الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

أثر الشعر فى الحياة الاجتماعية

Share

أريد ان اتكلم عن أثر الشعر فى الحياة الاجتماعية بل لعلى أريد أن أقول العكس ولكن غلبني هذا العنوان على أمرى فصدعت به وإن كنت لم أصدع لغلبته على الموضوع بالذات ، وأنا أريد حين آتكلم فى موضوعي ان احدده جهد المستطاع وأضيق نطاقه فى أقل حيز لأنه مترامى الأهداف متسع الرقعة لو سايرته وسايرت نفسى معه لذلك سأصل الى الخلاصة التى أريد ان اخلص اليها قبل سياق التقدمة وهي ان آخذ على نفسي وعلى الشعراء ما هو ظاهر عليهم وما هم ظاهرون به من مظهر الركود دون مصاولة الحياة الاجتماعية فى المجتمع الصاخب الذي يعيشون فيه ، وهذا الذى اقوله حالة يشعر بفراغها المجتمع فى المناسبات التى يحن فيها الى شعرائه فلا يجدهم او يفزع اليهم فيكونون منه بمناى بعيد وبمعزل قاص حالما هم يعيشون فى صميمه ولا يستطيعون النأي عنه مهما حاول بعضهم فى كثير من الأزمنة والعصور أن يتنصل من تبعات الحياة باصطناع الزهد أو احتمال الوحدة والجفوة

وها نحن اولاء نعيش فى عصر متحرك مثقل بالخطوب ، موقر بالاحداث مفعم بالأعاجيب صخاب بالمفاجآت ، يطلع علينا منه كل يوم جديد ، فأين الصوت الذي يدوى بترديد الحوادث ؟ وأين الصوت الذى يسجل الاحداث وأين المترجم عن العواطف ، وأين الوصاف الذى يعرض المشاهدة واين الخيال الذي يدني البعيد ؟ وأخيرا أين هو الشعور الذى يثبت الحياة وينبض بالوجود ؟

ذلك كله يسجله شاعر ببيانه ، وتفيض به عاطفة جياشة تبرز به من حياة المادة الى حياة العاطفة فتحيله ذوبا مستساغ التذوق ، حينما تتجهم المادة فتصدف بكثافتها العواطف عن استساغة الحقائق في منهل سائغ رقراق ، فاين

منا ذلك الشاعر الذى ساير حياتنا الاجتماعية فى هذه السنوات الخمس الاخيرة التى حفلت بما حفلت به من انقلاب فى السياسة وفي العلوم وفي كثير من شؤون الحياة الإنسانية العامة والخاصة ؟ ! اين هو الشاعر الذى هز الشعور بتسجيل شىء من ذلك ان لم يات بجديد مضاف الى تليد هذه الامة وافخر ما امتازت به سبقها فى ميادين البلاغة قديما - وما اوثرت به من افانين المعارف والبيان ؟ !

افعلم شعراؤنا اليوم ما الذى فعله شاعر من متقدميهم فى موقف من مواقف الحياة الاجتماعية وماذا فعل امثاله لعصر الجهالة ، أو الجاهلية كما يسمون ؟ !

لقد روى التاريخ ان الحارث بن حلزة وقف فى مجلس عمرو بن هند ملك الحيرة وبينهما سبعة ستور يرتجل معلقته اتجالا فى الدفاع عن حقوق قبيلته بنى بكر بن تغلب بن وائل على خصومها بنى تغاب ويستدل في وجوه دفاعه بحوادث التاريخ وكان متوكئا على قوسه حتى أدمت كفيه وهو ينشدها فى مجمع من انصاره واعدائه ، وكانت أم عمرو بن هند الى جانب ابنها الملك تسمع البلاغة كيف تسيل من ينبوعها المتدفق على لسان الحارث ، فقالت : " تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول ؛ يكلم من وراء سبعة ستور فما زال الملك يرفع سترا بعد سترو ويقول ادنوا الحارث حتى اقعدوه قريبا من مجلسه ! وحكم لبكر بن وائل على تغلب وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضئا " !

ذلك مثل صغير من أمثله تأثير الحياة الاجتماعية فى الشعر ، او - بالعكس - تاثير الشعر في الحياة الاجتماعية ، وقد اردت بإيراده الآشارة إلى روح اليقظة التى يجب ان تدب الى نفوس معاصرينا من الشعراء فقد مرت بالعالم احداث من الخطوره بمكان وشهدنا من افاق بلادنا بعض المرائي التى تستثير الشعور ويستفز المشاهد وتبعث النفوس على التحفز ، فاين هى الألسنة التى تترجم ، وأين هي الجوارح التى تصف ؟ !

هذه إشاره عابره لا تعوزها الصراحة ، وان كان يعوزها التدبر

اشترك في نشرتنا البريدية