الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

أدباؤنا فى الجيل الماضي والحاضر، عود على بدء

Share

تكلمنا فى الجزء الماضى الممتاز من مجلة المنهل الغراء عن (أدبائنا في الجبل الماضي والحاضر) - وأوجزنا ما استطعنا في المقارنة العامة ولم ينقطع بنا النفس الاستطرادي حتى ألممنا إلمامة عاجلة بهؤلاء وأولئك من الذين كانوا رمزًا للأدب والأدباء وعنوانًا على سفرهم أول عهدنا بالحياة وقد اتسع لنا صدر المنهل فأتبعنا البحث الأول بالأخير إحياء لذكرى السابقين الاولين من أساتذتنا الماضيين ، وأدبائنا الراحلين والمسنين - بارك الله في أعمارهم - ونفع بهم . .

فممن أدركناهم في الجيل الماضي أدباء فقهاء علماء ظرفاء في آن واحد . كان أحدهم إذا لاقاك أو لاقيته يترقرق ماء البشاشة في وجهه كأنك تعطيه الذي أنت سائله . فبينما تراه في حلقة الدرس يتدفق متنًا وشرحًا ، وتعليقًا وتطبيقًا ، ويمينًا وشمالًا وإجابة وسؤالاً إذا بك تراه بعد ذلك بهيكله ووقاره يقضي حاجة أهله بنفسه ما بين (السوق الصغير) و(المنشية) . . لا يتأفف أن يحمل زنبيله ، فى يده إذا كان رقيق الحال وإذا ضمّك بهم أو بأحدهم مجلس سمر أو كانوا بين " بشكة" في " نزهة " أو قضاء عطلة كما يقول المتأخرون فهناك الطرف والنوادر ، وتوارد الخواطر وتعدد المناظر ، وهل أتاك نبأ القوم وهم من كبار الرجال وفطاحل حملة العلم وطلابه وقد توسطوا حلية الألعاب الرياضية وأخذوا يعدون ويقفزون ويلهون ويطربون شأنهم شأن أحفادهم وأولادهم في مضمار الدعابات والمسامرات والترفيه والفكاهات ينزلون إلى مستوى صغارهم للاستجمام تارة ، ولإدخال السرور إلى قلوب رفقائهم وخلصائهم وذوى قرباهم ...

وإن أنس لا أنس - يا صديقي القارئ - بعض المزايا الفذة التي أخذت تتضاءل وتندثر فقد كان بين أدباء الجيل الماضي أشخاص عُرفوا بالجَلَد والمثابرة على حفظ

الأدب في فنيه المنظوم منه والمنثور ، والمرسل والمسجوع، والمصنوع والمطبوع فهم يسردون لك ما يستثير عجبك وإعجابك؛ أذكر من بينهم وللعهد الأخير الشيخ طاهر الصباغ ، والشيخ حسين ميمش ؛ تغمَّدهما الله برحمته ورضوانه . هذان الرجلان الكريمان كانا آية في التغني بالقسط الوافر من (مقامات الحريري) ومن شعراء الجاهلية والإسلام مع إفاضة فى شرح الغريب منهما وتعمق في استذواق أساليب العرب وعرضها فى حُلّة قشيبة من الأداء وحسن الإلقاء حتى ينتقلا بالسامع الى مجامع عكاظ ومجنة وذي المجاز . . ولا يفرغان من شيءحتى يطالبا بأشياء . وسبحان من له الدوام !!

