتة ، وكانما كان يشعر فى ظل الايقاع التقليدى بتوقف الحركة وتجمد سيرورة الزمن . وقد ادرك الشابى كما ادرك غيره من شعراء مدرسته الثائرة ان امتلاك الشعر لايقاع العصر كفيل بان يجعل الانسان والشعر ونفسه يمتلكان ايقاع الزمن بكل ما يتمخص عنه من اجواء نفسية وتحولات فى ابعاد الرؤية الاجتماعية وهذه كما فى القصيدة (٩) الــتى تحمل طموحات اكبــر الى التجديد ومغادرة القالب القديم :
ليــت شعــري ! أى طــيــر ؟
يسمــع الأحزان تبكــي بين أعماق القلوب
ثم لا يهتف فى الفجـر بــــرنــــات النحيـــب
بــخشـــــوع واكــتـــئــــــاب
هل اقتصر التجديد فى هذا المقطع وما بعده على الشكل وحده ، ام انه قد تجاوز الى المضمون . وهل ادى التشكيل الجديد فى القصيدة الى افساد البساطة والموسيقى وتعقيد المعنى كما يذهب الى القول بذلك النقاد السلفيون ودعــاة الوقوف عند اطلال فطام القصيدة الجاهلية ؟ والاجابة الصحيحة عن هـــذه التساؤلات : إن الكتابة الشعرية لا تخضع للخصائص الاسلوبية وحدها ولا للخصائص الموضوعية وحدها وان اى تجديد فى الشكل يقتضى ان يرتبط بتجديد فى المضمون .
ولعل الجديد فى المضمون هو الذى عكس التجديد فى الشكل ودعا اليه ، والتحديد فى هذه المقاطع لا يقف عند الشكل وحده وانما يتجاوزه الى التركيب والى المضمون والى الموسيقى والصورة الشعرية ، وهو لم يخل بشروط البساطة فى التعبير ، وربما كان هذا الشكل اكثر بساطة وابتعادا عن الصنعة والافتعال . والمقطع أو بالاصح القصيدة عموما غنية بالنغم وبما يسمى بالموسيقى اللفظية فتعدد القافية وتنوعها اعطى قدرا اكبر من الغنائية .
وهذا النوع من التجديد شكل البداية للجديد الحقيقى الذى انتقل بنظام القصيدة من البيت الى التفعيلة ، وقد اكدت هذه المحاولات الجادة ان حركــة الشعر الجديد جاءت نابعة من الجذور وفقا لعوامل التطور الابداعى فى الاداب والفنون . والقصيدة التى اوردنا فيها هذه المقاطع لم تخرج بعد ان اخذت هذا المستوى فى التشكيل عن مجزوء الرمل ، وهذا لا يعنى ان الشابى لم يخرج عن بحور الخليل فهناك نماذج خرجت عن النظام الخليلى كما فى قصيدة ( الكآبة المجهولــة ) .
هذه المحاولات التجديدية وغيرها للشابى ومحاولات اخرى لشعراء آخرين تذكر ان مرحلة تطويع الشكل التقليدى للرؤيا الشعرية الجديدة قد فشلت منذ البداية ، وان السمات العروضية التقليدية جزء لا يتجزأ من الوظيفة الابداعية للنص الشعرى ، وان ازالة عوائق التلاحم بين الشكل والمضمون تقتضى تغيير القالب الفنى والتجديد فى التشكيل ، وقد عاش الشاعر الاحيــائى الصادق الشعر والشعور وضعا من التمــزق بين عصــره ونمــاذج الشعــر المــوروث وعاش الشاعر الرومنتيكى هذه الحالــة مـن التمزق وانعكست وقــائــع هذا التمــزق على نمــاذجه الشعــرية فهى خليط مــن الانمـــاط المحــافظة والمتمـــردة ، وخليط من التطــرف والاعتـــدال ، وكــان شعــر الشـــابى أول نموذج حى لهذا التمزق بين الثورة والمحافظة . ولو امتد العمر به لكــان المجددين الخارجين على النظام البيتى ، فقد تجاوز تجديد المهجرييــن فى فترة قصيرة ، وفى وقت مبكر من العمر ، وشاعر لــه مثل هــذه النفس المتوتــرة والنزعة الطموح كان لابد ان يوضع على طريق هذا الجديد الشعرى الذى يمارس الآن وحين نعيد قراءة احد النصوص السالفة الذكر في ضوء هذه الملاحظات نحس بالقلق الذى يحتمل فى نفس الشاعر ونشعر ان الشابى كما يحلم بتحطيم جميع اشكال القهر المادى والمعنوى فى الحياة فانه يحلم كذلك بتحليم اشكال القهر فى الشعر ، فالسجون وادوات القمع فى الحياة تمثلت عنده فى انواع متعددة من القيود والحواجز الـــتى تفوق احاسيس الشاعر وتقيـــد مشاعره المتدفقــة .
