ظلت أوربا خمسة قرون كاملة تتنكر للأثر العميق الذي أحدثه الاسلام في الفكر الغربي والحضارة الغربية . وظل علماؤها ومفكروها يتجاهلون هذا الأثر الضخم البعيد المدى الذى أحدثه الاسلام في النهضة الاوربية الحديثة وفي الحضارة العالمية .
بل ان هذه الاضافات والمناهج العربية الاسلامية قد جرى تجريدها من اطار الاسلام والفكر الاسلامي حتى تصبح من ) ابداع ( الفلاسفة والعلماء الغربيين
ولكن يبدو ان مجموعة من المؤرخين والباحثين في السنين الخمسين الاخيرة استفاق ضميرهم ولم يكونوا من أولياء دوائر التبشير أو الاستعمار أو السياسة فاستطاعوا أن يحطموا هذا القيد ويهدموا هذا الحائط ويكشفوا الحقيقة .
في مقدمة هؤلاء جوستاف لوبون فى كتابه ) حضارة العرب ( ، وتوماس كارليل مؤلف كتاب الابطال ثم نوالت من بعدهم اسماء وأسماء
حتى كان آخر هذه الصيحات وأعمقها كتاب " شمس الله تشرق على الغرب "
للمستشرقة الالمانية " سجريد هونكه " التى كانت غاية في الانصاف .
ولكن الانصاف كله يتركز اليوم فى تقدير هؤلاء الباحثين حول دور الاسلام وأثره فى " العلوم " هذه العلوم التى تطورت الآن وقطعت شوطا طويلا . . فهو اعتراف بأثر العرب في الكيمياء والطب والفلك والعلوم الرياضية ، وعند هذا الحد يقف الانصاف .
ولكن المراجعة الدقيقة للدور الذى قام به الفكر الاسلامى فى الحضارة المعاصرة ، يكشف عن اثر أبعد عمقا .
فالفكر الاسلامي لم يقف اضافته عند العلوم وحدها ولكنه اضاف الى الاجتماع والسياسة والاقتصاد .
وذلك هو ما نريد أن نستعرضه اليوم
وصف عصر النهضة فى أوربا بأنه الانتقال من الفترة التاريخية المسماة بالعصور الوسطى الى ما يسمى بالعصر الجديد . ومعنى كلمة ) Renaisnence ) الولادة ثانية ( Re bieth ) ويرجع المؤرخون والباحثون عوامل النهضة الى انحطاط الكنيسة والامبراطورية - وكانتا تحكمان في العصور الوسطى - انحطاطا شاملا . ويرون أن هدف النهضة كان الاعداد لتحرير النفس البشرية من اغلال الكنيسة التى كانت تشل حركتها ، وكان لحركة احياء الدراسات والترجمة من الفكر الانسانى أبعد الأثر فى هذه النهضة . حيث بدا ما يسمى " الدراسات الانسانية " على قلم " بترارك " الذي حاول الاكتشاف المضاعف للانسان والكون
وقد قامت هذه الحركة على أساس الفهم لكرامة الانسان مخلوقا ومفكرا ، ذا ارادة تريد وتختار ، وقوة تحس وتتذوق وتجرب وهي المعاني الاساسية التى حملها القرآن الى الفكر الانساني عامة وحملها المسلمون الى الاندلس الذي تربى في جامعاته جميع قادة النهضة ( غير أن هذه الحركة صاحبتها حركة اخرى هى احياء التراث الاغريقي ومن هنا فان هذه الحرية الانسانية بدت وثنية فى مظهرها غير مصطبغة بالدين بل لقد قام كثيرون وفي مقدمتهم ) توماس الاكويني ( الى تفريغ الفكر الاسلامى من اطاراته ونقله إلى الفكر الغربي على انه منفصل عنه تماما ، وقد ظلت صيحة الانكار والتجاهل لأثر الاسلام فى الفكر الغربى قائمة ومستمرة منذ ذلك الوقت الى سنوات قريبة حين قام أمثال توماس كارليل وجوستاف لوبون وغيرهما الى الكشف عن هذه الحقيقة .
غير أن الذي لا شك فيه ان " الاسلام " قدم للثقافات الغربية أعظم ما قامت عليه النهضة الحديثة والحضارة المعاصرة ، في
مجالين هامين : مجال العلوم الانسانية الاجتماعية ، ومجال العلم .
