الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

أبو عبد الله بن بطوطة، الرائد العربى الخالد، صفحة من طموحه ومغامراته، يرتلها كتابه " تحفة النظار فى غرائب الامصار "

Share

من تراثنا الخالد

يا شباب الاسلام ! خذوا درس الطموح العظيم والمغامرات الحازمة من سيرة هذا الشاب المغوار !

ثم دعت دواعي الحنين رحالتنا العظيم لأن يستأنف رحلة جديدة يقول : ان باعثه عليها رغبته فى زيارة والدته فى مقرها الأخير بطنجة . ولكنه بعد ازدياره لها لا يقيم بمسقط رأسه بل يتوجه رأسا شطر الاندلس . ولم يذكر لنا شيئا . عن والده : أكان على قيد الحياة أم انه انتقل الى جوار ربه قبل ان يصل الى طنجة ، قد اعتزم الجهاد فى البحر على دأبه ولكنه فشل هذه المرة ونجا من الأسبان

باعجوبة . وقد شاهد فى رحلته هذه ( جبل طارق ) فى اول ما شاهد من بقاع الاندلس ، وسماه ( جبل الفتح ) وحدث انه كان يومئذ مقل الاسلام ، اذ حاصره ( الفونس ) ورام افتتاحه ولكنه باء بالفشل الذريع ومات بوباء وصرف الله عن " ثغر ثغور الاسلام " كيده .

وقد أفاض كاتب الرحلة عن صاحبها ، فى وصف جبل الفتح ، لأنه يعرفه من قبل ، وكان فيه مع المحصورين فى حرب ( الفونس ) له : وهكذا تسلل ( ابن جزي ) كاتب الرحلة من وصف هذا الجبل الى امتداح مليكة وآمره بتقييد رحلة ابن بطوطة حيث قال :

" جبل الفتح هو معقل الاسلام المعترض شجى فى حلوق عبدة الاصنام ، حسنة مولانا ابى الحسن المنسوبة اليه ، وقربته التى قدمها نورا بين يديه ، محل عدد الجهاد ، ومقر آساد الأجناد ، والثغر الذي افتر عن نصر الأيمان ، واذاق اهل الاندلس بعد مرارة الخوف حلاوة الأمان ، ومنه كان مبدأ ( الفتح ) الاكبر ( ١ ) وبه نزل طارق بن زياد مولى موسى بن نصير عند جوازه فنسب اليه ، فيقال له جبل طارق ، وجبل الفتح ، لأن مبدأه كان منه . وبقايا السور الذي بناه ومن معه باقية إلى الآن تسمى بسور العرب ؛ شاهدتها ايام اقامتى به ، عند حصار الجزيرة ، اعادها الله ، ثم فتحه مولانا ابو الحسن واسترجعه من ايدي الروم بعد تملكهم له عشرين سنة وفيفا " ا ه .

ثم وصف ابن جزى قلاعه وسوره وما جدده فيه مولاه ابو الحسن من العمارات ونوه بدار الصناعة التى أسسها به ، واستفاض فى وصف الفتنة التى احدثها عامل الجبل الخائن ( عيسى بن الحسن بن ابى منديل ) الذي شق عصا الطاعة ، وقد اطفأ الله فتنته بحسن كياسة ابى عنان حتى بعث اليه عيسى هذا مصفدا مغلولا ، فانتدب للجيل عاملا أوفى منه ذمة وعهدا ، هو ابن الملك ابن عنان وولي عهده

( بو بكر السعيد ) . عناية بامر هذا المعقل الاسلامي الحائل بين المسلمين وبين الأسباق ، فان اباعنان يعلم ان هذا الحصن ان تهدم تهدم ملكه ، وان بقى ساسا قائما . بقى ملكه سالما قائما .

اخرائط المجسمة فى حضارة الاسلام

وهكذا يمضى ابن جزئ الأديب البارع فى وصف حفاوة الملك الكبير الهمة ابى عنان . بجبل طارق حفاوة ، دلتنا على بعد نظر هذا الملك ، ويقظته ، فقد علم بخطورة هذا الجبل ، وادرك انه باب دولته ولذلك " امر المهندسين الفنيين بوضع خريطة مجسمة يشبه شكلها شكل الجبل المذكور فتمثل فيها اشكال اسواره وايراجه وحصنه وابوابه ودار صناعته ومساجده ومخازن عدده واهرية زرعه وصورة الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء ، فصنع ذلك بالمشور ( ١ ) السعيد فكان شكلا عجيبا اتقنه الصناع اتقانا يعرف قدره من شاهد الجبل وشاهد هذا المثال ، وما ذلك الا لتشوقه الى استطلاع احواله وتهمه ، بتحسينه واعداده " ا ه . فانت ترى من هذا ، ان المسلمين فى حضارتهم عنوا بالفنون العملية وسموا فيها سموا مدهشا ، فليس امر صناعة خريطة مجسمة دقيقة لموقع حربى هام بالأمر الهين ، انه لدليل ناطق باستبحار مدنية الاسلام واستفحال المعرفة ودقة الملاحظة فى ارجائها . ولكن آثار الاسلام المشرقة فى الحضارة والمعارف نبثها الغربيون قبلنا بهمم لا تعرف التوانى ، وشوهوا سمعتها لنا بعد ان استناروا بها ، فجئنا نحن ( فى الزمن الاخير ) ارسالا متمزقين ، واقواما منحلين ، نتبع كل ناعق , ثم فتحنا عيوننا على ( نهضة الغرب ) الجديدة فبهرتنا انوارها اللامعة ، وخيلوا الينا بحسن دعاواتهم فتخيلنا ان كل هذا النور وهذا التقدم الخطير فى مرافق الحياة واجواء الفكر والعلم ، هو نتيجة لتفوق الغربيين الفكرى ، ونشاطهم الذاتى ، ولو أعملنا النظر قليلا فى ( آثار حضارة الاسلام ) حضارة الاسلاف

لعلمنا ان ( مدينة الغرب الحديثة ) من آثار صنعهم . ومن نتاج معامل تفكيرهم السامي النير .

