إن ميلاد الشعر الجزائرى الحديث ( 1 ) قد جاء مواكبا لظهور الحركة الوطنية رغم محاولات فرنسا لفرنسة الجزائر أرضا وشعبا ، وبعد مرور ربع قرن من الزمن ، اكتمل نمو الكلمة المناضلة فانطلقت مع الرصاصة النوفمبرية لتسمع صوت الاحرار فى الداخل والخارج
فان كنا نحن أبناء ما بعد الاستقلال قد وجدنا الطرق المؤدية الى الاقسام - العصرية هيكلة وتدريسا - معبدة ، فان آباءنا وأجدادنا فرض عليهم الجهل فرضا بشتى الوسائل والطرق الملتوية منها والمستقيمة من طرف الفرنسيين الذين ادعوا كغيرهم على أنهم جاءوا لينشروا الحضارة والتمدن . وكأن هذا الشعب " الشعب الجزائري " قد وجد من عدم ، لا يملك حضارة ولا ثقافة ، ولا تاريخا مجيدا ، كما تناسوا وأن حضارة هذا الشعب الابى هي جزء من الحضارة الاسلامية التى كانت عاملا من أهم عوامل نهضتهم فى عصر النهضة
فحالوا بين الجزائريين ، وبين لغتهم ، وثقافتهم العربية الاسلامية ، ليقدموا لهم ثقافة لا تخدم الا مصالحهم " الفرنسيين " الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
وان تلك الفئة النادرة التى نالت قسطا من الثقافة والمعرفة لم تجد الطريق أمامها مفروشا بالازهار والورود ، بل بالاشواك والالغام فبالعمل الشاق
والتضحية المضنية ، وبالصبر الطويل ، شربت هذه الفئة المناضلة من كأس الثقافة العربية الاسلامية . غير أنها لم تسلم فى آخر المطاف من مطاردة وملاحقة المستعمر لها ، وتضييق الحصار عليها فى الداخل والخارج حتى صارت قاب قوسين أو أدنى من ذلك .
لعل هذا من بين العوامل التى جعلت الحركة الفكرية الجزائرية جامدة حيث لم يستطع مفكروها بلورة المطامح الشعبية فى قالب ثقافى بارز المعالم ورغم المطاردة والحصار المشدد عليهم فقد ظهرت في غمرة الوعى الذى رافق الحياة السياسية - خاصة بعد احتفال الفرنسيين بمرور قرن من الزمن على احتلالهم للجزائر - أعمال أدبية متنوعة حاولت طرح كثير من القضايا الوطنية وتصوير الواقع الاجتماعى ، والمظالم التى يعانى منها الشعب الجزائري ، وأن هذه الاعمال كانت بمثابة ارهاص للثورة الكبرى ، التى أثرت في عدة نواح ومن بينها : الادب ، خاصة الادب الثورى ، ولعل أول تأثير لها " للثورة " يكمن فى الاديب ، خالق الادب وصانعه ، فقد حررته من عقدة الخوف وأزالت عنه ذلك الكابوس الذى خيم على صدره مدة طويلة من الزمن ، ومنع من البوح بمكنونات نفسه وخلجات شعوره تجاه شعبه ووطنه ، وها هو الآن انطلقت رصاصة نوفمبر فى ربوع الجزائر " يرى الحصار الذى كان مضروبا عليه والارهاب الذي سلط عليه قد بدأ ينهار لبنة ، لبنة ، أمام دمدم الرصاص وقعقعة القنابل
وهكذا انصهر الكتاب والادباء الجزائريون فى بوتقة الثورة التحريرية ، فها هو الشاعر والروائى المرحوم " مالك حداد " ( * ) يعبر عن هذا الانصهار بقوله مليونا من الشهداء يتحدثون الحرية ، وفي هذا الليل الطويل المدلهم بالمجازفات والبطولات التى تطوعنا لها نحن الجزائريين ، لم يصنع مفهوم الحرية عندنا فى ظلام التعريفات الميتافيزيقية . لم تكن الحرية بالنسبة لنا نحن كتاب الجزائر نعمة أو فضلا ، بل كانت امكانية عمل ، ان الليل مهما
يكن ثقيلا ورهيبا لايمنع العصافير أن تغنى ، وليس من قوة فى العالم أوتيت من المحبة للحرية والدفاع عنها مثلما أوتينا نحن " ( 2 ) .