ولقد ظل الغرب وكتابه وأتباعه فى العالم الاسلامي ينكرون أثر " الاسلام " ويتجاهلونه ويتخطون هذه المرحلة المضيئة ما بين ٦٠٠ ميلادية إلى ١٥٠٠ م وهى فترة ظهور الاسلام وفكره وحضارته ، ثم عادوا فاعترفوا باثر الاسلام فى مجال العلوم ، ووقفوا عند هذا الحد ، واذا كان لنا أن نضيف شيئا هاما فى هذا المجال فان مختلف النظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية ودراسات علم النفس والاخلاق والفنون وغيرها كانت لها اصول اسلامية أساسية ، غير أن نمو هذه النظريات قد انحرف عن مفاهيم الاسلام تحت تأثير عدة عوامل أهمها : التمويه الخطير الذي حمل لواءه الأب توماس الاكويني ، وغيره ، فى محاولة نقل نصوص باكملها من ابن رشد والغزالي ، ثم تحريفها ورفع الاطار الاسلامي عنها حتى تبدو ، كأنها غربية الصنع والأمر الثاني الخطير هو ذلك الانحراف الذي أصاب الفكر الغربى نفسه فى مرحلة المنحنى الخطير عندما سيطرت أفكار التلمود والمأسونية والصهيونية العالمية على الفكر الغربي وهي مرحلة متقدمة جدا ، بدأت في الأغلب فى أوائل عصر المسيحية وان بدأت تخطو خطوات خطيرة قبيل الثورة الفرنسية التى كانت من اعظم ثمارها .
فمن اليقين أن النظريات الفكرية فى الثقافيات الغربية لها أصول اسلامية وجذور واضحة لا سبيل الى تجاهلها ، نعم لم يقف أثر الفكر الاسلامي عند الجانب العلمي وحده ، الذى كان اعظم ثماره " المنهج العلمي التجريبى " بل كانت ممتدة الى
المنهج العلمي التجريبى اهم ما قدمه الفكر الاسلامي
بدا المفهوم العلمي عند المسلمين مستمدا من القرآن الكريم أساسا ، ومن دعوته الصريحة الى النظر في الكون والاهتمام بالعلم ، وآية ذلك أن كلمة " علم " وردت فى القرآن ) ٨٥٠ مرة ( وان أول أمر استعمل فى القرآن هو كلمة " اقرا " وان أول أداة تذكر في كتاب الله هي " القلم " والاسلام هو الذي أمر معتنقية باتباع المنهج العلمي والقرآن هو الذي أطلعهم على ان للكون سننا وقوانين ليس فقط فى مجال الطبيعة ، بل وفي مجال المجتمع ايضا ، ومن هنا فقد انفتح المسلمون على الثقافات القديمة كلها ) اغريقية وفارسية وهندية ( ونقلوها ودرسوها ووقفوا منها موقفا واضحا صريحا ، هو موقف الاستقلال والانصاف ، فلم يرفضوها جملة ولم تلتهمهم ، ولكنها أخذوا منها وتركوا في ضوء قيمهم الأساسية . .
لقد كانت الفلسفة اليونانية اشبه بالغول الخطير ، فقد اقتحمت المسيحية ومن قبلها اقتحمت اليهودية فسيطرت عليهما واحتوتهما ، ولكنها حين ترجمها المسلمون ونقلوها الى لغتهم وتعاملوا معها ، عجزت عن أن تصهرهم أو تبتلعهم ، وان اصابتهم بخطر كبير ، وأزمة بعيدة المدى ، ولكن الاسلام وقادة فكره بقدرتهم على التماس مفاهيمه وقيمه الاساسية قد استطاعوا ان يردوها على أعقابها ، وان يتخطوحا محتفظين بمقوماتهم ، اذ امتصوا منها ما شاءوا ثم بنوا منهجهم الفكرى والعلمي على أسس رصينة من قيم الاسلام .
وقد تبين للباحثين المنصفين خطأ الرأى الذي حمل لواءه ) ارنست رينان ( وتابعه
كثير من المتعصبين وأعداء الاسلام والثقافة العربية ودعاة التغريب والنفوذ الاجنبى تبين خطأ الرأى القائل بأن الفلسفة الاسلامية هي فلسفة يونانية مكتوبة " بحروف عربية " .
وتأكد انه " لا منطق أرسطو ولا الفلسفة الهلينية أو الفارسية أو الهندية قد خلقت أو حولت الفكر الاسلامي عن مساره القرآنى ، وانما كان وظل وسيظل ثمرة أصيلة للتوحيد الاسلامي الصريح ، فقد بدأ من القرآن ، والتقي في طريقه بتراث اليونان فامتص عصارته الصالحة في سبيل ابداع منهج اصيل مستمد من قيم الاسلام توصلا الى ما حققه الفكر الاسلامي فعلا من انشاء " المذهب العلمي التجريبى " .
لقد تمثل الفكر الاسلامي من الثقافات والروافد والحضارات المختلفة ما يتفق مع طبيعته وما يتفق مع احتياجاته ، ثم طبع ما أخذ بطابعه الخاص ، ولم يكن الفكر الاسلامي هو مجرد تأثر بهذه الثقافات المختلفة ، او مجرد توفيق بينها وبين العقيدة الاسلامية ، بل هو فكر اكثر ابداعا واصالة من هذا ، فقد تجاوز منطق أرسطو الذي لم يكن هو العامل الأكبر في بناء الثقافة الاسلامية العربية .
- البحث متصل -
) القاهرة (
