عنيت المحافل الأدبية العالمية منذ أشهر باقامة ذكريات لفيلسوف المعرة ( ابي العلاء » . وخصصت بعض الصحف الادبية لذكراه اعدادا او صفحات . ولهذه المناسبة يسر «الفكر » ان يعيد نشر هذا الحديث الشيق الذي كانت نشرته مجلة « المباحث » التونسية لاديبنا الاستاذ محمود المسعدي سنة ١٩٤٥.
يمر عليك ابو العلاء كما مر منذ قرون على اجيال قبلك واجيال نزاعة هولا هداما للذات الوجود مذهابا بطمأنينة الروح مدعاة لادهى ما تخشى من دواهى الحيرة والاشكال ، فالعنه ان شئت وصحت لك لعنة المتهم بالكفر والالحاد وانفر عنه ان كنت تخشى على عشاء بهر الضوء والنور ونكب عنه ان خفت على رونق سعادتك قتام البؤس والبأس واشتد عليه ما قدرت ان تشتد وجانبه وادفعه وتطهر منه وصل وكن عليه نقمة وعنه اعراضا وله كرها وابغاضا . . فلن تفوته ولن تخلص منه ، بل انت على ذلك كله فى بعض ايامك تجده احب اليك من اللذة واروح عليك من الطمأنينة وابرد عنك من برد اليقين .
ذلك ان نسبة قريبة بينه وبين بعض نفسك تضطرك اليه وصدى له بعيدا في قرارة قلبك يرغمك عليه وانك له مدين بانه يسعدك على ان تكون.
فأنت حي مؤمن بالحياة او محتاج الى الايمان بالحياة تقتضي الايمان بدمك ولحمك وتقتضيه بحرفتك وشغلك وتقتضيه بتفكيرك وعقلك وآرائك ودينك لا مكان فيك للعدم ولا مجال فيك للموت. قد تبوأت مكانك من ضرورية الكون وانتصبت حلق في سلسلة حتم وقلت : انا الحى أنا الحياة ثم اشتملك بعد نظام الكياند
نظام الحياة الدنيا . فانت في بنيان مرصوص لا يتصدع وضمن ترتيب محكم لا يتشوش فمنزلتك راضية مرضية وحتم قاهر وسنة لله
ويكاد ان يكمل لك رضاك واستسلامك وان يقر لك قرارك لولا ان الغزالي يهجس في قلبك « ان النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن العبودية » ( الاحياء ) فاذا انت تجد في بعض ايامك انصرافا عن الرضا ونزعة الى الغضب والثورة وتوقا الى التشويش وحاجة الى الجموح والجحود والنفي . واي سكون لا يحوج الى الحركة ؟ واي قرار لا يدعو الى القلق ؟ واي جمود لا يقتضي النمو ؟ واي عدم لا يوجب الحياة ؟ بل تجسس قلبك و دقاته وسكناته وانظر من حياتك الى فترات الهدوء والرفق والسكينة واللين كيف تقتضي فترات هوجا من شدة ونشاط وبأس وقسوة .
وكذا انت التناقض والتراوح والتردد . ترتد من الخير الى الشر ومن الشر الى الخير ومن التقوى الى الذنب ومن الذنب الى التقوى . فاذا لك ايام خمر ولهو بعدها الصلاة والتوبة وعونك فيها التستر والخفية . واذا لك ايام زور وكذب بعدها الصدق وعونك فيها الكفارة . ثم اذا لك احوال رياء يغطي عليها وينسيها صادق اللهجة ، وايام ضعف وخوف تثنى عليها بايام الشجاعة والقوة ، ثم اذا لك ثني ايمانك ورضاك واذعانك ايام تساؤل وشك وحيرة ...
