صحوة بعد أربعين عاما في الاحلام من شاب حالم
بمناسبة مرور اربعين
عاما من العمر
الناس وحدات كوحدات الزمن أو الأجناس وغيرها . ولكل مقاييس وأوزان وأين نحن معشر البؤساء من هذه الوحدات ؟ ثم قال البائس :
وما اكثرنا نحن الذين نعيش ننعم في أحلام اليقظة . ويا لها من أحلام واسعة الأفق نجنح فيها ونختال ونتبختر . من أقل شئ ومن لا شئ في ظلال الأوهام الجوفاء . حالمين بما نبنيه - وهما - لبنات من الذهب والفضة ، ثم ماذا ؟
ايه أحلام اليقظة أقذفى بى وبأمثالى البؤساء من المحرومين من متعة الحياة الروحية الحقيقية على نفس تتذوق عيشها فى ظلال الأوهام فتضع هذا ، وتقيل ذاك ، وترتقى الى سلم الأسباب متعة في صورها الذهنية البعيدة ، فهى آمال وكم للآمال من أجنحة لا تطير الا اذا ساعدها رضاء الحظ .
فهى سوف تبنى من شوامخ القصور مناطحات الاحلام وليست قادرة على مناطحات السحاب والقياس مع الفارق ، واضح بين .
اذن ، فليكن الليل سرمدا لأنى وأمثالى البؤساء ينظرون للحياة بنظاراتهم السوداء ، التى لبستهم اياها ظروفهم القاسية .
أنا من أنا ؟ تمنيت لو كنت طيفا من تلك الأشباح القابعة في فجاج الوهاد المهجورة وهى تعزف أصوات الرياح موسيقى الهام ، لحياة الامانى والاوهام .
ما أنا الا ورقة كأوراق الخريف تتقاذفها الرياح .. فتأخذها الاعاصير الهوج الى مكان سحيق خير من متعة أحلام اليقظة في ظلام أو ليس لى أن اتحرج من رفع ستار المسير ولغتنا نحن والشاعر القديم فى مفهوم الأبيات هذه سواء :
دعينى أن أسير ولا تنوحي
فان الشهب أشرفها السوارى
الى كم اجعل الحيات صحبى ؟
الى كم أجعل التنين جارى ؟
وأني قد رأيت الليل حلما
كأن الليل أبدل بالنهار
ألا ليت مثلك مثل الأشباح اذا لم يتحقق نجاحك في قدر الحياة ، وما دريت هل أطبق على ، الصمت أم أنا اعيش فى قلب الصمت ؟ ان اليراع سيقف أمام محكمة القلم وما اليراع بصامت ، بل ليرسم بريشته الأطياف المتحركة بشتى الالوان ويسمعك وقع نشيد الاشباح .
فى همس وفى وسوسة أخفى من الهمس .
بين رسوم وصور :
وهكذا كانت رسوم الصور الذهنية تمر فى أخيلة ذوى التعاسة والحرمان الروحى
وكأنهم يعيشون فى عالم آخر لا يشعر برؤيته الآخرون . فالبؤس وقف على أصحابه كما يقول ابن رسلان رحمه الله في زبدته :
ان الشقي لشقي الأزل
وعكسه السعيد لم يبدل
هكذا البؤساء الروحيون يرون واقعهم فى مرناء لا يرى صوره الا أصحابه ، أما الآخرون فهم عنه محجوبون . وان كل الناس ليرى الحياة بنظارته النفسية الخاصة .
أملى ويا أملى كن طائرا ، وارتق البروج والاجواء وتطلع للفردوس بثوب التقوى فذلك خير لك من أن تفقد الفردوس فتكون شيطانا .
ثم قال : والشيطان - لعنه الله - معه أجنحة ، وله قدرة خارقة على سرعة الانطلاق والبداهة ، والى أين ينطلق الشيطان ؟
طبعا الى الجحيم ، هذا الجحيم الذى تتكاثر فيه الغصص وتحسرات الأنفس . وتباهى اللامتناهون الذين ينظرون لمن دونهم جزيئات أقزام وهم بتباهيهم حبيبات الفقاقيع .
