الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

أجنحة تخاف الشتاء

Share

يروى لنا المذيع قصة الطيور المهاجرة فيقول : وفي أواخر الصيف ترحل الطيور المهاجرة عن بلادنا بعد أن قضت فى ربوعنا أياما دافئة وجميلة . . عبر السماء تراها كواكب من نور ، تدفع الهواء بأجنحة قوية وطويلة كالمجاذيف ، ناعمة الملمس ناصعة البياض . . . تراها تطير فى خفقان أجنحة لا تفتر ولقلقة لا تزول . . تقول لك فى كل مرة : ما ألذ الرحيل !

وأظل أركض أحتذى التراب فأشعر بشىء من الراحة وقد تحررت رجلاى من ضغط الحذاء ، أظل أركض متأبطة صورة منزلنا الابيض المتآكل ، مشرقا تحت الشمس ...

كان لا بد لكل منا من منزل أبيض متآكل نركض نحوه . . . ويحتضن النسيان المنازل هناك . . . فأنسى المنازل الصاخبة أنسى المنازل الصامتة أنسى المنازل المقفرة تتلوى كالاشباح عندما يشتد الزمهرير أنسى المنازل الجميلة الحالمة أنسى المنازل المتداعية . . . وفي ذاكرتى المصقولة ، أزرع صورة جديدة فتورق وتزهر وتعطر أرجاء نفسى . . . ويرتفع صوت المذيع قاصا :

للطيور المهاجرة عادات وتقاليد فمنها أنها لا ترحل فرادى وانما تتجمع ترحل كوكبة واحدة . . . ومنها كذلك أنها لا تتوقف عن الطيران ما إن رحلت ، لذلك لا تعبأ بمن يسقط من الطيور . . كنت أتذكر سقوطى عن صهوة الجواد . . . كنت أتذكر ذلك فينفجر رأسى ألما . .

لم يكن سقوطى فى الحسبان ولكنى سقطت . . تدحرجت . . تماما كالكرة . . ما زلت أتذكر أمي وهي تبكى ، فتتعثر الدموع على تجاعيد وجهها المستدير ، ما زلت أتذكر أبى وهو يردد فى غضب : قلت لك انتبهي . . كم قلت لك ذلك . . إنها تنظر ولا ترى ، تسمع ولا تعي . . إنها مريضة . . . مريضة ٠٠ وتردد أمي بين شهقتين . . . مريضة ، مريضة ٠٠ ويحملني أبي بين ذراعيه بينما يرتفع صوت أمي مرتلا سورة : "قل هوا لله أحد " وأرددها أنا بين أضلعي فأحس بالراحة والطمأنينة وبين ذراعي أبي أشعر حقا اني مريضة أترقب علاجا ٠٠ وتأتينى أنفاسه المتلاحقة من أثر الجهد ممزوجة برائحة التبغ فأبتسم لرائحة أبى . .

ويتساءل المذيع : ترى كيف تهتدى الطيور الى الطريق ؟ ترى هل يلهمها خوفها من البرد طريق الدفء والحرارة فترحل متقية ألم الهوجاء ؟ توقفت عن الركض . . . وتصفحت الأفق : كان أرجوانى الاطراف والصبح مازال مترددا ، والشمس بطيئة البزوغ . .

ونظرت الى الارض حولى فاصطدمت عيناى بألوان باهتة . . كان العشب رماديا كأيام الشيب ، يابسا كأيام الجدب والقحط . . . تذكرت الوجوه الرمادية هناك ، والأشداق الخاوية ، تلوك الفراغ بأسنان مهترئة تبتلع الريق بعناء المخنوق . . تذكرت الجفون المحمرة ، المطبقة وقد فقدت النور . . . ابتلعت ريقى بعناء كأني أبتلع القطن . . ألم فى حنجرتى يمنعني عن الكلام . . . وددت لو أقذف شيئا ، وددت لو ادفع بشىء الى الخارج ٠٠ ولكن الانفصام كان داخلي . . . ومن أعماق قنوطى ناديت الشمس! . . . .

استمالنى التراب فجلست ، أملا فى الراحة . . . وفجأة أشرقت فى مخيلتي صورة المنزل الابيض المتآكل ، وارتعش جسمى قليلا . . فطفقت أركض أدوس العشب الرمادى بأقدامى العارية . .

أشرفت على الربوة المطلة عليه ، ورأيته . . كانت الشمس تسكب اشعتها على جدرانه فتنسج صورا وظلالا وترشقه وزاغا . . كان صديق الشمس ، فراشها الذى تنام فيه وانعكاسها على الارض...

نظرت الى قدمي كانتا خليطا من الدم والتراب لقد أضنانى الطريق وشق على الركض . . . جلست على الربوة ، أحتضن المنزل بعينى وابتسم له وللشمس التى تنام فيه . . . ها قد وصلت . . ما أعذب صرير الباب وأنا أدفعه يبدى لأدخل . . . تسارعت دقات قلبي قليلا حينما نهضت لأرى المنزل من كثب ، وأنا على مقربة منه شعرت بالخوف . . . ولكنى جعلت أسير . . وامتدت رجلاى تهزنى . . . كان الماء قد نضب ، والرمال رطبة تنعش الارجل العيية . . تسمرت أمام بابه وقد غمرتني برودة مفزعة . .

وفجأة . . هوت نجمة من السماء فتناثر الرماد أمامى . . . وتدحرجت الصورة الفضية حتى الارض ، وشعرت بالانفصام يعبث بأركان الصورة . . واذا بالارض تميد فتهوى الجدران حجرا يتكدس على الارض . أحسست برودة الشمس فجأة وبحرارة دموعي تبلل صورة المنزل الذى ركضت من أجله وأتيت من أجله وأبكى الآن من أجله . . لأنه كان خاويا كالبطون الجائعة ، كالعيون التى يبست دموعها ، كالرؤوس التى فقدت أفكارها ٠٠٠

كان الانفصام داخلي . . والتشتت فى كيانى . . والثلج فى عظامى .

أفكارى المبعثرة تتسكع ، ترفض الاستقرار ويصعب على رصفها فكرة بعد فكرة ٠٠٠

تذكرت الحقائق التى لا تتعدى أحلام الليل . . تربض بين الجفون فى ليالي الشتاء الباردة الطويلة ، وتهجرها مع النور . . . تذكرت تلك الطفلة التى ترفض أن تنام قبل أن تستمع الى قصة " بيضاء كالثلج والفارس الجميل" تذكرت المجانين وقد استوى لديهم الواقع والخيال . . تذكرت كل من سبقوني الى المنزل الابيض المتآكل تغزو قلوبهم نشوة لا تعرف القهر وتشع فى عيونهم صور فضية لامعة الخيوط . . .

تذكرت كل ذلك وأنا جاثبة أمام المنزل الابيض المتآكل ، الذي أصبح هيكلا لمنزل ، صورة لمنزل ما ، حقيقة دون طلاء . .

جعلت أعد الحجارة التى تكسو الارض ، والنمل الذى ينساب فوقها مسرعا ، فى حركة أتوماتيكية تستفزنى وتجمد الخيال فى رأسى فتنفجر منه الأرقام :

ملتوية كالثعابين

مستديرة كالثقب

سوداء كالغربان

مفزعة كالمال

وعلى عتبة الربيع تؤم الطيور حقولنا من جديد ، تخترق سماءنا بأجنحة من نور تلك الاجنحة التى ساعدتها على الرحيل فى الخريف الماضى ، متقية البرد . . . لأنه عدو أجنحتها . .

اشترك في نشرتنا البريدية