اعد نفسى محظوظا ذلك لان اصاحب هؤلاء الشبان وغيرهم منذ عشر سنوات ، فصلتى بهم اصبحت متينة بفضل هذه اللقاءات السنوية المتجددة التى تتيح لى الفرصة للتعرف عليهم اكثر فأكثر فيزداد ارتباطى بهم وميلى اليهم .
واعد نفسى محظوظا كذلك لانى بفضل هذه الصلة المتجددة انا نفسى اتجدد . اتجدد فى هوايتى بصفتى منتسبا الى اسرة هواة الادب ، كما اتجدد فى عمرى بفضل هذه العشرة الطويلة لهم ، فانها تبقى على شيئا من فتوة وفضلا من شباب ، وان تخطانى الشباب باشواط وفاتتنى الفتوة بابعاد .
فلدى اذن اكثر من داع لان افتخر واعتز وانوه بهذا الحظ . ان هذه الملتقيات التى تعقد منذ عشر سنوات صورة لما تمتاز به الاذاعة القومية من سعى دائب ونفس متصل بفضل الدفع المبارك الذى اراده السيد رئيس الجمهورية لها فكلنا يعلم مدى اهتمامه بهذا البرنامج ، ومدى شغفه بملتقياته ، ولئن حرمنا منذ سنتين متعة الاتصال به فى الملتقيين الأخيرين كما عودنا قبل ان يلم به المرض فاننا لم نحرم قط عنايته وتشجيعه .
وان كان لا بد من اشارة تاريخية لبرنامج هواة الادب وملتقياته فلا مناص من الاشارة الى الاسماء اللامعة التى سبقتنى فى هذه المسؤولية والتى خطت السبيل قبل ومهدتها فانا فى هذا البرنامج اسير على هدى من المرحوم مصطفى خريف والمرحوم احمد خير الدين والاستاذ محمد المرزوقى امد الله فى انفاسه . ولئن اختلفت بينى وبينهم اساليب العمل وطرقه فلا اخالنا الا متفقين على الجوهر الا وهو احتضان الناشئة الادبية واعدادها لحياة فكرية افضل فى مناخ حضارى انقى .
وان طرأ تجديد ما على هذا البرنامج فابرز وجوهه هذا الملتقى الذى نعيشه .
عقدنا اول ملتقى لهواة الادب فى صائفة 1963 بدار الشباب برادس ، ودفعنا الى ذلك تطلعنا الى التعرف على مراسلينا وتعريف بعضهم ببعض اكثر من اى دافع وحصل اللقاء وحصل التعارف ، وعقدت النية على تأسيس ملتقى (( لهواة الادب )) يجمع الادباء الشبان وحتى غير الشبان اياما معدودات تبسط اثناءه المشاكل وتدرس المسائل وتتجابه الآراء وتتلاقح الافكار.
ثم كانت الملتقيات فى ما بعد ، وتعددت وتطورت الى ان وصلت هذا الوجه الذى ترون ، ولسنا ندعى اننا نقوم بعمل عظيم وخطير ، ولكننا نفتخر باننا واصلنا عملا شاقا ومضنيا قل من يثبت فى حلبته ، وذلك بفضل تعلق هؤلاء الشبان بهذا الموعد ، وحرصهم على الاقبال عليه كلما اقبلت عطلتهم الصيفية . ولعل الكثير يتساءل : ما هو الجديد فى هذا الملتقى ؟ وما هى النتائج التى تمخض عنها ؟ . الجديد فى هذا الملتقى نوعان : جديد فى طريقة العمل ، وجديد فى العمل نفسه .
فاما بالنسبة لطريقة العمل فبدأنا هذه السنة تجربة جديدة تتمثل فى تكليف بعض الشبان المتطوعين لبسط مواضيع أدبية مما يشغل بالهم وبال زملائهم الادباء الشبان وتم ذلك فى محاولتين : (( الادب النضالى )) وبسطه الشاب محمد الشابى الطالب بكلية الآداب ، 2 ) و (( لغة القصة )) وبسطه الشاب مختار الزوارى الطالب بكلية الآداب ايضا .