ولا بد ان يقيح قرحك ولا بد ان تلفظ قيحك ، فابو نواس معالج خمرك وابو العلاء معالج جبنك وريائك وبهتانك وشكك ويأسك تقرؤه فيكفيك المؤونة اشتد وصدق ويئس واحتار وشك فاحتمل عنك عشك ، فانت لا تضحي للشجاعة ولا تضحي بصدق اللهجة ولا تضحي للشك والحيرة ولا لليأس والشقوة الا بقدر ما يجهد المفكر فكره ويحرك عقله وانت في ذلك كله تجتزىء عن مأساتك بمأساة غيرك وتكتفي بمأساة لا بأس عليك منها هي من فكرك تصور محض وصورة خدعة ، لانك والحياة تقتضي الافتراء والجبن وواجب المحافظة على حياتك يقتضي أن تكذب على نفسك بنفسك وان تكون في كذبك متوسط) باني العلاء وصدقه وفى جنك متنكرا بشدة ابي العلاء وبأسه
ولو احببت ابا العلاء واحترمته لاردت نفسا كنفسه ولو سموت اليه واعظمته لطلبت صدقا كصدقه وثباتا كثباته وبأسه
ولكنك بحياتك سعيد فرح راض ولكل شيء في حياتك لاحظ موضعا وحكمة و من كل شيء ساكن مطمئن الى ما تواضع عليه الناس من معنى وانت كاشخاص دستيوفسكي » خاضع متواضع لا ترى الايمان الا في الاذعان ولا القرب من الله الا في الانحطاط الى اسفل درجات الانسانية حتى كأن الانفة من التذلل والاستلام وكأن الترفع والثورة طغيان واشراك وعتو وتأله .
وما طغى ابو العلاء ولا تأله وان هو ترفع وانف واستعصى وانما ادرك ان الحياة رياء وزور وحين والاحياء كذلك لا يقوون على مواجهة الحق ويرون صدق العزم في البحث عن الحقيقة الحادا وكفرا فاذا ثبتوا لذلك ساعة اذا هم على اعقابهم مرتدون وهم يستغفرون كأن الله يبغض الاحرار ولا يحب الا العبيد المتذللين او كأن طلب الحقيقة مميت فاذا هم قصدوا اليه بعض عشية او ضحاها اذا هم كالقصبة في الريح من الرعب يرتجفون ..
وما كان في نفس ابي العلاء موضع للتذلل ولا الخوف ولا الزور . بل كان الذي يفعم نفسه ان عظمة الانسان في انفته وعزة نفسه وصدقه والقوة على صدقه فهو هو فى انفته وعزة نفسه وقد دخل بغداد ثم خرج عنها وهو يقول :
ولا أثقل فى جاه ولا نشب ولو غدوت اخا عدم وادقاع
وهو هو في ثورته واستعصائه مجابها عظماء دهره صادعا فهم بجورهم قائلا :
مل المقام فكم اعاشر امة امرت بغير صلاحها امراؤها
ظلموا الرعية واستجاز واكيدها قعدوا مصالحها وهم اجراؤها
او قائلا :
قالوا فلان جيد لصديقة لا يكذبوا ما فى البرية جيد
فاميرهم نال الامارة بالخنا وتقيهم بصلاته متصيد
وهو هو القائل :
يسوسون الامور بغير عقل فينفذ امرهم ويقال ساسة
فاف من حياتهم ومنهم ومن زمن رئاسته خساسة
والقائل ايضا :
ساس الانسام شياطين مسلطة في كل مصر من الوالين شيطان
وانت تقرأ هذا كله حين تشتد فيك نزعة الى النكير على ما ترى في احوال البشر من ظلم وجور وعلى ما يبدو لك فى الناس من فساد طبيعة . ولكنك لا تقوى انت على اشباع نزعتك هذه بالنكير الفعلى . فتسرق لها لفظ ابى العلاء ويبقى النكير نية مكنونة فيك وتقول وتفرح :
غار فعلى فى النوايا كجبال فى ظلام
وتسكن نزعتك وتهدأ ، وتعود انت الى حياة لك وادعة يفعمها الذل والمسكنة وتلتجيء فيها غريزة الانفة الى زوايا المكاتب ومسروق الاشباع .