لقد استهوانا الغربيون ، استهواءا ، سياسيا جعل كثيرا منا يؤمن بان مدنيتهم الحديثة ( بكر ) من بنات تفكيرهم ، ومن ذلك بالأمر الصحيح !!!

اما وقد ظهرت ( فى اللحظات الاخيرة ) بوادر اليقظة الفكرية ( فى العالم الاسلامى ) وتفتحت قوب مغلقة ، وأعين عمى . فن ول واجب علينا هو استجلاء ( شموس حضارة الاسلام ) وكشف منابعها الثرة ، ونبث منابتها الخصبة بالبحث فى الكتب التى دونوا فيها الكثير من آثار حضارتهم المشرقة . وبعد هذا يجئ الوجب الثانى ، الا وهو السعى وراء تربية العزة النفسية فى جوانحنا وجوانج النشء الجديد ، لنشعر ويشعر من بعدنا بعظمة الاسلام وبناة مجد الاسلام .

الوصف الادبى لجبل طارق

واليك يا سيدى القارئ قطعة من قصيدة رائعة ، وردت فى كتاب رحلة ابن بطوطة ، وقد خلد فيها ناظمها " محمد ن غالب الرصافى البلنس الاندلسى " وصف . هذا الجبل ، وقد جاءت هذه القطعة الخالدة الفخمة ضمن قصيدة له امتدح بها عبد المؤمن بن على قال : -

حتى رمت ( ١ ) جبل الفتحين من جبل     معظم القدر فى الأجيال مذكور

من شامخ الأنف فى سحنائه طلس           له من الغيم جيب غير مزرور

تمسى النجوم على تكليل مفرقه              فى الجو حائمة مثل الدنانير

فربما مسحته من ذوائبها                      بكل فضل على فوديه مجرور

وأدرد من ثناياه بما اخذت                    منه معاجم اعواد الدهارير

محنك حلب الأيام أشطرها            وساقها سوق حادى العير للعير

مقيد الخطو جوال الخواطر فى        عجيب أمريه من ماض ومنظور

قد واصل الصمت والاطراق مفتكرا   بادى السكينة مغير الاسارير

كانه مكد مما تعبده ....               خوف الوعيدين من دك وتسيير

أخلق به ، وجبال الأرض واجفة        ان يطمئن غدا من كل محذور

ابن بطوطة يتوغل فى الاندلس وشمال افريقية

وقد دخل ابن بطوطة الاندلس وتوغل فيها ووصف مشاهدها ومصانعها واحوالها واهوالها ومن ثم عاد الى مراكش فمكناسة الزيتون وقد اخذ بجمالها ، ثم وصل فاس ، ولم يهدأ له بال عند الملك ابن عنان ، بل انقض كالبازى الاشهب إلى اواسط افريقيا الشمالية ، فجال فى بلاد السودان ، واجتاز الصحراء الكبرى ووصف اهلها واطراهم بالحسن ، ووصف معدن الملح بها وقال انه يستخرج على هيئة الواح كبار ، وذكر غنى بلاد السودان بالتبر والذهب ، وذكر ( القرع ) الذي يصنعون منه الجفان العظيمة ؛ وذلك انهم يشقونه الى قطعتين ، ويعملون من كل قسم جفنة ينقشونها بالنقوش البديعة . وذكر من طعام السودانيين ( السكسكسو ) . ومن هذا استنتجنا انه ( سودانى النشأة ) ومن السودان انتقل بالمجاورة إلى بلاد المغرب الاقصى والأوسط والأدنى ، ومنهما أنتقل الى مصر الحجاز وكل البلاد التى للمغاربة فيها جاليات مقيمة . وذكر انه وصل النهر الاعظم ، وهو نهر النيجر الذى سماه بالنيل ، وليس هذا النهر بالنيل وللرحالة بغض العذر فى هذا الرأي فان استكشاف منابع النيل لم يتم الا فى العصر الحديث . وتنقل الرحالة فى بلدان السودان واصفا ملاحظا مدققا حتى وصل الى بلاد الملثمين وقد اعجب بجمالهم . والجمال فن يشوق رحالتنا اينما كان . ويعنى بوصفه فى جميع سياحته بالمشرق والمغرب والشمال . ثم عاد إلى فاس ؛ حيث مثل بين يدى السلطان ( ناصر الدين ) وانتهى من املاء رحلته بفاس فى ثالث ذى الحجة سنة ٧٥٣ هو أقام بها حتى اذا كان عام ٧٧٩ ه اسلم الروح لبارئها فى اطمئنان نفس وراحة ضمير ,     ( تم البحث )

اشترك في نشرتنا البريدية