والجديد فى العمل نفسه يتمثل هذه السنة فى وجوه مختلفة منها النشاط المتزايد الذى اتسم به المشاركون والصراحة فى الاصداع بالمواقف الخاصة والآراء الشخصية فى مختلف الاتجاهات الادبية وسعة الاطلاع التى برهن عنها بعض المشاركين وقد اكسب ذلك المناقشات عمقا وايجابية .
واما النتائج التى يمكن ان يسفر عنها الملتقى التاسع لهواة الادب فهى لا تختلف عن نتائج الملتقيات السابقة ، اذا اعتبرنا ان الادب لا يكال ولا يوزن ولا يعد ، وانما تقيم هذه النتائج بما نخرج به من كل ملتقى من اهتمام متزايد وحيرة متجددة ، واتهام للنفس مستمر . هؤلاء الشبان هم هواة الادب ، وقد حضرتم بعضا من اشغالهم فى ملتقاهم هذا ، ولا شك انكم لاحظتم الجو الدافىء حينا والحار احيانا الذى تجرى فيه مناقشاتهم ولا شك انكم تقدرون ثقل العبء الذى يحمل المشرف على هذه
المناقشات فكثيرا ما تتشنج اعصابه ويجف ريقه ، ولكنى أؤكد لكم انه لا شئ امتع للنفس من هذه المناقشات فبقدر ما تكون شاقة تكون ممتعة . ان شبابنا لا يشكو جمودا ولا تخديرا بل هو يفيض حماسا ويتدفق حيوية ونشاطا ، ولعلنا نحن الكهول حينما تشهد هذه الحيوية ترجع بنا الذكرى الى الوراء فنرى انفسنا فى هؤلاء الفتيان وعند ذلك نفهمهم .
ليس الشباب بحاجة اكثر من حاجته الى ان يفهم فاذا فهم سهلت قيادته وهان توجيهه ذلك ما احرص على تحقيقه منذ كانت لى هذه الصلة بالشباب . ان افكار الشباب جديرة بان يقف الكهول منها موقف الفاحص المتعمق . فالكهول مدفوعون بطبيعتهم الى الاستخفاف بطفرات الشباب والى الحكم على افكارهم : وذلك طبيعى . والشباب تواق بطبيعته الى التحدى والى التجاوز ويرى فى أفكار الكهول ركودا ورجعية : وذلك طبيعى ايضا . موقفان يبدوان متضارين متجابهين رسم بينهما حد ، وضرب سد ، وما دام هذا الحد مرسوما وذلك السد قائما فلا هروب من (( ازمة الاجيال )) ولا مناص من القطيعة . اما اذا محونا الحد وقوضنا السد فلا بد ان يقع الاتصال ويحصل الاخذ والعطاء ولن تكون (( ازمة اجيال )) ولن تحصل قطيعة .
لذلك أنصح الشباب والكهول معا ان قبلوا منى نصيحة ان يتخلى كل شق منهما عن كبريائه وصلفه ، وان يحاول ان يتقمص جلد الآخر ، وان يفكر تفكيره وينفعل انفعالاته ويطمح اطماحه ، فلن تكون النتيجة الا خيرا . لان الشباب طاقة والكهولة حكمة ولا بد للطاقة من حكمة توجهها ولا بد للحكمة من طاقة تحركها . وبهذه الصورة يحصل التكامل المنشود بين طاقة الشباب وحكمة الكهول .
منذ قليل كنت مع هؤلاء الشبان فى جحيم من النقاش والجدال كنت اروضهم لما تروض السباع ، ولكنى اشعر بما لا يمكن تصويره من الراحة والاطمئنان ، ذلك لان آخذ عنهم اكثر مما اعطيهم ، ولانى ايضا افهمهم ويفهموننى فأتأثر بهم ويتأثرون بى .
وبعد هذا كله : ايها الاخ الوالى ايها الاخوان ! يحق لى ان اتوجه اليكم باسمهم شاكرا لكم جمعا دعوتكم الكريمة لعقد ملتقانا التاسع بولايتكم ومنوها بالحفاوة والتبجيل اللذين تلقيتمونا بهما ، املا ان يترك هذا اللقاء فى مدينة صفاقس اثرا يذكر . اما انتم يا اصدقائى فالى اللقاء فى ملتقانا العاشر ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله .

