" رواية مسرحية ذات فصلين
أشخاص الرواية
الاستاذ خليل الاديب مراد تلميذه وصديقه لبيب احد الطلاب الجدد جمال كمال عزيز
زمن الرواية : القرن السادس عشر الهجرى
الفصل الاول
المنظر " غرقة بسيطة الأثاث تحتوي على منضدة وعدة كراسى مبعثرة ومكتبة فى طرف الغرفة . يبدو الاستاذ خليل جالسا على مكتبه مستغرقا في الكتابة إذ يظهر تلميذه مراد
مراد السلام عليكم
خليل " يخلل لحيته البيضاء " وعليك السلام . . ما معك من الاخبار يا مراد ؟ . . عساك اتيت لنا بشئ ؟
مراد " يأخذ كرسيا ويجلس بقرب منه " لم اتحصل على شئ ويا للأف ! . طفت كل البلاد وعرضت تآليفكم الجديدة على كل الناس . فلم يلتفت اليها احد ! . ويقولون لانها لا يحتوى على الصور الشائقة لا تصلح لشئ حتى ان رجلا كبيرا ذا حشمة ووقار قال لى : " لولا حرمة الحروف العربية لاخذتها فانها تصلح للف البضائع .
خليل " يضع قلمه ويمسك بلحيته ويأخذ يفكر "
مراد وكيف العمل الآن يا استاذ ؟ : لقد نضبت كل مواردنا واصبحنا لا نملك قوت يومنا . . وباي شئ نقابل هذا الشتاء الذي سيهجم علينا بصره وقره .
خليل " يلقي نظرة على ملابسه البالية " وكيف العمل ؟
مراد والله لاحيلة لنا سوى أن ابحث لك عن وظيفة " بواب " فى احد الفنادق فهي عمل يناسب سنك المتقدم ، ولا يمنعك من نظم القصائد ، ومواصلة الكتابة . وانا ايضا ابحث لنفسي عن عمل يناسبني ، ابيع الصحف اليومية مثلا فى الشوارع .
خليل " يفكر طويلا ثم يقول " هذا مستحيل يا مراد . أبعد تلك السمعة التى اكتسبتها وذلك الصيت الطائر اكون بوابا فى فندق ؟ .
مراد " متحمسا مالك وذلك الزمن ! فذلك عصر قد مضي ، وهذا عصر جديد لا يعرفك فيه أحد ، ولا يلتفت فيه لأدبك أحد ! ولو ولولا حرمة الحروف العربية لاشتروا اكتبك بالميزان ليلقوا فيها البضائع فانه لم يبق احد يعترف بهذا الأدب . فالادب اصبح اليوم شيئا آخر
خليل " مستفهما " اي شئ اصبح الادب ؟ !
مراد " متحمسا " اصبح الأدب في المظاهر ! في الملابس ، في المشي ، في الجلوس
خليل " يطرق برأسه ثم يقول " اذا كان الأدب هوى الى هذه القرارة فلماذا لانستغل اسمه ونعيش تحت انقاضة المتردمة ما يقينا كما عشنا من قبل تحت عظمته فى تلك السنين الذهبية
مراد فلو كان احدنا يحسن الخياطة او الحلاقة لأمكن ذلك . . اذ يمكننا اذن ان نخيط ملابس بشكل جديد ونسميها " ملابس الادباء ونخترع حلاقة جديدة على هيئة مخصوصة وندعوها " تواليت الأديب " ولكن انى لنا ذلك ؟ !
خليل " يصفقق بيديه مستبشرا " لا تيأس يامراد لا تيأس ! . " يقول هذا ويأخذ قلمه فيسطر عدة اسطر على ورقة يناولها تلميذه قائلا خذ يا مراد هذا الاعلان وانشره فى الصحف .
مراد " يتناول الورقة ويقرأ " كيف تكون اديبا فى ساعتين - الساعة باربعة ريالات فقط ، اقرب طريقة للانتاج الادبي الحديث ! ! ايها الشبان اقصدوا الاستاذ خليل بشارع النصر تحظوا بالادب الرفيع في ساعتين . المدة محدودة . بادروا ! !
مراد ماذا تريد ان تفعل بالادب الآن ؟ ! .
خليل عليك ان تنشر هذا الاعلان . وبقية العمل عندي . . " يخرج مراد مشمئزا مستفظا لهذا العمل الذي سيقوم به استاذه " ستار "
الفصل الثاني
المنظر " يبدو الاستاذ خليل في مكتبه المتواضع وبجانبه تلميذه مراد ينتظر حضور طلاب الأدب "
خليل " يلقي نظرة على ساعته الساعة الثالثة وربع ولم يحضر احد
مراد " يستيقظ من تفكيره العميق ويرهف سمعه " كأني اسمع طرقا خفيفا على الباب " يقول هذا ويخرج مسرعا ويسمع صوته من الداخل " تفضلوا ! ! الاستاذ في انتظاركم . . " يدخل مراد وبصحبته ثلاثة شبان وهم كمل وجمال وعزيز "
خليل " تبدو على وجهه علامات السرور ويقوم مرحب بتلاميذه ويجلسهم بقرب منه " أتيتم لتدرسوا الادب ! ! أليس كذلك ؟
جمال نعم يا استاذ ! اطلعنا على اعلانكم في صحف المساء فاسرعنا لنكرع من أدابكم الحديثة ما يروى ظمأنا . ولا يخفا كم ان اساتذة الادب الرجميين كانوا يفرضون علينا اشياء كثيرة مرهقة لا لزوم لها . فيوجبون علينا دراسة شئ اسمه " نحو " وشئ اسمه " صرف ؛ ويلزموننا بحفظ اشياء ثقيلة يسمونها " شعر " ويحتمل علينا مطالعة ضخمة ليس فيها رسم واحد ، وهي مشحونة بكتابات لا تفهم ، وحاجات كثيرة من نوعها لا تحضرني الآن اسماؤها .