فمن أجل تحقيق الحرية والحصول على الاستقلال الكامل للجزائر انطلق مجاهدوها - الذين لم يتخرجوا من الكليات العسكرية ولا من المعاهد المخصصة لنفس الغرض - متسارعين الى تقديم أعز ما يملكون - وأعز ما يملك المرء روحه - فداء للحرية التى لا تؤخذ الا بضريبة الدم الغزير ، فتأثر الادباء الجزائريون بهذه الاحداث حيث انطلقوا يباركون خطوات الثورة خطوة ، خطوة مشيدين بانتصارات المجاهدين الاحرار ، ومنددين بالاعمال الوحشية التى يرتكبها المستعمر فى حق الابن ، والمرأة ، والرجل ، والشيخ ، العزل من السلاح المادى ، المفعمين بالايمان القوى بمصير الوطن ، ومهيبا بالجماهير الى الاقبال على البذل بسخاء للقضاء على العدو المشترك ، وتطهير البلاد من رجسه ، وقد كان نصيب الشعر أكبر نظرا لطبيعته ، فظهرت مجموعة من الشباب الذين حملوا راية الشعر الثائر وراحوا يقاتلون الى جانب اخوانهم المحاهدين بالكلمة الحرة الشجاعة ( 3 ) . هذا بالنسبة للشعر الموزون بنوعية ، أما دور الكلمة الشعبية أى الشعر الملحون " التى كانت وما تزال فى متناول الجميع ، فانها لعبت دورها المشرف فى اسماع كافة افراد الشعب الجزائري : انتصارات ثواره فى الجبال ، والوهاد ، والسهول ، والمدن على الجيش الفرنسى ، وأسلحة الحلف الاطلسي المتطورة ، وعلى كل فالذين صعدوا الى الجبال وخاضوا معارك القتال لم يكونوا فى غالبيتهم المطلقة يحفظون شيئا من الالفية ، أو الاجرومية ( 4 ) .
كفاح الكلمة الحرة بجانب الرصاصة الحارة :
ان دور الكلمة فى المجابهة كانت أحد من السيف ، وأمضى من السهام منذ القديم الى اليوم ولولا ذلك لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم شاعره : حسان ابن ثابت بالرد على الاعداء من قريش بالكلمة الموزونة التى قال تعالى في اصحابها : " والشعراء يتبعهم الغاوون ، ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون ، وأنهم
يقولون ما لا يفعلون ، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعدما ظلموا " ( * ) وهكذا كان بيت من شعر حسان بن ثابت بالنسبة لاعداء الرسالة الاسلامية أقوى تأثيرا من جيش عرم أحيانا .
ولولا حرارة الكلمة سواء أكانت شعرا أم نثرا ، لما ضربت فرنسا الحصار على المثقفين الجزائريين خاصة بعد أن رأت فيهم البذرة الصالحة التى تنبت رجالا ، بل جيشا من المتعلمين الذين سيكونون نارا حارقة لكل من طغى وتجبر ، وقد كان هذا ابان انطلاقة الثورة التحريرية فى الجزائر حينما راح الادباء الجزائريون الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة ، يؤلفون القصائد التى تلهب الاحاسيس وتفجر النفوس لتبعث فيها الأمل ، أمل الحرية ، أمل المستقبل الحر من كل أدران الظلم والطغيان ، وعلى هذا فلا يعجب الدارس لشعر الثورة التحريرية حينما يلاحظ فيه الكلمة النارية ، الكلمة الحارة التى اختلجت في الصدور قرنا وربع القرن ، فها هى تخرج ثائرة ثورة أصحابها المجاهدين مدوية بصداها العنيف عنف ضربات جنودها البواسل ، فى الجبال ، والفجاج والأودية ، فى أرض الجزائر . قد كانت الكلمة الحرة بجانب الرصاصة الصائبة ، تخيف اعداء الحرية ، والاخاء والمساواة فى كل شبر من أرض الجزائر .
