الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

أبو عبد الله بن بطوطة

Share

من تراثنا الخالد

الرائد العربي الخالد صفحة من طموحه ومغامراته يرتلها كتابه " تحفة النظار في غرائب الامصار "

ياشباب الاسلام اخذوا درس الطموح السامي والمغامرة الحازمة من سيرة هذا الشاب المغوار

ركوب المحيط الهادي

وبعد ان يجول رحالاتنا فى بلاد الصين ؛ ويصف مشاهداته ، ويروى تاملاته ويدون ملاحظاته تتوق نفسه الى العودة الى الوطن ، فيركب البحر قاصدا الهند وتجرى الرياح بما لا تشتهي السفن فتسلك بهم سفينتهم بحرا قال ابن بطوطة انه لايعرفه ، وقال انه مظلم قاتم الجو وان الامطار فيه كثيرة ،وان وافاقه مغيرة ، لا

شمس تبدو فيه ولا قمر ، وظلوا اثنين وأربعين يوما فيه هائمين في تياراته المنلاطمة لا يعرفون من أمر هذا الخضم المنلاطم شيئا ، لا هو ولا البحارة أرباب السفينة . . ونري ان هذا البحر هو المحيط الهادى ولفت بهم اليه السفينة بعد ان اجتازت بهم بفعل الرياح - بحر الصين . وهم لا يشعرون .

حديث الرخ

قال ابن بطوطة : " وفى اليوم الثالث والاربعين ظهر لهم بعد طلوع الفجر جبل فى البحر بينهم وبينه نحو عشرين ميلا ، والريح تحملهم الى صوبه ، فعجب البحرية من أمره ، وقالوا لسنا بقرب من البر ولا يعهد في البحر جبل ، وان اضطرتنا الريح اليه هلكنا ، قال : فلجأ الناس الى التضرع إلى الله والدعاء والتوبة وسكنت الريح بعض السكون ، قال : ثم رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء ، وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر ، فعجبنا من . ذلك ، ورأيت البحرية يبكون ، ويودع بعضهم بعضا ، فقلت ماشأنكم ؟ ! فقالوا ، ان الذي تخيلناه جبلا هو الرخ ، وان رآنا اهلكنا وبيننا وبينه أقل من عشرة أميال . ثم ان الله من علينا بريح طيبة ، صرفتنا عن صوبه ، فلم نره ، ولا عرفنا حقيقة صورته ، وبعد شهرين من ذلك اليوم وصلنا الى الجاوة ونزلنا إلى سمطرة " ا ه .

اترى ماذ تكون الحقيقة العلمية عن هذا الرخ ؟ وعن هذا الرحالة المحدث عنه ؟ ! الذي شاهده ابن بطوطة هو الرخ حقيقة كما افاده به البحرية ؟ ! وهل الرخ المفروض انه طائر يصل إلى هذا القدر الهائل من الضخامة والخطورة ؟ ! أم هل وهم البحرية ووهم معهم الرحالة ابن بطوطة المعروف بثقوب النظر ودقة التفكير ؟ ! أم انه لم يتوهم ولكنه تعمد الى الاغراب فأغرق في الخيال والرواية ؟ !

الرأى عندى - والعلم لله ان الرخ ، المفروض انه طائر - لا يتصور ان يصل

الى هذا المقدار من العظم والفخامة ، ومع هذا فان ابن بطوطة ليس بكاذب فيما روى وما شاهده ببصره ، وإذن فكيف يتسنى لنا الجمع بين الرواية والحقيقة مع هذا التناقض المائل بينهما

الرأي عندى ان الذى شاهده ابن بطوطة ، ووصفه بالضخامه كالجبل ، فى هذا المحيط الهادى الذي دفعت بهم الاقدر الى امتطائه ، وهو هذا " الضباب الذي يتكاثف على اسطحة المحيطات العظيمة ، ويتراكم بعضه فوق بعض ، حتى تضؤل الجبال بالنسبة الى حجمه العظيم ، فيحطم حينئذ كل ما يدنو منه من السفن ، ويدكها دكا وكثيرا ما يبقى جائما على البحر مستوليا على الذي احتله ، حتى يصل اليه شعاع من حرارة الشمس فيتبخر ويرتفع عن مجتمعه ، وفي هذه الحالة يبدوا للانظار فى شكل كتلة هائلة سوداء ترفع كالجبل الضخم ينتق : ومما يقوى فى نظرنا هذه النظرية : أن رؤيتهم لهذا الجبل كانت بعد طلوع الفجر وان طيرانه وارتفاعه - بعبارة اصح وادق الى العلو كان بعد طلوع الشمس ثم لاحظ ان ابن بطوطة يرى هذا المنظر الموحش في محيط مطلاطم مظلم لا يعرفه ولا يدري مصيره فيه ، فيصف هذا المنظر وصفا فيه كثير من الاحتياط العلمى اذا سند كونه طائر الرخ المهلك الى البحرية فلم يؤيد ولم ينف قولهم هذا ، واني اكتفي بمجرد عرضه على اسماع القراء ، ليصلوا به إلى معامل التمحيص في وقت دنا او بعد - لاحظ ان ابن بطوطة وهو يصف هذا الوصف لما رآه وراه البحرية فى عرض هذا المحيط وهو شارد الذعن ، ذاهل الفكر ، ليمثل لنا براعته التى اعجبنا بها ، والتي دلننا على انه الرائد الخالد الذي لم يؤخذ بالظرافات ، ولم تسيطر على عقليته السامية غرايب المشاهدات ، وهو يسطف على هذا الشئ المشاهدا  في البحر ذي الحجم الهائل ، فيقول عنه : انه لم يعرف حقيقته ولا صورته .

اذن فما كذب ابن بطوطة فى مروياته ، ولم يكن ما شاهده بطائر الرخ المفروض !

وقد يكون الرخ عظيما وبالغا من العظمة منتهاها ، ولكن المعقول ان لا يريض الرخ فوق سطح محيط لجى بدون ان تكون له هناك جزيرة ياوى اليها وان رواية رحالتنا المدقق لتقول بانهم شاهدوا هذه الكتلة جائمة فوق سطح هذا البحر رأسا بدون فاصل بين جسمه الهائل ، وهذا المحيط الهائل

وأخيرا ينجي الله الرحالة من كرب هذا المحيط العظيم ، فيصل إلى جاوة ويقصد منها إلى الهند فظفار فمسقط فعمان فالعراقين فدمشق الشام . وقد احيط علما فيما بعد بأن والدته توفيت بالمغرب حينما كان متجولا في ديار الهند ، علم بذلك فى دمشق الشام بعد ان غاب عشرين عاما عن هذه الوالدة التى نرى من احتفال ابن بطوطة بامر وفاتها انه كان يحبها حبا جما وانه يقدرها حق قدرها وانها كانت عليه شفيقة ، ومن يدرينا ؟ ! لعلها هي التى بثت روح المغامرة والتضحية والتوثب إلي المجد فى صدر ابنها وهو بين احضانها لما يزل ناعم الاطفار ، فكم للامهات المهذبات من أثر بارز في غرس روح الطموح والفضيلة والتسامي في قلوب افلاذ كبادهن بحسن اساليبهن وبمعرفتهن أساليب التأثير عليهم واتقانهن لوسائل الاغراء الدافعة إلى الامام ! وفي التاريخ شواهد وأمثلة ناطقة بهذه الآثار الحميدة يخلفها الامهات فى ادمغة ابنائهن ، وإذن فلابن بطوطة ان يتوجع ويتألم وقد اشتد ساعده وتم تمامه ؛ لوفاة هذه الام الرؤم التى ارضعته مع لبانها لبان المجد وحب اعتناق المجد والاعتصام بالمعالي في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة أيضا . فليرحم الله الام الحنون التى قضت نحبها فى وطنها وهي لا تعلم شيئا عن ابنها المغامر الجوابة الذي دفعته إلى حياة الأمل الباسم والخلود الدائم

ونرى ابن بطوطة يستحث الركائب من دمشق إلى مصر ومن هناك يعود حشرقا إلى مكة ليؤدي نسك الحج ثم ليزور المسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي المدينة التى ابن بطوطة قاضى المدينة ومؤرخها العلامة ابن فرحون ، وسر من لقائه كثيرا ؛ ومن المدينة امتطي ظهور الأنيق الرسم فعاد من طريق الشام البري فوصل دمشق ثانية ، وارتحل منها الى تونس وفي آخر شعبان سنة ) ٧٠٠ ( هو وصل إلى " فاس " عاصمة المغرب الاقصى ، كان يملكها حينئذ بو عنان المريني الذي اغراه والح عليه في تدوين رحلاته العالمية فى أفريقيا وآسيا واوربا ، وقد اكرم أبو عنان مثوى ابن بطوطة واغدق عليه وابلا من خيراته وجوائزه ، فامتدحه امتداحا كثيرا ، وفضله على ملوك العالم الذى اتبح له أن يجتمع بهم وان يتصل بهم فى رحلاته ، من السلطان " محمد شاه " الى ملك الصين وخلافهما وقد يؤاخذ النقدة ابن بطوطة على هذا الفعلة خان ما شاهده والفاه من اكرام السلطان شاه " له ، وعظمته الذين قصهما فى متن كتابه يتضاءل بالنسبة اليهما كرم كل ملك كريم ، وعظمة كل سلطان عظيم ولكنها حرفة الادب " تدرك الرحالة فى هذه اللحظه الإخيرة الخطيرة فتقسره على التأثر والانفعال بهذا المظهر المريني الجديد . وبهذا الاكرام العناني الذي يقابل به في بلاده ، حينما كانت الاكثرية الساحقة من مواطنية تكيل التكذيب لمروياته التى هى لديهم اشبه بالخيالات والخرافات ، بل هي الخيالات الباطلة بعينها والخرافات المستحيلة بسنها والحق يقال : ان مقابلة ابي عنان السلطان لابن بطوطة بالتقدير فى تلك الساعات الختامية لسجل أعمله ، النهائية القاموس رحلاته ؛ كان لها أطيب الاثر وتقوم باكبر قسط من العذر نزحقتنا أزاء تفضيله ابا عنانعلي  سائر ملوك ذلك الزمان وهكذا ينجر ابن بطوطة ويتزحلق من تفضله ابا عنان سائر سلاطين عصره على تفضيل المغرب على سائر الاقطار البقية على الصفحة الخامسة والعشرين على حد قول الشاعر :

اشترك في نشرتنا البريدية