الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

أبو عبيدة والرشاش

Share

بالرغم من ان المحاكمة كانت عسكرية والقضاة من الضباط العبوسين الاشداء فإنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك حين وقف الولد الفلسطينى يدافع عن نفسه ويقول : إنه حاول افتكاك الرشاش من الجندى لأن صبره قد عيل وهو يسعى بالطرق القانونية لاسترداد رشاش أبيه بناء على الوصل الرسمي الذي يحمله .

أشهر طويله وهو يدور من إدارة لآخرى يحمل الوصل الذي أعطي لابيه حين صودر منه الرشاش على الحدود عام 1948 . كان عبد الكريم مع أبيه وقتها ... وهو يذ كر تماما انه حين وصل وعائلته نقطة الحدود اوقفهم الجنود كما اوقفوا غيرهم من الناس الراحلين ... ونادوا على كل من يحمل سلاحا فانتزعوه منهم وأعطوهم وصلات . وهو يذكر جيدا أن أباه سأل العسكرى الذى أخذ رشاشه عما يفعل بالوصل ... فأجاب العسكرى بضحكة ما يزال عبد الكريم يذكرها .

- هذا الوصل يا حبيبي انقعه فى الماء يومين ... ثم اشرب الماء مرة قبل النوم ومرة بعده ... وحين ينتهى الماء تجد تحت سريرك خاتم سليمان ... إفركه يطلع لك الجني يقول شبيك لبيك ... عبدك بين يديك ...

ويذكر عبد الكريم أن الدمع قد ترقرق فى عينى والده ... ولم يكن اعتاد أن يهان أو يسخر منه على ما هو عليه فى بلده من قدر وقيمة ... وظل الحاج مسمرا أمام العسكري وقد تعطلت حواسه ، لا يدري ما يقول أو يفعل

حتى أزاحه عسكري آخر بدفعة من يده وهو يقول - هيا ... أعطنا عرض أكتافك ... أبحث لك عن طريق ... وأشار للواقف بعده فى الصف أن يتقدم لتسليم سلاحه .

ضم الحاج كفه على الوصل كما كان يضمه على الرشاش حتى الدقائق الخمس السابقة ، ولكنه لم يستشعر الحرارة التى كانت تسرى فى كيانه حين كان يعتنق الرشاش ... وأحس وهو يجرجر رجليه بعيدا عن مركز العساكر كأنه خلف وراءه فلذة من فلذات كبده ... وسرت فى كيانه برودة ملأت جوانحه ... وأحس كأن شيئا ما قد نقص فيه وهو على الجانب الآخر من الحدود وخاف ... خاف من شئ استشعرته حواسه قبل أن يدركه فكره فأحس بوحدة ووحشة ، كما لو كان فى بر مقفر ومد يمناه حيث كان عبد الكريم يسير إلى جانبه فشده إليه وكأنه يقتل به شعوره بالخوف ، وضغط على كتف ابنه وهمس - ارايت يا عبد ؟ أخذوا " الستن " ... ولم يجب عبد الكريم ، كان هو الاخر يستشعر الاحساس بفقد عزيز ... شعور كان أحس به مرة فى الماضى ... حين مرض أخوه الصغير فأخذوه ولكنهم لم يعودوا به ... ولم يعد يراه فى البيت ...

