رأيتها : وانا هابط الى اعماق وادى العقيق ( ١ ) المطمئن ، تحت اقدام " جبل الشيخ " وانا مأخوذ بالماء المتدفق ، من الينبوع العظيم . . كأنه السيل الهادر ، يدير الطواحين بيده ، ويسقى البساتين بالاخرى.
رأيتها : وأنا مفتون بظلال الاشجار الباسقة والافنان المتشابكة ، وطيوب النسائم الندية الباردة.
وأنا طروب لرفات اجنحة الطيور المتسابقة بين الخمائل ، من افنان الى افنان . . ولمناجاتهن بأغاريد سحرية ، متراوحة من نشوات الى نشوات . .
اجنحة فراشة : رأيتها : على موجة من الاثير ، تتعرج صاعدة هابطة ، فى الوان زاهية غريبة . . تبدو كلمع الطيف حين تتكسر على من منشور البلور الصافى ، ثم تغيب كأطياف البسمات على شفاه الحسان الوردية.
رأيتها : فتنة مجنحة ، فى موكب فراشات جميلة
منثورة . ليس بينهن مثلها . لعلها ملكة جمال الفراشات . .
انظر : هذه نثارة فراشات بيضاء ناصعة . . كأنهن بسمات مفترة ، على شفاه الورود . . وحين تسكب الشمس عليهن عسجدها المتقد تستحيل دنانير طائرة . . سرعان : ما تختطفها الامانى وتتبعها الايدى.
انظر : هذه مواكب فراشات : من لازوردية ، الى حمراء ، الى صفراء ، الى سوداء . . الى مواكب اخرى متسقة الالوان المختلفة المتآلفة .
" هن ". وهن منطلقات حرائر ، بين افواف وافواف ، من شعب الشجر . . اسيرات شباك حالمة لاعين الشاخصين.
ومهما يكن لهن من جمال وفتنة ، فانهن لن يزدن عن الوصائف الحسناوات بجانب ملكة الجمال التى لولاها ما عرف سحر السحر وفتنة الفتنة .
اجنحة فراشة : رأيتها : بعد مطلع الشمس منضمة الى زنبقة منيرة - وطبيعة الفراش الافتتان بالنور - وعلى جناحيها الصغيرين ، الوان زاهية شتى ، فى نفوش مسحورة . . كل نقشة تطل من دائرة كسائرة انسان العين ، منظومة فى سلك من
البلاتين متعرج على طرفى الجناحين ، وفى وسط كل دائرة نقطة حية ذات بريق عبقرى خاطف .
الا ان هذين الجناحين ، فى الوانهما واشكالهما يبدوان متآلفين متقاربين متباعدين يلحقان بفكر المتأمل الى اسمى المثل العالية فى ادراك ابداع الخلق . .
ولو حشد الف الف فنان عبقرى عالم ومنحوا كل المواهب والامكانات النابغة ، واعنت لهم كل الظروف والوسائل .. وطلب اليهم ان يصنعوا شبه هذين الجناحين لهذه الفراشة الملكة الضاحكة الناعمة ، لعجزوا كل العجز .
ومع ذلك تسمع من عبدة " سارتر " ان العوالم لا ابداع ولا جمال ولاخلب فيها . . ان الانسان هو الذي يخلق الابداع
والجمال والخلب . مساكين هؤلاء كلما جن واحد منهم يجن بجنونه حشد من المغفلين.
يا هؤلاء : ان الابداع الذي يتجلى على جناحي هذه (الحشرة ) كما يسميها علماء الاحباء . . عجب عجاب . .
وايم الله ، ما رأيتني أثب من حوض الى حوض. وانا مشبوب العواطف مستطير بشر .. - حيال كائن - ما رأيتني حيال
هذه الفراشة الحسناء . . انها فى حركة مستمرة ، وطيران دائم.
كم تمنيت امساكها ، وهي تنتقل من زهرة إلى زهرة . ولكن لم افعل خشية ان افسد على ، روعة منظرها المسحور الخلاب وان افسد عليها حياتها الشاعرة الطائرة الفاتنة
اجنحة فراشة : كنت اسمع ان ادق التنسيقات الفنية فى وشى المآزر ( ٢ ) والفساتين مقتبس من اجنحة الفراش . ولولاها ما عرف مهرة الصناع الفنانين ، جاذبية تناسب الالوان ، وروعة افانين التخاريم . وتهاويل اشكاله العبقرية ، فأحسب ذلك مبالغة . ولكن حين شاهدت هذه الفراشة الحسناء " الملكة " هتفت من أعماق قلبي خاشعا :
الهى . . !! ان جميع ما اقتبسه ويقتبسه اختصاصيو التجميل ، هو قطرة من بحر ما اودعت فى جناحى هذه الفراشة من جمال وفن.
وانها لاحدى الآيات الناطقة بجلال قدرتك سبحانك ربى ما اكثر آياتك الرائعة وما اكثر الغافلين عنها من هذا " الحيوان الناطق " الحيوان.