قلت : جحيم الدنيا على نوعين ، أولى ابتدائى واعدادى ، وهو مرحلة عالمية عامة في عالمنا الدنيوي ، ممثل فى كل زمان ومكان ، ما دام قد وجد مجددون ، ومتطفلون على الحظ .
وأما الجحيم الكلي بأبواب كلياته السبعة ، فهو منتظر ليوم غد بعد أن نفارق الحياة الدنيا بدناءتها المليئة بأحلام اليقظة وهناك في الآخرة يكشف عن الأبصار الحجاب ويماط الغطاء ويرفع الستار يوم
تقاس نظارات الاوهام التى نعيش بها الآن وصدق الله : ( وكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) .
الجحيم في الآخرة حقيقة واقعة مؤكدة ثابتة عذابها ملموس ومحسوس . أما جحيم الدنيا فهو محسوس لا ملموس .
ان أبناء جحيم الدنيا ، هم أولئك المنكودون بكل حرمان روحى ، لهم نفسيات تحمل من العناء أكبر مما تحمله الجبال ، وقلوب أقرب منها الى الأشلاء والأوصال ومنها غبن الأذكياء بتعاستهم بما يترفل به أشقاؤهم الأغبياء من ضروب الحظ ، وهذا نموذج ، ومن اى شئ هذا النموذج ؟ أجل نموذج للجحيم النفسى وكفى به عذابا وبالشاهد قول الامام الشافعى فى هذه الابيات :
لو كان بالحيل الغنى لوجدتنى
بنجوم اكناف السماء تعلقى
لكن من رزق الحجى حرم الغنى
ضدان مفترقان أى تفرق !
فاذا سمعت بأن مجدودا حوى
عودا فأثمر في يديه فصدق
واذا سمعت بان محروما أتى
ماء ليشربه فغار فحقق
واحق خلق الله بالهم امرؤ
ذو همة يبلى بعيش ضيق
ومن الدليل على القضاء وحكمه
بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
نعم ان التحسر ليذبل الأجسام ويشوي القلوب والأكباد ، وكم قد تضيق الفطنة في نفس الفطن .. وربما يتمثل بقول
الشاعر :
لعمرك ما ارض تضيق بأهلها
ولكن اخلاق الرجال تضيق
وعلى نغم الجحيم الدنيوى نسمع أولئك المحروفة ذواتهم بأنفاسهم المكظومة من الغيظ وهم يترنمون بقول الحكيم :
مصائب الدهر كفي
ان لم تكفي فعفي
خرجت اطلب رزقي
وجدت رزقي توفي
فلا برزقي احظى
ولا بصنعة كفي
كم جاهل في الثريا
وعالم متخفي
ترنيمة ملؤها الاجلال اذا ترنحت بها نفس مقعد في الحظ ذو لياقة وذكاء وعلم ومقدرة من ذوى المواهب المطمورة السائرين فى الافياء وهم يتناكرون عن الجحيم ، وما هم من أهله ، وكم يكون الجحيم على التعساء بردا وسلاما كنار ابراهيم .
اخى هل تريد أن تطل معى من نافذة الاوهام ؟
انا وانت :
في عمر ضنك متعب بما للتعب من دقة فى وصفه ، وتمر السنون كما تمر أمواج السراب ، وللسراب موج أجل أمواجه دقائق من ذرات الأثير أو الهباء .
ومتى وأين لأمثالى أن يتشبهوا بهباءة واحدة حيث تمر في الثانية بملايين الأميال .. ثم ماذا ؟
ما لى وللسراب وللهباء ، نحن أقل من ذلك ، فلا مكاسب مثلها ولا خسارة دونها
كل ما في الامر خواطر مبعثرة ، وكتيبات ممزقة داكنة ، وجدران متداعية تظلل الرأس سحابة ، سحابة بيضاء ، ذلك ما يصفون الشيب ، ونحن ننتظر بعده نهاية القطار .. اعتقد نسمع صوت المنبه : لقد جاء النذير .
* عد للميراث الذى معك ، جدران متداعية تشبه بكثير القصائد الشعرية المهلهلة .
* ابن آدم لا وزن له ولا قافية .
* حتى في الشعور والسلوك .. حتى فى تكاليف النفس والمال ، اللهم لا نريد غيبة .
والدنيا بمراكبها تمر بك كالأطياف ، ومن الاوهام المنتشرة ما تنوء بحمله الجبال .
ماذا ؟
لما بعد الأربعين ؟
أرجو أن يشملنى عفوه ، كما يقول الله جل وعلا : ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى ) .
اذن سوف نستقبل الباقى من رصيد العمر ونحن نعلم علم اليقين ان مشير ساعة الحياة بالنسبة لذاتى وأقرانى يسير نحو المؤخرة وهذا أمر بدهى .
فالنفس الملتهبة بحماسة أحلامها ، بدأت تسير بتفسيرات أقل مستوى ، بل تفسيراتها غير أفلاطونية أو ليس كذلك ؟
وهى طيف يهمس بقول الشاعر القديم
واذا كنت بالمدارك غرا
ثم أبصرت جاهلا لا تمار
واذا لم تر الهلال فسلم
لأناس رأوه بالابصار
أجل ، أنا لم أر الهلال ، وحكمة القول تدركنى : التسليم لمن قالوا برؤيته بالابصار فلا مجهر للشباب باق يمكن أن تدرك ما بقي ، وما كنت أحسب أن أتذكر هذين البيتين قبل سنى هذا حفظتهما من المعمرين قبل خمسة عشر عاما وأنا في الخامسة والعشرين .
يومئذ كنت بنهم أحفظ كل شئ يمر ..
أكتبه وأكرره مرات لأحفظه فقط .. ولكن ليبقى ذخيرة لمثل هذه الايام المتذرة بهمومها وتعاستها .
أيامنا هذه يجوز أن أقول فقدنا فيها حتى نضج ذاكرة الحفظ التى كنت أملى منها مئات الابيات من (( ألفية الزبد )) لابن رسلان ومئات الأبيات من ألفية ابن مالك ، مرجحا بها على الولد الاول من أبنائى ليتلهى ويسكت وأنا أريد صمته لأحفظ ما أكرره كدرس .
ثم ماذا ؟
لقد ركضنا حالمين مع الايام : أيام بالغة الملوحة ، أشبه بالبحر الميت ، لقد ركضنا كما ركضت أمواج اليم من منحدر تياره تسير لنهاية المطاف وكلنا موج نبدأ مع المد ثم تنحسر القوى مع الجزر فى اليوم والغد ، أيها الشباب الصاعدون بتيار المد فى غد , ستحولون بالجزر .. وكلنا نسير على سلم الابدية وكأن الجميع فاطن لقول الشاعر القديم فى لغة الحكمة :
قال الشاعر :
لست أدرى ولا المنجم يدرى
ما يريد القضاء بالانسان
غير انى أقول قول محق
وأرى الغيب فيه مثل العيان :
ان من كان محسنا قابلته
بجميل عوائد الاحسان
لقد رأينا أن نقول : أما آن أن نطارد أشباح أحلام اليقظة لنعترف بواقع اليم مر كمرارته النفسية ، بل الغرغرة ، ومالح كملوحة البحر الميت ، لا يكاد يبقى في جوفه أحياء من شدة ملوحته .
ثم ماذا ؟
قال - وهو صادق فى قوله : ( ان كانت التعاسة ظلا فاهابى الفارغ جسمها .
قلت : وان كانت هى جسما فهذا الهيكل ظلها أيضا ) .
هذه من الحكمة لسن الاربعين الاعتراف بواقع أمام محكمة اليراع . ومن الصغر حفظنا اشتقاق لفظ الحكمة من ( أحكمت الدابة ) أو هو كذلك !
اهاب فارغ :
الاهاب الفارغ الممتلىء بنفخ الهواء ويا لها من تعبيرات لغة الهواء أو لم يحمل الهواء المنطاد ويملأ شراع السفينة لتسير به من بلد لآخر وسار ببساط سليمان ، رخاء حيث أصاب .