واتجه الحاج وابنه نحو طابور النساء والأطفال حيث كان العساكر ساقوهم إلى أمام بعيدا عن الرجال حتى يفرغوا من تسليم السلاح ... واخذ الحاج يجرجر قدميه يعتصره الآلم بفقدان العزيز الغالي ... وكما يفعل المكلوم وهو يعود من حيث أودع فقيدا له ، مر شريط حياة الستن فى رأس الحاج ... مائة وعشرون جنيهات فلسطينية كاملة ... قرش مع قرش ... تعريفة مع تعريفة ... حتى تحققت امنية الجميع صغارا مع كبار ... كان السلاح مفخرة فى البيت ... يعتزبه الجميع رمزا للوطنية وشهادة إخلاص للوطن ... يسترخصون له الغالى ... ويستسهلون الصعب ... توفيرا لثمنه ... باع الحاج " الزيتونات " إرث الجدود في وقت عز فيه الشارون حتى بأبخس الآثمان ورقة تنطح ورقة ، كما قال وهو يزف البشرى لابنائه حين دخل عليهم يحمل الصندوق وبداخله " الستن "كأن وليدا جديدا حل فى البيت .. كل يود أن يسبق إليه ، يتحسسه ، يحمله ، يضمه إلى صدره ،.

لكن الفرحة لم تدم طويلا ... عاش الوليد الجديد أشهر قليلة . ثم سقطت البلدة ... وخرج الناس ... وأخذ عساكر الحدود الستن ، وأعطوا الحاج ياسين هذا الوصل لينقعه فى الماء يومين ، ثم يشرب النقوع مرة قبل النوم ومرة بعده .

وعندما وصل الحاج إلى حيث يقف بقية الأولاد وأمهم ... انفلت محبس الدمع فى عينيه ... واخذ يجهش ... على جلاله وهبيته ... وفزعت أم العبد - مالك يا ابو العبد ؟ ورد من بين الدموع - أخذوه ... من أخذوه ووجد الجميع أنفسهم يبكون ...

توالت بعد ذلك الأحداث ... استقر المقام بالحاج ياسين وعائلته في مخيم للاجئين ... وكبر الأولاد وهرم الحاج ياسين ... وشاخت أم العبد ... واصفر وصل الرشاش الذى ظل الحاج يحتفظ به كل تلك السنوات ... وعندما صاح أحد الأولاد يوما في وجه أبيه - أنتم لم تكونوا رجالا بحق ... كان يجب أن تشتروا السلاح وتقاتلوا كالرجال ... ولا تخرجوا من فلسطين ... عندها انتفض الحاج ياسين غاضبا وقام حيث يخبئ الوصل فمده إليه وهو يصيح - انظر يا فلعوص ... كان عند أبيك رشاش كامل ... لا فرد ولا بارودة ... كان عند أبيك رشاش وقت أن كان سلاح الرجال جفت صيد او بارودة عصملية ... رشاش ... بمائة وعشرين ورقة فلسطينية ... كل ورقة بعشرة من مصارى اليوم مائة وعشرون كل ورقة تنطح اختها ... وقت أن كانت ميزانية كل الدول العربية لا تصل لمائة جنيه ابوك يا فلعوص اشترى الستن بمائة وعشرين ... من جديد بورقته ... من الشام ... وتقول ما كنا رجالا ..

ومن يومها صنع الحاج للوصل آطارا وعلقه فى قاعة الضيوف ... ولم يكن يفوت يوم دون ان يشير الحاج للوصل وهو يخاطب أبناءه - أخذوه على الحدود ... هذا الوصل أمامكم ... إن كنتم رجالا فاسترجعوه ... ولم يكن الأولاد يعرفون بم يجيبون .

وتوفى الحاج ياسين ... ويحلف بعض الذين كانوا إلى جانبه وهو فى النزع الأخير أنه ظل كل الوقت يثبت النظر فى الجدار حيث علق الأصل وبعد الأربعين اختفى الإطار . انزله عبد الكريم فانتزع منه الوصل واحتفظ به لنفسه وسط احتجاج إخوته . إحتجوا بان الوصل من جملة الارث جميعه ... وليس من حق أحد الاستئثار به دون الاخرين . وأجابهم عبد الكريم - أنا من كان معه حين انتزعوه منه .. وانا احق به ؟ وأقفل باب النقاش فى الموضوع .

قامت الثورة في الـ 56 وثارت همم الناس ... وعاد المناضلون القدامى يعيشون أيام ماضيهم حين كانوا حملة السلاح كما هو الحال بالنسبه للذين يتحدث الناس عنهم هذه الأيام . وشعر الكثير منهم ان سبعة عشر عاما ليستا بالزمن الطويل الذي يحيلهم على التقاعد ، واحسوا أنهم لم يكبروا كثيرا وأنهم ما يزالون أهلا لحمل السلاح من جديد . ومن غير أن يتعمدوا ذلك وجد الواحد منهم نفسه يلتقي بالرقاق القدامى فلايكون بينهم حديث الا عن السلاح وأيام السلاح ... وعن المعارك التى شاركوا فيها فصنعوا الملاحم . وتحسروا على السلاح الذى لا سبيل إليه .

وبالرغم من أن عبد الكريم لم يحمل السلاح على أرض الوطن ولم يشارك في المعارك كما فعل أبوه ... إلا أنه لم يكن بعيدا عنها ... كان من وحده المكلف بحفظ الستن في الخزانة حين يعود ابوه من الحراسه فى الصباح وكان هو الذي يتولى تنظيف الستن فى كل مرة يطلق منه أبوه رصاصة ... وكان هو الوحيد بين إخوته جميعا الذي خصه أبوه باطلاق رصاصة من السن . وقتها أخذه الحاج إلى الحاكورة وقال له - يا عبد ... ستصبح اليوم رجلا ... ستطلق اليوم رصاصة واحدة ... فإذا لم تخف كان لك الحق فى رصاصة كل أسبوع . وحين اثبت الحاج كعب الستن إلى كتف عبد الكريم ودله كيف يطلق ارتعدت فرائصه ... ولكنه أطلق الرصاصة .. وقبل أن يعلق أبوه أخذ يصيح مواريا ارتجافه .. أرأيت ..لم أخف ...وضحك أبوه وقال - لا .. لم تخف وسأل العبد - ستعطيني كل أسبوع رصاصة .. ؟ وأجاب أبوه أن نعم . ومن يومها اصبح

عبد الكريم يعتبر ان الستن شركة بينه وبين أبيه . ومن يومها لم يكن يسمح لاي من إخوته ان يلمس الستن الذى لا يحمله إلا الرجال كما كان يقول لاخوته حتى الذين اكبر منه سنا ... وعلى الحدود لم يكن حزن عبد الكريم على الستن بأقل من حزن أبيه ... وهو الشريك الثاني فيه ...

وعندما قامت الثورة احس عبد الكريم مثله فى ذلك مثل كل الذين انتزع منهم السلاح على الحدود أن قد حان الوقت كي ترد الامانات لأهلها وحمل الوصل الذي حرص عليه بعد أبيه ... وذهب لوزارة الدفاع في بيروت ... يطالبهم بحقه . عرض الأمر على الحاجب فضحك منه وأضحك الحاضرين - " اسمعوا يا جماعة ... يقول : إن له عندنا رشاش يريد ان يسترجعه " ودوت قهقهات الحاضرين بملء الأفواه .. ونادى القريب منهم البعيد ان ياتي ليست الخبر ... وأخذوا يرشقونه بتعليقاتهم ونكاتهم البذيئة ... ودارت الدنيا بعبد الكريم ... وأعادته سخرية العساكر به إلى حيث يقف هو وابوه امام العساكر على الحدود عرضة لسخرية العساكر وهزئهم ...

وكاد يبكى للاهانه ... ولكنه تذكر أن أباه لم يبك وقتها أمام العساكر فلم يبك ... وشد يده على الوصل خشية أن ينتزعوه ويمزقوه ... وابتعد عنهم بصمت .. تشيعه تعليقات وسخة ... ولم يرد عليهم ... ولكنه تمنى لو كان الستن معه ليدور عليهم برشة رصاص تطير أمخاخهم من جماجمهم . وقال لنفسه وهو يمضى " لم يتغيروا ... إنهم هم .. عسكر الــــ 48 ... ذنب الكلب أعوج ولو دق فى ألف قالب ... وظل يمضي ساهما .. حتى وصل المخيم ... فدخل الدار .. وهناك انفلتت الدموع تماما كما فعل أبوه على الحدود ... لعشرين عاما خلت .