المجاهدون الادباء :
ان الكتاب الجزائريين عرفوا الطريق الى الحق مع انطلاق أول رصاصة ، فراحوا يكرسون كل مجهوداتهم من أجل الانتصار فى هذه المعركة الضارية مع الاستعمار ( ٥ ) وكما لعبت الحركة الوطنية الجزائرية دورها السياسي في مجابهة الاستعمار بشتى الطرق ، فكذلك الامر بالنسبة للشعر الجزائري الذي جاء مواكبا لميلاد الحركة الوطنية ، دعا الشعب الى الثورة ضد الغاصبين منذ أواخر العشرينات من هذا القرن ، وهذا ما يلمسه المرء فى شعر العيد " ( * ) الذي يقول :
يا قوم هبوا لا تناموا حياتكم فالعمر ساعات تمر عجالا
الاسر طال بكم فطال عناؤكم فكوا القيود وحطموا الاغلالا
والشعب ضج من المظالم فانشدوا حرية تحميه واستقلالا .
غير أننا نلمس ملامح الثورة على المستعمر الفرنسى فى شعر ونثر الثائر : شابي الجزائر " حمود رمضان " ( * ) . الذى كانت ثورته ضد الجامدين الذين شوهوا تعاليم الاسلام ، وهي لا تقل حدة عن ثورته ضد الملحدين والمتفرنسين لأن هؤلاء لا يختلفان في كونهما يقفان موقفا يتسم بالضعف والخذلان حين يكون المستفيد الوحيد من هذين الموقفين : الاستعمار وحده ، لأن جمود أولئك يكفل له اقصاءهم عن الحياة المعاصرة ، كما أن انحلال هؤلاء يضمن له تذويبها فى القوة المستعمرة ، فقال حمود :
ونزعم انا مسلمون وديننا تعيث به الاهواء والكل ذاهل
نسير وراء الناعقين تهالكا لنحظى ببعض الشئ والشئ سافل
نرى قولهم حقا وصدقا وحجة وان جاء منهم تافه فهو كامل
نقلدهم كالببغاء تفرنجا ولم نتبع ما قررته الاوائل
نقلدهم فى فسقهم ومجونهم ولكن سدا بيننا والفضائل
شباب على نهج الغواية سادر وشيب عن الارشاد والنصح عادل
ولما سجنته فرنسا عند عودته من تونس عام 1925 ، نجده يفتخر بهذا المقام على اعتبار أن السجن منتدى الثوار على المستعمر ، وفيه يقول :
سمعت بأن السجن أضيق من قبر فألفيت قعر السجن اوسع من قصر
ومن لم يذق طعم الأذى بنضاله سيشكو الأذى والدمع من عينيه يجرى
ونفس الحرارة المعبرة عن غضب الشاعر من الوضع المعيش نجدها فى نثره حينما يقول : " الحياة لا تحارب الا من سالمها ، ولا تسالم الا من حاربها فقاتلوها على الدوام ، تسلموا من شرها ، وإلا أعوزتكم الموت فلم تجدوها " ( 6 )
ونفس الفكرة ، ولكن فى صور مباشرة ، يلاحظها دارس الحركة الفكرية الجزائرية فى حركة الشعر الثورى ، فى أبيات الشاعر الجزائرى : محمد جريدى :
فعودوا وسووا للكفاح صفوفكم وخوضوا الى تحريركم لجج الخطب
فحسبكم قرن وعشرون حجة تجرعتم أثناءها غصص الكرب
ولا تكلوا أمر البلاد لغيركم فإن الذئاب الطلس عاشت على النهب
ثبوا أيها العرب الكرام الى الفدا فإن سواكم قد تهيأ للوثب
لقد كان هناك تصورا واضحا عند الكتاب ، والشعراء الجزائريين للثورة ومفهومها الذي تبلور بعد مجازر الثامن من ماي الحزين لعام 1945 ، والتي قطعت كل أمل فى التحاور السياسي مع العدو ، وأن الحرية لا تعطى هدية بل تؤخذ حقا شرعيا بالدم الغالى ، ولتحقيق الغرض راح السياسيون يبحثون عن الوسيلة التى توحد الصفوف فى وجه العدو الفرنسي . كذلك راح الادباء الثائرون يعدون الكلمة التى تسمع الشعب الجزائرى وأحرار العالم بقضية الجزائر التى اقترب صباحها بفضل وعى شبابها العربي المسلم الذى بعث فيهم العلامة ابن باديس أمل المستقبل المشرق ، وذلك من خلال جهاده في سبيل تعليم الجيل وتثقيفه وتنويره ليجد نفسه فى يوم ما موحدا من تلقاء نفسه أمام المارد الجبار وقد صدق ابن باديس ( * ) الذي يعد بحق استاذ كل شعراء الثورة الكبرى حينما قال :
يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل والا حسان واصدم من غصب
واقلع جذور الخائنين فمنهم كل العطب
وأذق نفوس الظالمين سما يمزج بالرهب
واهزز نفوس الجامدين فربما حيي الخشب
وذلك بعد أن أعلن مؤكدا بطلان أفكار دعاة الادماج وأسيادهم بقوله :
شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب
من قال : حاد عن اصله أو قال : مات ، فقد كذب .
والسؤال الذى لا يزال مطروحا هو : كيف سمحت فرنسا لابن باديس أن يعد جيشا من المتعلمين ؟ هل لغباوتها ؟ أم أنها عجزت أمام مركز أسرته في الحكومة الفرنسية من جهة ، وشهرتها وسط الاسر الجزائرية خاصة فى الشرق الجزائرى من جهة ثانية ؟ أم أنها كانت خاطئة فى حساباتها نحوه ؟ .
رغم ما قال فى الفرنسيين خاصة والاستعمار عامة . فها هو يقول يوم عيد الحرية الفرنسية فى 14 جويلية 1939 : " أيتها الحرية التى يتغنى بمفاتنك الشعراء ، وتسفك فى سبيلك الدماء ، أين أنت فى هذا الوجود ؟ كم من أمم تحتفل بعيدك وقد وضعت نير العبودية على أمم وأمم . وكم قوم نصبوا لنا التماثيل فى الارض ، وقد هدموك فى القلوب والعقول ! فتشت عنك في قلوب الشعوب القوية فوجدت العتاة الطغاة قد قيدتهم الاطماع فى تراث الضعفاء فتشت عنك في الشعوب الضعيفة ، فوجدت الانصار المرهقين قد كبلهم استبداد الاقوياء . اه أيتها الحرية المحبوبة ، واشوقاه اليك بل واشوقاه الى شهدائك المحيا محياهم ، والموت مماتهم " ( 7 ) .
ومن الشعراء الجزائريين الذين انطلقوا يباركون الثورة الكبرى : صالح حرفى ( * ) الذي ما يزال ينشط فى ميدان الادب ، والذي نظر الى شهر نوفمبر الذي اتخذه منبرا لاذاعة المآثر التى يصنعها الشعب ، وما ذاك الا لانه شهر
التضحية والفداء والمواقف المشرفة ، ومطلع فجر الجزائر ، ومنار قافلة الثورة ( 8 ) . حيث قال :
بايعت من بين الشهورا " نفمبرا " ورفعت منه لصوت شعر منبرا
شهر المواقف والبطولة قف بنا فى مسمع الدنيا وسجل للورى
فلانت مطلع فجرنا وزناد بر كان أثرت كمينه فتفجرا
وانداح فجرك عن مصب من دم الا حرار فانتعش الجذيب وازهرا
يا وثبة الاحرار منا يا " نوقم بر " لما تزل علما لقافلة السرى
وان كان ابن باديس قد أكد مرارا على عروبة الشعب الجزائري في أغلب آثاره النثرية والشعرية - وذلك لدحض أفكار المتقولين من الفرنسيين وأذنابهم ، وليس شكا منه فى عروبة هذا الشعب - فان صالح خرفي يؤكد هذا - لأنه النبع الدافق فى حنايا المجاهدين الذين ما ثاروا الا لاسترجاع عربيتهم واسلامهم وأرضهم - بقوله :
رب نحن والعروبة غذت بهواها عروقنا ودمانا
هى كالنبع دافق فى الحنايا ان تكن فى اللسان غاضت بيانا
لوثة العجم ان غزتنا فبأس العرب فينا بيانه لا يداني
سكتت السن عن الضاد لما السن النار رددته بيانا
عرب اليوم بالدماء وانا عرب فى غد دما ولسانا .
وها هو الشبوكى ، يتحدى الاحداث صادحا ويلقي الردى فى صمود حيث قال فى شأن المجاهد الثائر :
راح يستلهم الحقائق فى الكون ويشدو وبكل لحن جديد
راح يسمو الى المعالي بحزم واصطبار يفل عزم الحديد
فهو يبغى الحياة حرا ويأبى ذلة العيش تحت عبء القيود
ثائر يملأ الوجود كفاحا وينير الحياة بالتجديد
يتحدى الاحداث مهما ادلهمت ويلاقي الردى بقلب صمود
عزمات الشباب فيض من النور وموج من الكفاح الشديد ( 9 )
( يتبع )
