قال ارسطو : (( من المناقشة ينبثق النور ))
ان من أخطر ما لا يزال يلقى الى النفس العربية بالرغم من كل ما يحوط الفكر العربى الاسلامى من أخطار : ذلك الطابع من مواجهة الامور في بساطة ، مع أن فكرهم دعاهم الى الحذر والفطنة والتحرر في مواجهة حملات الاعداء التى تلبس دائما ثوب الملاينة وتغلف أصابعها الدامية بقفاز من حرير .
ومن ذلك القول بأن حركة التبشير والغزو الثقافي قد تكون معرضة للخطأ ، حيث لا عصمة الا لنبي ، ونجيء نحن فنلتمس لها المعاذير وندافع عنها .
ان من أخطر الاخطار أن ننظر الى أعمال التغريب هذه النظرة وندعو أصحابها الى توسيع آفاق البحث حول أغراض الغزو الثقافي وأساليبه وفي ذلك توجد عشرات الابحاث .
والقول بأن كل انسان معرض للخطأ ولا عصمة الا لنبى قول كريم ، ولكنه لا يقال في مجال أخطاء الموسوعات ودوائر المعارف الاجنبية ، ذلك ان الخطأ فيها انما هو مقصود ومتعمد ومن ورائه خطة كاملة وهدف بعيد يرمي الى تدمير مقومات هذه الامة .
وقد علمنا الفكر العربى الاسلامى أن نثق ونشك وفق ميزان الجرح والتعديل ، فالكتاب الذين ثبت زيفهم واتهامهم ، لا تؤخذ أقوالهم الا بحذر شديد حتى ولو غيروا أقنعتهم ، وكتبوا عن هامش السيرة بدلا من الشعر الجاهلى .. ونحن نلتمس العذر للكتاب الذين ثبت اخلاصهم وصدقهم ، اذا ما وقعوا في الخطأ ، وطبقنا عليهم قاعدة :
من أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران)). . أما دعاة التبشير والتغريب ، فان الامر معهم يختلف كل الاختلاف .
وهذه الموسوعات الاجنبية ، لم تكتب لنا أصلا ، ولم يقصد بها الا افادة دوائر الاستعمار والعاملين من الغربيين في البلاد الاسلامية ، وهى محشوة بالحقد ، وأغلب كتابها من المبشرين والمستشرقين الذين يعملون فى وزارات الاستعمار .
والهدف منها عندما تترجم توهين عقدة هذه الامة ، فهى تضيف مختلف الشبهات التى تتصل بالفكر الاسلامى الى صلب مادة هذا الفكر ، وتعتبر الزنادقة والباطنية والمانوية والمزدكية فقرات فيها ، وبالتالى فهى مادة من الفكر الاسلامى في نظر القارىء الذى لا يتعمق الامور .
وليس خطر تقدير (( الاجنبى )) فيما كتبه الاجانب وحدهم ، ولكن أشد منه خطرا ما كتبته الاقلام العربية أمثال فيليب حتي وجورج طنوس وجرجى زيدان وغيرهم .
فهؤلاء هم أداة التغريب في بلادنا ، وهم الذين أطلق عليهم عميد المبشرين في العالم العربى الدكتور (( صمويل زويمر )) : (( الشجرة التى لا يقطعها الا فرع منها )) .
وهناك موسوعات ترجمت ترجمة حرفية من أصلها الغربى دون أن يضاف اليها ما يفيد انها (( عربية )) أو ميسرة ، وهى في الاصل دائرة معارف كولومبيا ، فليقرأ القارىء مادة واحدة منها هى مادة (فلسطين) ليرى كيف ان فلسطين في تقدير هذه الموسوعة كانت ملك اليهود منذ أبد الآبدين الى اليوم !
وهذا من أخطر ما يوضع بين أيدى شبابنا .
ومن الحق ان شبابنا لا يعتمد على هذه الموسوعات ، ولكن الاساتذة في بعض المدارس التابعة للارساليات الاجنبية ، ولنا ألوف الشباب الذين يتعلمون فيها انما يتخذون من هذه الموسوعات مصادر لأبحاثهم لا مراجع فحسب .
وانى لأذكر هنا ما قاله الدكتور عمر فروخ مرة ، من أن الطالب في مثل هذه الجامعات اذا أجاب في الامتحان العام عن سؤال : (( هل هناك فلسفة عربية )) ؟ بكلمة ( نعم ) كان معنى هذا انه سيمضى عاما آخر في نفس الفصل !
ولا بد له من أن يقول ما قال رينان من ان الفلسفة العربية هى فلسفة أجنبية مكتوبة بحروف عربية .
فاذا قيل ان شبابنا يستطيع التمييز بين الحق والباطل ، قلنا : كيف وهو محوط بالاساتذة والكتاب الذين يحملون له آراء المستشرقين على أنها العلم الحقيقى ، وان مصادرنا القديمة هى من قبيل (( الكتب الصفراء )) .
ان هناك محاولة لاعطاء شبابنا ضوءا كاشفا على الطريق ، وان هناك بالفعل كتبا قد أحاطت بهذه الاخطاء والشبهات التى ترددت في مؤلفات المستشرقين والمبشرين وكتاب التغريب ، ويمكن لكل مثقف أن يسأل عنها ويقرأها ، وفي مقدمتها كتابات الدكتور محمد محمد حسين ، ومحب الدين الخطيب ، ومحمد أحمد الغمراوى ، وفريد وجدى ، والخضر حسين ، ولطفى جمعة ، وحسين الهراوى ، ومحمد المبارك ، وعمر فروخ ، وكاتب هذه السطور .
( وأصدق التحيات الى الاستاذ أحمد محمد الصائغ ) . .
( القاهرة )