قال : وتجلت تعبيرات الهواء عن تعبيرات
ألفاظنا الفارغة من كل شئ من الحكمة وأين نحن من اليونان القدماء ؟
قلت : لا نتعرض لحكمة اليونان ، نحن بقدر نطاقنا ، لنا كثير من الحكمة فى الشعر والنثر ، غير ان تعبيراتنا ، أجل تعبيراتنا نحن البؤساء ، لا تساوى معنى ولا وزنا ، فهى تشبه الهواء من ناحية فقدان الوزن ولكن يفضلها الهواء بسمو المعنى ) .
قال : ثم ماذا ؟
وخط الشيب !
ودارت بعد الاربعين معركة حامية الوطيس فوق ذلك الرأس بين ألوف الشعر الاسود وأبيضه . وتغلب الابيض على الاسود وتقلص الاسود وبدأ ينهزم هزيمة منكرة ،
ثم ماذا ؟
وكم تمنيت أن يكون ذلك الرأس قارة افريقية فى هذه الايام حيث تغلب الاسود وجلت ملايين البيض وبقيت افريقية سوداء بلغة المدح ، وليت رأسى بقى أسود مثلها ..
ليت !
قلت : هذه بعض الفلسفة من أحلام اليقظة أو ليس كذلك ؟ ممكن أن يأتى تفسير ان الشعر الاسود سيتقلص كليا مع نضارة اللون وسيخلفه الشحوب والقفول والذبول كما هو مدركى الآن !
لقد زعمت في القديم ان رؤوس بعض المسنين ملبسة بطاقية بيضاء مصمغة على رءوسهم ، وبدا هذا التفسير خاطئا حينما نطبقه اليوم .
فها هى ذى طاقية بيضاء من الشيب تحتل قمة رأسى بلا غراء ولا صمغ اللهم الا غراء الانكاد وصمغ الهموم الملازم لكل من أضنته المتاعب والهموم .. تلك هى سنة الله فى خلقه ..
لربما لغتنا هذه من التعقل ( شبه أفلاطونية ) ..
وما علينا الا أن ندرك أن حياتنا ظل يمر في صور شتى بتوالي الايام .
جريا على عادة جوهر الانسان وحياتنا جميعا بتفسيراتها الواقعية نسير بنماذج ثلاثة : طفولة ، صبا ، شباب ، شيخوخة .
نعم ، أنت فى النموذج الثالث قارب من آمالك ولا تكثر من أى كلام غير استعراض الصور والاصداء فى حكمة اقوالك .
صور وأصداء من النفس للنفس
وعلى رأس الاربعين همست لى نفسى بسؤال ذاتها لذاتها عندما كنت واقفا على ضفاف برزخ الأبدية ( أى المقبرة ) .
من أنا ؟ قلت لنفسى : حفنة من تراب بل أقل حبة رمل ، ثم نظرت الى البحر الأبدى فاذا هى موجة على صخرة الحياة فتلاشت ، ولكن السر لنفسى أعظم من أن يدرك بالمجهر ، حتى يكشفوا حقيقة تحليق أجوائك فكريا في الافق ، ثم سمعت
من نفسى نشيدها لذاتها وهى تقول : أو هى أرباحك ؟ قلت : لا أظن ، وانما سمعت وأنا أطل من نافذة الأوهام ما دوى به لحن الخلود :
لحن من اللاشعور وأى لحن من اللاشعور الاسم حرفه الاول هو الحرف الاول من السماء ، ومجموعات كلماته فى كلمة الماء له نغمة أكثر مما يفهمه الناس فى هذه الابيات ..
قلت : ثم ماذا ؟
لقد انتهى اللحن ولكن بقى الخلود ..
الخلود ليس لى ولا لك ، ولكن لمن وهب الخلود .
أو كما أقول في سن الاربعين غير ما قلته قبل السن الماضى من العمر حلم يقظة والباقى هو هذا الجواب :
من انا ؟
انا كحفنة ترب
كذرة في الهضاب
انا كجذوة نار
ولم تشع كالشهاب
ماذا أقول لصحبي
وقد سموا في السحاب
من موحيات بهمس
وسرها فى الاهاب
ومن يقل نهاهم
بطونهم كالقباب