وخذ مثلاً رائعًا على التأنق فى الزي والمبالغة في حسن السمت وجمال القيافة . وسنة النظافة . وقد كان الشائع الغالب في جمهور المهذبين والمثقفين أن لا يبدو بين الناس وفي الأوساط والأندية والمجتمعات والمساجد إلا من يأخذ زينته ويستكمل أناقته ؛ وحتى أولئك الذين هم من طبقات العمال والمشتغلين بسواعدهم والذين ينضحون عرقًا خلال ساعات النهار لايكادون يفرغون من أعمالهم حتى يعودوا غير ما كانوا فتراهم وقد ارتدوا أجمل ملابسهم وانطلقوا في شِعاب مكة ومنازلها ومجتمعاتها يتبادلون الحكايات ويتناوبون الروايات في أشكال خلابة وأوضاع شائقة . خذ مثلاً على وجه الخصوص في الطبقة الممتازة العليا وهي التي تأثرت بمن قبلها واندمجت فى بيئة مزدوجة وانصهرت فى بوتقة المجتمع الراقي المفصل - السيد عبد الملك الخطيب - وكان إلى جمال خَلْقِهِ وخُلُقِهِ عذبَ الحديث منطلق اللسان خسروائي البان واسع الاطلاع مهذب الحاشية رشيق الأسلوب لا يكاد ينطق العامية ألبتة فكل عباراته عربية فصحى حتى مع خادمه وأهل منزله لا يتسامح في ذلك لا في خلوة ولاجلوة . . وفضيلة مولانا السيد صالح شطا سليل بيوت العلم والفضل والإيثار وصاحب المواقف الخطابية والشجاعة الوطنية والأخلاق المرضية المثالية - أمد الله في حياته والحاج محمد علي رضا زينل صاحب مدارس الفلاح في الشرق العربي وفي الهند والبحرين وحضرموت ذلك الرجل الموهوب الموفّق لكل عمل خيري والذي يعتبر بحق قدوة حسنة ومثلاً صالحًا

لكل جيل وقبيل ! ! وحسبك أنه الرائد الأول منذ أربعين سنة خلت والمؤسس الذي ناضل وكافح وثابر ونافح في سبيل محو الأمية وإشاعة العلم وتزكية الأخلاق وتقوية العقائد الصحيحة في قلوب النشء ، وحسبك أنه استطاع أن يهيئ للبلاد أكثر من ٥٠ فى المئة أو ما يزيد كثيًرا عن ذلك من خريجي (فِلاحة) ليكونوا هم الرؤساء في المراكز الممتازة والدوائر العليا - وأنهم اليوم دون استثناء أصحاب الكلمة المسموعة والمكانة المرموقة في جميع المراتب والمناصب في الجملة من خليج فارس إلى البحر الأحمر ، وممن ملئت به الأسماع ولا تزال العيون تقر به ، فضيلة الشيخ محمد حسين نصيف وجيه الحجاز وبحّاثته الكبير صاحب المكتبة النصيفية الممتعة والدار التقليدية الكبيرة العامرة الممرعة في جدة والضيافات التاريخية الجامعة والذي هو همزة الوصل بين كبار الأدباء والمؤلفين من شرقيين وغربيين ؛ وإن ساعة يقضيها المتأدب بمجلسه الشائق لتعدل شهرًا - ولا كشهر العسل ! ! بين الجداول والحياض والأزهار والرياض والملح والأحماض . . فمن حديث تاريخي إلى نكتة أدبية إلى دعابة ساحره . . ومنهم علامة عصره ونابغة جيله أستاذ الأساتذة الشيخ محمد حسين الخياط مؤسس المدرسة الخيرية . تلك المدرسة التي حوّلت بعد إلى (المدرسة الراقية) في العهد الهاشمي ثم إلى (المعهد) فى العصر السعودي، ذلك العبقري نسيج وحده وباذر نواة العلم والأدب في العقد الثالث من هذا القرن في نظام عصري يتمشّى مع أرقى المدارس في إبان حركة الدستور وانطلاق العقول من عِقالها بعد الانقلاب العثماني.

ولا أبالغ إذا قلت إنه كان شخصًا ذا حساسية مرهفة وحركة دائبة وبلاغة مُفحمة وإدراك بعيد وناهيك أن يكون من طليعة تلاميذه ، وزهرات خمائله ونفحات نسائمه - سعادة أمين العاصمة ومدير الأوقاف العام (عريفي) الشيخ عبد الرؤوف الصبان .

ويأتي معهم ومن بعدهم صف كالبنيان المرصوص لا يعوزني فيهم أن أطيل عنهم الأسانيد أو النصوص فما احتاج النهار إلى دليل ! ! السيد محمد علي الكتبي عضو مجلس الشورى صاحب الخطوط المشرقة والأخلاق المونقة وكفى به روعة

مظهر ورونق منظر في شيخوخته بله شبابه ، وما راء كمن سمع . فما رأيته إلا تمثلت الفتوة في عنفوانها والكرامة في إيمانها ؛ والوقار في طيلسانه .

وشيخنا الأستاذ الصحفى الكبير والذى يجب أن ننصفه فنقول عنه بحق إنه عميد الصحافة بالنسبة لأوليته وسنه وعلمه وفنه مع الاعتذار إلى عمدائها المعترف بهم حديثًا : إنه الفقيه الورع والكاتب المبدع والعالم المتبحر والأديب الضليع الشيخ الطيب الساسى عضو مجلس المعارف الأعلى ، وصاحب الرحلات البعيدة المدى ورئيس تحرير أم القرى (وكل الصيد في جوف الفرا) . . وأنه للمدرس المصقع ، والمحاضر الفنان .

وبعد ؛ فإن من أولئك الأدباء رجالاً لم يحترفوا الأدب للارتزاق ولم ينفردوا أو يقتصروا على الأصح على أن ينظموا القوافي أو يدبجوا المقالات، وإن كانوا على تفوقهم ونبوغهم وروايتهم ودرايتهم أصحاب علم واسع وأدب خلقي كريم وزي عربي وسيم . ومنهم من طوتهم بطون الأرض . وأطبقت عليهم الجنادل وانقطعت أعمالهم في الحياة الدنيا ولا تزال آثارهم ناطقة بما درسوا ومارسوا ، وعالجوا (وعاوسوا) !! . ومنهم الشيخ محمد ماجد الكردي مدير الأوقاف العام وصاحب المكتبة الماجدية . . والشيخ أحمد القاري قاضي مكة والشيخ عبد الله كمال قاضي الطائف . والشيخ عثمان قاضي مدير البرق والهاتف بالطائف والشيخ حسين باسلامة صاحب التآليف التاريخية والسيرة النبوية والنظريات الصعرية . . والشيخ حسين الصبّان وقد كان شاعرًا لا يُشقّ له غُبار . ويطول بنا الكلام لو أردنا الإحاطة والاستيعاب . وحسبك من القِلادة ما أحاط بالعنق.

ويبدو أن مفهوم الأدب في بلادنا ظل إلى عهد قريب - وبالأصح إلى أوائل عصرنا الحاضر مفهومًا واسعًا شاملاً لا يعنى ما يقول به الماضُون - من تعريفه بالتعاريف العلمية المحدودة - ولا ما يعنيه المحدثون من جعله صورة صادقة للحياة في أدق أشكالها في نطاق لا تحدّه الأجناس والألوان والظلال والبلدان ولا يتقيد بالشعر فى مختلف بحوره ؛ ولا بالنثر في شتى أساليبه ، وإنما هو الأدب الذي يجمع إلى مفهوم الماضين والمحدثين أيضًا ، ما يسبغه عليه (علم الأخلاق) من أوصاف

تكاد لا تعدم النسبة إلى الوصايا الشرعية والحكم التربوية ، على أساس صحيح من (هدي الرسول) فى قوله صلوات الله وسلامه عليه : (أدَّبني ربَّي فأَحْسَنَ تأديبي)

وإنها لمفاجأة مبهتة - أن يتواضع جيل من الناس في بعض الأقطار على أن يتابعوا الغرب في بعض ما لا ينكره عليه إلا المتدينون ، وأن يطلقوا (الأدب) حتى على ما هو في الواقع ريبة ومنكر وسخرية واستهتار وخلاعة ومجون وبلاء وفتون ؛ وينبزونه بنعت مميز ، وعلامة فارقة فيقولون عنه : إنه (الأدب المكشوف)  وقصارى القول أن كل بيان منظوم أو منثور لا يكون في حقيقته داعيًا إلى نصرة الفضيلة ومحاربة الرذيلة والإشادة بالمجد والدعوة إلى الحق والتواصي به لا يصح أن يُسمّى (أدباً) ولا الشادون به (أدباء)

هذا إدراكنا على ضيقه ، ونحن به راضون . وعن سواه معرضون والحمد لله الذى جعل لنا من أدباء جيلنا البارزين أعلامًا نفاخر بهم في كل فن من فنون الأدب البعيد عن الأهواء والأوباء . ولنا فيهم كبير الرجاء أن يقودوا نهضتنا الثقافية إلى المستوى الذي يتفق وطهارة بلادنا المقدسة وعنعناتها التاريخية وإنهم بحول الله ومعونته لفاعلون إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية