الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

أحبك والظلمة صافية

Share

لماذا تركتها تذهب ، وهى عزائى الوحيد ؟ . لماذا تركتها وبقيت وحيدة فى هذا البيت البعيد ؟ وكل شئ حولى خاو ، فارغ ، بارد ؟ . . لماذا تركتها تذهب والبسمة ضاعت من الشفاه ؟ وهى بسمة هذا البيت ؟ .

بقيت ممتدة ساعات على الفراش . يداى ملقاتان على الجانبين ، لا تقدران على التحرك . شئ مخيف من العجز يحوم حولى انظر الى يدى البيضاوين الشاحبتين ترتفع نظراتى عن اليدين الضعيفتين . ترتفعان قليلا وتنزل أجفانى متعبة ، غير قادرة على التحرك والحياة .

أغمض عينى . أتمنى النوم يغرقني فى ليل نسيان منقذ ، ليتني أنام ! رأسى ثقيل ! . يحمل هموم الارض والسماء . ابر تخزه من كل ناحية . ابر موجعة موجعة تنغرز فى اللحم تثقب الجمجمة .

أرفع يدى الواهنة أرفع الغطاء الى وجهى ، أسد بعضا من نور يتسلل من فصاص النافذة تبقى يدى فوق وجهى عاجزة ضعيفة والظلام في عينى يزداد اسودادا . . ورأسي يسكنه ظلام متوحش موحش تختلط فيه خيوط ودوائر وأشكال داكنة ، شرسة ، متداخلة تغتسل فى دم أحمر أسود همجى

قضيت الليل ، والابر فى رأسى تنغرز أكثر فى برك الدم والظلام تنغرز بقسوة تعذبني تشل يدى تغرقني في ضعف مخيف لا تترك لي القدرة الا على أنين ضعيف متقطع

كنت أشعر بالموت جد قريب . يدب الى خفيفا ، غامضا ، ساكنا . وأنا ، بلا قدرة ، بلا صوت . سهلة فى يد شبح مخيف .

أحسست الدمع يتدافع الى مقلتى

دعوت بصوتى المفقود يدا تحميني من أشباح الظلام تربت على هذا الجسد الذابل الذاوى . . بلا قدرة بلا قوة تمنيت يدا على كتفي ، على صدرى

توقظ فى الحياة ، تزرع بذرة الامل .

كان الجسر الآخر لا يتحرك بعيدا . كنت أشعر أن ظهرا يواجهني ، وان الدنيا فارغة بئر جافة موحشة ، الليل كان طويلا مثل ألمي .

ثم ابتعد الطرق فى رأسى ، وسكنت الابر بعد طول جهاد وانحدرت فى هوة من الظلام الصافى .

وحين أحسست يدا تمتد الى ثيابى تفتحها عرفت ان الرحمة امتدت الى جبيني المنهك ، وانى نمت وهربت من قبضة الالم ، والسماء بدأت تمطر وشفى العطاشى ، والأرض بدأت تروى وتحمد . وابتسامة فى أعماقى تفتح لى باب الامل . .

سيربت على هذا الخط الشاحب فيجد الدمع ما زال يبلله . سيضع رأسى على صدره كما كان يفعل فى ذاك الزمان سيروينى حنانا ، بلسما وشفاء

تفتحت نفسى تستجدى المطر والرواء ولكن اليد التى تفك الازرار لم تربت على خدى لتمسح بقايا الدموع . . لم تلمس قلبي الخافق ببطء وضعف على باب الموت كانت يد تفتح الازرار كانت حاجة يريدها رجل ، وكانت هناك امرأة على نفس السرير

عاد الظهر يواجهني ، وعادت الدنيا بئرا جافة لا تعرف المطر ولا الرواء والابر أصبحت تنغرز فى كل مكان من جسدى قاسية موجعة واخزة . والظلام المخثر بالدم والاشباح والخطوط المتداخلة البشعة أصبح يملا رأسى يكسر جمجمتى . فقد انقطع الانين غاص سكينا فى الاعماق ليولد ألم جديد يحفر القلب والعقل والجسد يحفر الارض والسماء ، وكل الدنى .

من وقتها لم أنم . بقيت مفتوحة العينين أرقب الموت يجول حولى وأنا وحيدة وحيدة

النهار طالع والشمس يمتد نورها حتى فراشى رغم النافذة المغلقة . أغنية حزينة يرتفع صداها الى من الشارع والعينان مفتوحتان . . دموع تملؤها ، تغطى نور الشمس المتسلل . واللحن يصعد أنفاسه الحزينة الى مسمعي .

رأسى تملؤه الهموم يثقله الالم . لا قدرة له على النسيان أو الغرق فى بحر النوم .

دفعت جسدى الواهن خارج الفراش مشيت خطى فى الغرفة . لعبها تزين خزانتها بقيت منظمة ، مرتبة ، لم تعبث بها كما كان عهدى بها وهي تلهو وتلعب لو كانت هنا . قبل أن تنام ، وصوتها مثقل بالنوم لكانت تناديني : - " أحبك ماما ! "

لماذا تركتها تذهب ؟ ! وهي تملأ لى كأس الماء ، وتسقينى بيديها الصغيرتين وتحمل لى قارورة ماء الزهر حين ترانى أتألم

لماذا تركتها تذهب ، فالبيت فراغ ؟ والمطارق تطرق رأسى ، وطوق من حديد يقيد جبيني يضغط بعنف يوصل الابر الواخزة الى المخ .

يقابلنى وجهى فى المرآة ، شديد الصفرة شديد الذبول ينوح صوت الاغنية الحزين .

أنا لما حبيتك خطر على بالي

اللى جرا لى واللي راح يجرالى

عيناى فى المرآة تملؤهما الدموع . يغرقان فى بحر من اليأس . اعياء غريب يسقط على . أعجز فجأة . تتكاثر الدوائر السوداء والحمراء في عيني تملا الغرفة . دوامة دموية تعصف بي . . أستند الى الحائط . تسقط أجفانى . تسقط الشمس فى عالم آخر .

أحاول أن أخطو الى السرير . تظلم عيناى أكثر . أخاف الشبح وأنا وحيدة أخافه الحائط البارد أتلمسه . تنثني رجلاى أسمع صوت جسدى يسقط .

تختلط صورتها بدوائر الظلام المتداخلة . باللحن الحزين . بصورتها البعيد البعيد : أحبك ماما !

أشباح مخيفة تتقدم نحوى . أسمعها ! مخيفة . تقترب . تتهاوى دوائر الظلام . تنعدم . تبتعد الاصوات . تضيع . ظلمة صافية سكون عميق . ولا شئ . ! لا شئ لا شئ

غير هاجس فى نفسى يخاطبها من بعيد أبعادى كما لو كانت أمامي ماثلة : " احبك والظلمة صافية " .

اشترك في نشرتنا البريدية