وكتب لوزير الدفاع يشكو العساكر الذين أهانوه .. فلم يتلق ردا ... وكتب لرئيس الوزراء ... يشكو العساكر والوزير معا ... فلم يرد عليه واشار عليه معلم المدرسة فى المخيم أن يبعث للأمم المتحدة ... إذ لا فائدة من "العرب" وهؤلاء بشكل خاص ... ففعل . ورد أحدهم من الأمم المتحدة يقول بأن المنظمة الدولية لا تعلم شيئا عن الموضوع وليس

من اختصاصها البحث في مثل هذه الأمور . وزهق عبد الكريم وايقن أن لا فائدة من المكاتيب فتوقف عنها .

وذات يوم التقى بجندي يحمل رشاشا . فاستثيرت حفيظته ... هذا واحد من العساكر الذين أهانوه مرة وأهانوا أباه مرة ... وشبه له ان الرشاش هى نفسه " الستن " الذى انتزع منهم على الحدود ... ووجد نفسه يستجمع قواه وينقض على العسكري يحاول انتزاع الرشاش منه ، ودار بين الاثنين عراك عنيف ... وكان الجندي أقوى منه ، أو كما استنتج فيما بعد ، أخطـأ طريقة العراك الصحيح ، فلم يفلح في غرضه وتوقفت سيارة كانت تمر في المكان ، فتألب عليه الجميع وغلبوه ، وحملوه لمخفر الشرطة ، ومن ثم أحيل على المحكمة العسكرية .... فحكمت عليه بالسجن سبع سنوات .

قضى عبد الكريم في الحبس خمس سنوات تزيد قليلا ... حتى كانت الحوادث بين السلطة والفدائيين فأفلت الزمام واستطاع عبد الكريم أن يفلت من السحن مع سجناء أخرين استغلوا فترة انخرام الأمن وانشغال الحراس بأنفسهم ...

عاد إلى المخيم ليوم واحد فقط ... ودع فيه أمه وإخوته ... وطلب منهم أن لا يلققوا عليه ... ثم غاب حيث لا يدري أحد ... اما هو... فقد عرف أين يمضي ... إلتقي في السجن بفدائيين تعلم منهم الكثير ... وسمع منهم الكثير ... وعرف كيف يصل للمكان الذي ظل طويلا يتطلع إليه ولا يجد إليه سبيلا ... وامتدت غيبة عبد الكريم ثلاثة اشهر ... إلى أن عاد ذات يوم للمخيم فجمع أخوته وأخرج من كيس كان يحمله رشاشا وقال - أنظروا يا أولاد ... هذا رشاشنا قد عاد إلينا قد لا يكون هو الستن بلحمه وعظمه ... ولكنه رشاش مقابل رشاش ... بت اعرف الان كيف تنتزع الرشاشات ... صحيح أني دفعت الثمن غاليا ... ولكننى تعلمت الآن ... ومد يده بالرشاش لأخيه الأصغر - خذ ... هذا لك ... واعرف كيف تحافظ عليه ... أخوك دفع من عمره خمس سنوات حتى عرف كيف يأتيك به ... وعلى الحرام من ذراعي هذا إن أخذوه منك سلخت جلدك عن عظمك ... فهمت ؟

وتناوله اخوه بشئ من الرهبة ... واستشعر فيه شيئا من ثقل ... ولكنه خجل ان يظهر امره واحس أن عليه أن يكون رجلا الآن ... بعد أن اختصه اخوه بالرشاش دون سائر إخوته حتى الذين هم أكبر منه ... وقال عبد الكريم - السلاح للرجال يا ولد فاهم ؟ وسنرى إن كنت بالفعل رجلا قد يأتون للتفتيش ... فاعرف كيف تحفظه ... واعرفوا يا أولاد كيف تتصرفون وقتها ... إن سألوكم عني ... فإنتم لم تروني ولاتعرفون مكاني ... وسألته أخته - سرقته يا عبد ؟

وغضب عبد الكريم وكاد يوجه لها صفعة لعنف غضبه : بل قولى استرجعته يا بهيمة . اتعرفين اخاك لصا ؟ ... هذا عوض رشاشنا الذي أخذوه على الحدود ورفضوا إرجاعه بالحسنى .

وعرف سكان المخيم بقصة الرشاش تناقلته الألسن حين جاء رجال الأمن يبحثون عن عبد الكريم . حكوها بإعجاب مشوب بشيء من الخوف على ابن الحاج ياسين ... إلا أن الشعور بالخوف تلاشى مرة واحدة حين لم تمض اكثر من أيام معدودات وعاد بعدها عبد الكريم برشاش آخر لأخيه الثاني . ومرة أخرى فشل رجال الأمن في الوصول إلى الرشاش أو عبد الكريم ... وأخذت الأخيلة تبتدع حكايات ابن الحاج ياسين وكيف ينتزع الرشاشات من العسكر ... الذين لا يبدون رجالا إلا في المخيم قالوا : إن عبد الكريم ما أن يرى عسكريا معه رشاش حتى " يشر كله" فيطيح به أرضا ثم يلوى ساعده فيفقده الحراك ... وينتزع منه الرشاش ثم يكتفه ويتركه ملقى على قارعة الطريق . وحكوا مرة أن أحد العساكر اخذ يلعن ويسب ... متعرضا بألفاظ بذيئة لعرض أم العبد وشرف اخواته فما كان من عبد الكريم إلا أن أرغم العسكري تحت التهديد بالرشاش على ان ينزع ثيابه كلها ويبقى " بالزلط " كما ولدته أمه ... ثم ربط عضوه وخصيته إلى عنقه بحبل يحمله دوما ... وتركه هكذا مربوط واليدين إلى الظهر عاريا محنى الظهر إن هو حاول رفع رأسه كاد أن يقطع خصتيه ذكروا ان عبد الكريم بنفسه حكى هذه القصة وقال : إن نفس الشيء كان رجال الدرك يفعلونه معه وهو في السجن ... وكانوا يزيدون على

ذلك بأن يدخلوا جزرة في دبره ويرغموه على الطواف فى ساحة السجن وعروق الجزرة تتدلى منه وهم والسجناء حول الساحة يتفرجون ... وقد كاد عبد الكريم أن يفعل ذلك مع العسكرى صاحب اللسان البذىء لولا أن رأى الدموع في عينيه ... وعبد الكريم يستطيع ان يحتمل اى شىء غير أن يرى الدمع في عين رجل كبير ... وهو لم ينس حتى الآن ولعشرين عاما دموع أبيه على الحدود .

وكثرت الحكايات عن ابن الحاج ياسين ... ما صار منها بالفعل وما لم يصر ... وفي كل مرة يرون فيها رجال الأمن فى المخيم يعرفون أن عبد الكريم قد افتك رشاشا جديدا ... وتناقل الأولاد فى المخيم أن كل إخوة عبد الكريم قد أصبحوا يملكون رشاشات . ولم يعد للناس فى المخيم من حديث إلا حكاية ابن الحاج ياسين .

وسرت الصدى إلى شبان المخيم ... أخذوا يتساءلون : " ولم عبد الكريم وحده ؟ " ، وبدأ بعضهم يسأل عن وصولات السلاح الذي سلمه آباءهم على الحدود ... وأخذوا ينبشون بين الأوراق العتيقة ، واخذ العراك يكثر فى البيوت حين يكتشف الأولاد أن آباءهم مزقوا وصلات السلاح منذ زمان حين طالت المدة وضعف الأمل .. وكثرت حوادث مهاجمة رجال الأمن والجيش وانتزاع السلاح منهم ... وكان منهم من ينجح ويفشل البعض فيلقي بهم في السجن يلقى العذاب الوانا ... وظهر ان من الأولاد من لم يكن يملك الوصل الذى يمنحه الحق فى المطالبة بالسلاح . وفى إحدى زورات عبد الكريم للمخيم نادى بعضا من اصحابه الشباب هناك وقال : اسمعوا يا شباب ... نحن لسنا سراقا ... نحن اصحاب حق يثبته الوصل الذي يحمل ختم الحكومة نفسها ... ولذلك فنحن نطالب بحقنا ... أما من لا يملك وصلا .. فمعنى ذلك انه لم يكن عنده سلاح ... أو أنه أضاع الوصل ... وفي الحالتين لا يكون له الحق فى المطالبة بالسلاح .

وتدخل الكفاح المسلح برجاء من السلطة ... بعد ان استفحل الأمر وخرج من يد الحكومة وتعهد أن يعطي هو نفسه رشاشا من عنده لكل من يحمل

وصلا ... ولكن قلة هم الذين قبلوا العرض ... ذلك لأن شعورا قد نما فى اعماقهم بان افتكاك الرشاش من الحكومة بالقوة استرداد لحق طالما حرموا منه ... بالقهر والظلم ... أصبح الهجوم على رجال السلطة هدفا فى حد ذاته يستشعرون من خلاله مشاعر القوة والبطولة والكرامة التى افتقدوها طويلا ...

ولم تتوقف محاولات السلطة فى البحث عن عبد الكريم ، لعلهم أنه رأس الفتنة ، ويقينا انها حين تمسك به فإنها تقضى على رأس العصابة ... ولكن محاولاتها ذهبت سدى ... ظل عبد الكريم - بعيدا عن متناول يدها ... كان اهل المخيم يعرفون أن عبد الكريم إما أن يكون في مغاور الحدود ... أو هو داخل فلسطين ينصب كمينا أو يهاجم مستعمرة ... وفي كلتا الحالتين لن تطوله يد السلطة ... وحين كانت تذاع أخبار العمليات التى يقوم بها الفدائيون ... كانوا يضعون عبد الكريم على رأس من قاموا بها ... لم يكن اهل المخيم يتصورون أن تكون عملية بين الفدائيين والصهاينة دون ان يشارك فيها عبد الكريم ... حتى لو وقعت على الحدود أو داخل الأرض المحتلة وحتى لو وقعت كلها في وقت واحد وأماكن متباعدة . وصار عبد الكريم أسطورة المخيم . وكانت عملية " معالوت " ونشرت الصحف صور الشباب الثلاثة الذين شاركوا فى العملية واستشهدوا وعندها عرفت السلطة وعرف سكان المخيم أين عبد الكريم بالضبط ... !

اخذت الصور قبل لحظات من انطلاق الشباب للقيام بالعملية ... صورة تذكارية يودعون بها الأهل حين يعز الوداع بالأحضان ...كان عبد عبد الكريم أحد الثلاثة ... وقد لاحظ أهل المخيم أن أبا عبيد - كما اعتاد الشباب ينادوه - كان يحمل بالإضافة للكلاشن رشاشا آخر صغيرا ... رفعه عاليا فوق رأسه وكأنه يريد أن يريه للناس جميعا ... ويلاحظ كل من يدقق النظر أن ورقة صغيرة ألصقت على الرشاش ... ما يعرف ما تكون غير اولئك الذين يعرفون قصة عبد الكريم مع الستن الذي انتزع من أبيه أمامه قبل أكثر من خمسة وعشرين عاما ...

اشترك في نشرتنا البريدية