- أبى هل سنعود . . . ؟ - لا يا بنيتى ، سوف لن نعود . . . ! - دميتى تركتها عند أبناء الجيران . . . - خذيها معك يا عزيزتى ، سوف لن نعود .
جفت أراضينا ، وهزلت شياهنا . . وكلحت وجوهنا . . أحرقتنا الشمس وأصابنا الجدب شجر الرمان هزيل . . وأغصان المشمش عارية . . عناقيد العنب أيبستها أشعة الشمس ولم تينع . . وحتى نخيلنا سما وتعالى فرق عوده وصلب . . فلم نعد نلحق عراجين التمر . . صغار واحتنا لم يعودوا يأكلون التمر . . لم يعودوا يقطفون الرمان ويمتصون عناقيد العنب . لم يعودوا يتحاذفون المشماش وهم يتمرغون فوق الحشائش المظللة بأشجار العنب والخوخ والرمان . . .
قلت لأبى :
_ ما هذا الرحيل يا ابت . . ؟ أما زلت تخشى النهر . . ألا ترى كيف حولناه خارج غاباتنا . . حولناه يا أبت بسواعدنا السمر . . وأقمنا فيه سدا عملاقا عنيدا يصد الأمواج . . أما زلت تخشى النهر يا ابت . ؟
_ لا يا بنى ولكنى أرى حيواناتنا عجفاء بها شوق الى الماء والخصوبة . . وأرضنا يابسة قاحلة .
_ ولكن أمى مريضة يا أبى . . أما رأيت ذلك السعال الذى انتابها والذى يعاودها فى كل لحظة . . فدعنا من الرحيل يا أبى . . ولنقم فى ارضنا .
_ لا يا بني يجب أن نرجل . . أمك فى حاجة الى الهواء الطلق فوق الجبل فى حاجة الى اكل حشائش الجبل . . سترى كيف تغدو أمك . . ستعود اليها نضارتها وتعود لك كما عرفتها وأنت طفل .
_ وأرضنا يا أبى . . لمن نترك أرضنا يا أبى . . _ ( . . . . . . ) _ وأرضنا يا أبى . . لمن نترك أرضنا يا أبى . . ؟ _ هذه الارض ليست ارضنا يا بنى ، انها ملك لله . . .
كانت أمى تقول لى عندما تعدنى شيئا . . سأعطيك اياه ان شاء الله وان شاء أبوك . . . مشيئة الله تحتاج الى مشيئة أبى . . ولكنى آمنت هذه الليلة أن مشيئة أبى قبل مشيئة الله . . فلقد شاء أبى أن نرحل . . قضينا ليلتنا صامتين . . لم يرد أحدنا أن يتكلم . . فقد بدا على أمى وجوم عميق . . وهى التى عودتنا بحديثها الشيق رغم نوبات السعال التى تفاجئها كل ليلة . . كانت تحدثنا عما يدور بينها وبين الحاجة مبروكة من حديث طريف . . ستترك أمى كل هذه الاحاديث . . لن تجالس الحاجة مبروكة التى طالما آنستها . . غادر أبى دارنا الى ساحة القرية ليودع أصحابه . . كان يحبهم جميعا ويأنس اليهم فما شكا أحدهم يوما . . كان يقول . . . الجيران أوصانا بهم رسول الله . . .
أخذت أمى تحمل أوانى الطبخ الى المطبخ لتجهز لنا غذاء الغد نأكله أثناء طريقنا . . لقد حاولت أن أثنيها عن عزمها .
_ لسنا فى حاجة الى فطور يا أمى . . ثم أنت مريضة يا أمى . . _ وماذا يفعل أبوك غدا . . ؟ _ لكن أبى مسافر غدا . _ أجل ولكن المسافر يحمل زاده معه .
صدقت أمى . . كل مسافر يحمل معه زاده . . كانت أمى تخاف أبى . . فهو سرعان ما يغضب ويشتد غضبه . . وكم يسخط عندما لا يجد غذاءه جاهزا عند رجوعه من الحقل . فيصرخ . . ويشتم . . ويقسم . . فتبكى أمى . .
_ لماذا تبكين يا أمى ؟ _ لا شئ يا عزيزى . لا شئ . . اذهب ألعب مع ابناء الجيران . . . قالت لى مرة عندما كنت جالسا على احدى ركبتيها وأختى جالسة على الأخرى . .
_ أمنيتى يا ولدى ألا تكون مثل أبيك . . ألا تبكى زوجتك . . وابتسمت . . فشعرت بأنى سأبكى فأجبتها بصدق واخلاص :
_ لن أكون مثل أبى يا أمى . . لن أكون مثل أبى .
ونقمت على أبى . . لم أدعه يوما يشتم أمى . . لم أدعه يوما يصيح فى وجهها .
_ انها أمي يا أبى . . انها أمى يا أبى .
طبخت أمى غذاءنا وعاد أبى بعدما ودع اصدقاءه ونمنا . . .
نسيم الصباح ما زال باردا وأشعة الشمس لم تمزق بعد الفضاء الكثيف . فأخذنا طريقنا بين الحقول الشاسعة . . كان أبى راكبا حماره القصير ومعه أمى . . كم كانت أمى يزعجها نهيق الحمار . . فلم تدن منه قط ولم تركبه أبدا ولكن أبى شاء هذا الصباح . . قالت له هذا الصباح :
_ إنى أخشى أن يحطم هذا الحمار عظامى . . ألم تحدثنى أنه حمار حرون . . .
_ أجل . . ولكنه لن يحرن فى رحلتنا . .
كنت أمسك أختى من يدها الصغيرة نتبع الحمار فى صمت ثقيل . . أختى لم تعرف الصمت أبدا ولكنها اليوم كأنها قطعت لسانها . . كنت أريد أن أسألها لماذا صمتت ، لماذا لم تضحك ضحكاتها الصبيانية البريئة . . أردت أن أسألها ولكن حرارة الشمس لم ترتفع بعد . . . عندما تسخن السماء فوق رؤوسنا وتحمى الارض تحت اقدامنا ستتكلم أختى وسأتكلم أنا . . حتى أمى ستتكلم . كلنا سنتكلم . .
قالت أختى !
_ انى تعبت . . قدماى أحرقتهما حرارة التراب . .
لم أشعر بعد بحرارة التراب . . . ولكن قدمى أصلب من قدميها . . صحيح قدماها لا يتحملان هذه الحرارة ولكن حمارنا متعب . . قد دبر ظهره وانسلخت ركبتاه الاماميتان . . قلت لأبى يوما وقد وجدته يطلى ظهر الحمار بدهن القار .
_ لنبع هذا الحمار يا أبى . . ألا ترى انه قد هرم ويكاد ينتهى .
ولكن أبى كشر ولاح على وجهه امتعاض . .
_ كيف تقول هذا يا صبيا . . . هذا الحمار ورثته عن أبى رحمه الله .
هكذا كان يقول أبى كلما حدثته عن الحمار . . . يريد ابدا أن يعيش على القديم . . .
أخذت أختى ووضعتها فوق كتفي . . وسرنا . . أحسست بجبينى يندى عرقا . . حرارة الشمس تذيب جسدى عرقا . . حرارة الشمس تذيب أجساد الفلاحين عرقا فى الحقول القاحلة الممتدة عدد من الفلاحين قد اختلطوا رجالا ونساء وأطفالا ، يحفرون الارض بمساحيهم الثقيلة ويقلبون التراب ومع ذلك كانوا يغنون ويضحكون ، فتصل أصواتهم الخشنة إلى أمى فقالت تحدث والدى :
_ انظر اليهم . . انهم سعداء يغنون . . رغم تعبهم يغنون . . رغم جوعهم يغنون . . دائما يغنون . .
أجابها والدى :
_ سيكلون مهما غنوا . . ثم يهجرون هذه الارض كما فعلنا نحن . .
كنت من حين لآخر ألقى نظرة على أمى التى لا تريد أن تتكلم إلا لضرورة تدعوها الى ذلك . . ألقى عليها نظرة جزع وخوف ، أخاف أن يعود اليها السعال . . هذا السعال الذى بنتابها فى بيتنا القديم ، وزادت رطوبته حالتها سوءا . . كنت أخاف أن تنتهى أمى ، واذا انتهت فستنتهى حياتى فوق ارضنا التى تحرقها الشمس فى الصيف وتجمدها الرطوبة فى الشتاء . . وعندها سأرحل الى الأبد رحلة ما بعدها رحلة .
أختي تداعب جبينى بيديها الصغيرتين . . يظهر أنها قد ملت ركوب كتفى . . قالت :
_ متى سنصل يا أبى ؟ _ ( . . . . . . )لم يجبها أبى . . فعادت تقول : _ ما أطول هذه الطريق يا أبى . .
ولكن أبى لم يستطع هذه المرة أن يخفى غيظه فصرخ فيها : - أما سكت يا ملعونة . . قطع الله لسانك . .
ثم قال كأنه يخاطب أمى :
_ هذه الملعونة ما تنفك تثرثر ، فى البيت تثرثر ، وفى الطريق تثرثر . حقا ، لقد تعبت أختى ركوب كتفى . . أما أنا فلم أتعب بعد . . ولكن صلابة كتفى تؤذى فخذيها الغضين .
ونظرت الى أمى من جديد ، فتيقنت أنها تشعر بضيق فى صدرها ، فهى لم تجب والدى عندما خاطبها ، وكانت عادتها أن تتلقف كلماته فلا تترك ابدا كلمة من كلماته تمر دون أن تعلق عليها والغريب أنها لم تعارضه أبدا ، فقوله دائما هو الحق كل الحق . . .
وعاد الى أمى سعالها . . فأوقفنا الحمار وأنزلناها . . ثم نزلنا تحت شجرة مشمش كثيفة الاغصان وأسندنا أمى الى جذعها ، وبقينا ننتظر . . نظرت الى أختى فوجدتها تبكى بكاء صامتا فأخذتها فى أحضانى .
_ مالك تبكين يا عزيزتى ، هل أنت صغيرة . . ولكنها مسحت دموعها عندما رأت أمها تلتفت الينا وعلى شفتيها ابتسامة باهتة :
_ لقد أعيانى ركوب الحمار . . يجب ان نعود الى بيتنا القديم حيث سأجد راحتى . .
واتجهت أنظارنا إلى أبى . . لقد كان ملتفتا نحو الجبل المتشامخ كأنه لم يسمع حديث أمى .
_ عد بنا يا أبى . نريد أن نعود يا أبى . . أرضنا يا أبى . . بيتنا القديم يا أبى .
_ ( . . . . . . ) _ دميتى تركتها عند ابناء الجيران يا أبى . . لم يحبنا أبى ، بل ظل محدقا الى الجبل ثم امتطى حماره الادبر .
_ إنى ذاهب الى ذاك الجبل لأقدم لأمكما حشائش الجبل . . فانتظرونى . ووخز حماره فانطلق يعدو . . لم يعد حمار أبى حرونا . . ونظرنا فى طريق الجبل فلم نعد نرى أبى . . لقد غاب أبى . . غاب أبى والحمار .
حوانا الظلام ولما يأت أبى . . عادت الشمس ولما يأت أبى . . عدنا إلى بيتنا القديم وجعنا وعطشنا ولما يأت أبى .
م . ب . 8 فيفرى 1969