خليل " يلتفت الى تلميذه مراد فيجده يلتوى غيظا قابعا في ركن الغرفة كأنه يصطلى على نار محرقة ، فيهدىء اعصابه ويسكن روعه ، ويخاطب احد الشبان مستفهما "
وهل يوجد الآن من يدعوكم الى هذه الدعوة الفارغه ؛
عزيز لا ادري . سمعنا الناس يقولون . يلزم على من يريد الادب ان يعتكف سنين طويلة على الدراسة ومن ذلك الحين كرهنا الأدب واعتقدنا انه لابدان يأتى يوم يبعث فيه مجدد له رفع عنه تلك التكاليف النقيلة . وقد تحقق املنا وانعم الله علينا بكم .
خليل " يلقي نظرة عابرة على مراد الذي كان يتميز من الغيظ . ويقول مبتسما . اشكركم على حسن ظنكم .
مراد " ينفجر من الحنق في ركن الغرفة ، الله اكبر ! مات الأدب ! . " يطرق الباب فيخرج مراد مكرها ليستقبل القادم وهو يردد " رحمة الله على الأدب ! ! رحمة الله على الأدب ! ! " ثم يعود معه الشاب نجيب فيهتف الجميع "
الجميع ها هو لبيب أفندي قد حضر ، لنبتدئ الدرس !
خليل " يفتتح الدرس " يقسم الأدب إلى قسمين : القسم الأول وهو قسم المظهر ، فينبغي إذن على الشخص الذي يريد ان يمثل اديب اليوم ان يرتدي ملابس انيقة . . " يلقي كل واحد من الشبان نظرة سريعة على ملابسه
" الاستاذ مستمرا " وان يستعمل نظارة ، وان يحمل قلم تحبير ، ودفترا صغيرا للمفكرات اليومية وبهذا يقطع الشاب شوطا كبيرا من مراحل الأدب هل فهمتم ؟
الجميع نعم . فهمنا يا استاذ
لبيب ما احلى الأدب ! ! ما أجمل الأدب : !
خليل " مسترسلا في تقرير درسه أما المرحلة الثانية فهي ان يحفظ الشاب اسماء بعض الادباء والشعراء المتقدمين وأدباء القرن الرابع عشر الهجري واسماء بعض مؤلفاتهم فيحسن به ان يعلم ان الرافعي - مثلا كان كاتبا اجتماعيا كبيرا ، وتأليفه " وحي القلم " في غاية من البلاغة ؛ وان شوقي كان شاعرا كبيرا كما يدل على ذلك ديوانه ( الشوقيات ) فمتى حفظتم اسماء عشرة أدباء واسماء بعض تآليفهم فقد استكملتم الأدب ، وبلغتم المقصود ! هل فهمتم ؟ ! .
الشبان جميعهم نعم ! فهمنا غير ان هذا أمر فيه عسر ويحتاج إلى وقت
عزيز اما يوجد عندكم طريقة أخصر واسهل من هذه يا حضرة الاستاذ ؟ لأن هذه الطريقة تكاد تكون رجعية
الاستاذ خليل " مستدركا " هذا إذا اردتم ان تكونوا من كبار الأدباء . . . أما إذا اردتم التوسط - وخير الامور أوساطها فيمكنكم ذلك بحفظ اربعة أسماء
الجميع حسن يا أستاذ : خير الأمور أوساطها
الاستاذ خليل هل تحسنون الكتابة ؟
الجميع طبعا ! ! قليلا ! . .
الاستاذ خليل " يملى على تلاميذه الدرس " شوقي شاعر كبير . . .
الجميع " يرددن العبارة مبتهجين ويأخذون في كتابتها ، شوقي شاعر كبير . .
الاستاذ خليل " مسترسلا " الرافعي كاتب اجتماعي كبير . . . طه حسين أسلوبه سهل ممتع . .
كمال أما يكفي هذا يا أستاذ ؟
الاستاذخيل يكفى إذا شئتم
الجميع " يطبقون دفاترهم " كفي ! ! كفى . . يا استاذ (البقية على الصفحة )
بقية المنشور على الصفحة ٢٤ الاستاذ خليل " يقبض من الشبان آجرة العمل ويخرجون مبتهجين يكيل بعضهم لبعض القاب ( الاستاذ ) او الاديب كيلا وافيا " " ستار "
( تمت )