وما حاجتك بعد كل حساب - وانت تخشى على حياتك ان يفوتها هناؤها ما حاجتك الى مسؤوليات الانكار وقد جعلت لك عنها مندوحة في المنافقة والرياء ؟ - تقول انك قد تكره وتحتقر في ذلك نفسك فاذا وجدت منه مضاضة في بعض ايامك وقذف في قلبك شوق الى الصفاء والطهر فابو العلاء بين يديك وصدق أبى العلاء فيه ما يطهر نفسك ونفوس الآلاف مثلك . ولا عناء عليك في ذلك الا ان تقرأ قوله :
تستروا بامور فى ديانتهم وانما دينهم دين الزناديق
او قوله :
انما هذه المذاهب اسبا ب لجذب الدنيا الى الرؤساء
او قوله :
سبح وصل وطف بمكة زائرا سبعينا لا سبعا فلست بناسك
جهل الديانة من اذا عرضت له اطماعة لم يلف بالمتماسك
على انك ان جاريت ابا العلاء في بعض اقواله هذه وتطهرت مما فيك من نفاق ورياء ودفعت عن نفسك وصمة ذلك بانكار ما في غيرك من رياء ونفاق فهل انت ثابت على ذلك الا بعض اوقاتك ؟ الا تأخذك خشية الدوار احيانا ؟ الا يوقفك عند حدك خوفك ان تفتضح الحياة والبشرية جمعاء وان تصبح لك عراء وان تنكشف العورة ؟ الا يجيئك الجبن ويعسر عليك الحق والصدق ؟ وتتذكر مآل الصدق والحق وتذكر قصة الغزالي وتيهه وتتصور حياة أبى العلاء ومرارة الحقيقة عليه وتكاد ان تستغيث و تبادر فتلوى الى حياة الرياء والكذب
ولكنك مع ذلك تجد في نفسك حسرة على العجز عن الصدق المطلق وتجد الصدق يستهويك ويغريك ويودك ان تكون من المنتسبين اليه ، فاذا انت تعطف الى ابى العلاء وتقول : انه قد طلب الحقيقة وكان صادق العزم فيها. وتدور
رواية الصدق في طلب الحقيقة والثبات لمرارة الحقيقة، رواية الشك والياس على مسرح فكرك وتتلو قول أبي العلاء :
اما الجسوم فالمتراب مآلها وعييت بالارواح انى تسلك
وقوله :
اما اليقين فلا يقين وانما اقصى اجتهادى ان اظن واحدسا
وقوله :
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة وحق لسكان البسيطة ان يبكوا
يحطمنا صرف الزمان كانتا زجاج ولكن لا يعادله سك
وقوله :
ابغيث ضوء الصبح ناظر مدلج ام نحن لجمع في ظلام سرمد
وتطالع رسالة الغفران فاذا ثني كل سطر منها : « اليس ان نعيم الجنة باوزها وبشرها البشرى وقصورها وحورها و مجالس لهوها كنعيم الدنيا هذا الكذاب الزائف ؟
ويوسوس لك الشيطان كما وسوس لابي العلاء : « لعل كل شيء كذب وخدعه ؟ ولعل كل شيء رياء وتزييف كصلاح الامراء وتقوى المتقين وجودة الاصدقاء ؟ ولعل اعمال الانسان وآراءه ومعتقداته وآماله وجناته وحياته ؟ ولعل الكيان نفسه ؟ وتتقدم خطوة اخرى فتقع في جحيم الصدق والحقيقة . فاذا الحياة لا تكتفى ان تكون عبثا وخدعة بل اذا هى جناية ، ويقوم لعينك قبر أبي العلاء عليه :
هذا جناه ابى علي وما جنيت على احد
وتنتهي الرواية على مسرح فكرك وقد وقفت على باب الغيب والابد ، وتخرج بعد ان تكون تلوت تلك الابيات ودارت في خلدك هذه الافكار فاذا انت قد افرج عنك وذهبت عنك الالفاظ وتصورات الفكر هذه المشكلات وكانك قد صدقت حقا في طلب حلها وكانك قد ثبت حقا لمرارة ما تدعو اليه من شك وحيرة ويأس مميت لكن لا عليك من ذلك بأس . فهل سمعت قط ان احدا من نظارة المسرح احب لحب مجنون ليلى او جن لجنونه او مات لموته ؟ وانما شأن المجنون ان يحب وان يجن وان يموت وشأن المعري ان يفكر ويصدق في طلب الحقيقة وان يتألم جميع آلام مأساته الروحية وشأنك انت شأن النظارة يتفرجون
ولو احببت ابا العلاء واحترمته لاردت نفسا كنفسه ولو سموت اليه واعظمته لطالبت صدقا كصدقه وثباتا كثباته وبأسه ولكنك قد لا تعدو ان تحتفل بذكرى مولده وان تردد اسمه