ويزعم احد الدارسين ان الانماط الجديدة عند الشابى وعند المهجريين عموما ليس الا انماطا احيائيا للموشحات القديمة ، وبعض الدارسين يتحــدث عن (( موشحات الشابى )) حين ياتى الى النماذج التجديدية فى شعره ، وكان هؤلاء الدارسين يحاولون التقليل من قيمة دور التحديث الذى قامت به هذه المحاولات الرائدة وكانهم ايضا يريدون القول : إن هؤلاء المجددين لا يختلفون من حيث تاثرهم بالقديم - عن غيرهم من الاحيائيين الذين سعوا الى احياء القصيدة العربية ذات البحر الواحد والروى الموحد . وهو زعم ان صح لا يغمط هؤلاء ولا هؤلاء ولا يلغى دورهم في التطوير وتجاوز عصور الانقطاع ، لقد جاء شعراء الموشحات فى عصرهم تعبيرا عن رغبة عميقة فى تجديد البنية الفنية للشعر ، ومن يدرى ما الذى كانت تبشر به تلك الحركة لو لم تسحب الحضارة العربية من الحياة وينسحب معها الشعر ذلك الصدى الجميل الذى ترعرع فى روابيهـــا الفنية والعقلية واستقى من ينابيعها الظاهرة والباطنة وعندما سقطــت سقط معهــا وضاقت رؤيته وعاد الى التقليد والاجترار والى التعبير عن المباشر عن تجربة الاحباط والانهزام .
اننا نرى ونكاد نجزم ان المحاولات الجديدية القائمة الآن فى الشعر العربى المعاصر - رغم تاثرها بالاتجاهات السائدة فى العالم الحديث - قد نبتت من جذورها العربية ، وان الشابى وامثاله قد نجحوا فى ان تصل ثورتهم ما انقطع من حضارتنا الشعرية وان البداية الواعية التى حققوها قد فتحت الابواب الى الابداع الشعرى على مصاريعها ، ويكفى انهم ادركوا انه بمقدار ما كانت مرحلة الرجوع او العودة الى المحفوظ والموروث الشعرى ضرورة لحمايــة الذاكــرة القومية فان تجاوز هذا الموروث او البحث عن انماط جديدة تضـــاف اليه ولا تكرره ضرورة اعمق وتعبير اوضح عن العودة الى الحياة بعد الانسحاب الطويل .
خاتمـــة واعتـــذار :
كيف يستطيع الباحث ان ينتزع نفسه من مشاغل الدرس ومن متاعب الحياة اليومية ؟ وانى له ان يجد الوقت الكافى والمناسب لكى يكتب دراسة عن شاعر ما ، أو عن قضية ما ؟ ويكون ذلك استجابة لباعث نفسى والحاح نابع من ضمير الكاتب فيدفعانه الى التامل والبحث والتتبع والاستقصاء . نحن نلهث ولا نعيش نحن نسمع ولا ننصت ، ونحن ننظر ولا نرى ، وارجو ان لا يكون ذلك شاننا جميعا وان يكون شانى وحدى ، وشانى عند كتابة هذه الدراسة التى ليس لها من فضل سوى محاولة الاقتراب الحسى من اخوة لنا فى الجانب الآخــر من الوطن الكبير الذى يتكلم لغة واحدة ولا يتكلم أية لغة .

