٣
امتازت جلسة هذا اليوم بانها كانت جلسة هادئة ساذجة تتجلى فيها روح بعض الادباء المهمومين ، لأنها كانت مخالفة لكل ما عرف عن تلك الجلسات ، فلا قاعة للمحاكمة والمرافعة ولا جمع غفير يحتشدا احتشادا ، ويتكدس فوق الكراسي تكديسا يذكرنا بحفلات عنتر بن شداد وبيبرس فى ليالي الف ليلة وليلة . .
كانت بريئة وبعيدة عن التعقيد الفكرى ، لأنها فى العراء فوق هذا التراب الصافى الذى هو اصفى من عين الديك ، فان دلت على شئ فانما تدل على روح المسامحة المنتشرة بين الحاضرين .
وهناك خيمة منصوبة - زعموا انها " احتياطى " للذين ينصبون من الادباء اثناء المرافعة أو عقب المرافعة . وقد كتب عليها بخط لا يقرأ الا بعد لأى : " خيمة بعد المناقشة " .
يدخل ثلاثة من الادباء : الاستاذ فؤاد شاكر مؤلف كوداك الحياة ، وبعده يدخل صديقنا السيد هاشم الزواوى بعد ما طاف بالارض كما طاف ماجلان " ثم الاستاذ عبد الله المزروع . . فؤاد شاكر - اننى صحفى قديم ولى مؤلف فى هذا الفن الرفيع مترجم الى لغة الاسبرانتو والاسبيرو
الأديب الزواوى : يبدولى انه معجم ، مادام قد ترجم الى اللغات المذكورة . الاديب المزروع - ان الكتاب مفيد ويستحق الاستاذ عليه جائزة وعلى فكرة ، هل سمعتم بالادب الرمزي وأدب الفحالزم وادب الوطوطة ثم هل لاحظتم ان فى هذه الخيمة دليلا على تقوس افكارنا . . لنسترح قليلا ايها الرفاق وهنا يدخل الاديب حسين عرب ، وهو ينشد الحانا من نظمه ويحاول
توقيعها فتعرو الحضور هزة سرور ويهم الاستاذ المزروع ان يزامله فى النشيد
حسين عرب - المسألة مسالة حياة ادبية قويمة ؛ ليكن رائدنا جمال الفكرة وجمال الاسلوب وجمال الهدف وجمال الحق وجمال الخير والفضيلة .
ويبدو من وراء الخيمة شاب يصحبه شاب آخر ؛ واحد هذين الشابين الأستاذ الآشى والأخر هو الاستاذ محمد عرب ، وكلاهما يقف مستطلعا ، وكان ثانى الاثنين أديبا بارعا من بناة الادب الحديث فى هذه البلاد وقد هجر ما شارك فى بنائه قبلا مدة مديدة من الزمن ولكنه عاد ليمد " المنهل " الادبي بغيض قريحته من جديد ( .
المزروع ) وقد لحظ القادمين ( - حييتما ايها الاستاذان . تفضلا ، فلكل اديب فنه الخاص ، وطابعه الخاص وهذا " معرض " رائع من " معارض " هذا الفن العظيم . الاشى - اسمعني ، اقل لك ان كثيرا من الادباء طابعهم حب القراءة ، والقراءة الجيدة الرتيبة ، والمنتجون على لونين : انتاج قيم وانتاج سخيف . محمد عمر عرب - حقيقة ان موازين الادب ، شعرا ونثرا ونقدا يختلف عن موازين الاشياء الاخرى ، فمرجعها الذوق الفنى ، الذوق المجتمع ، الذى يعرف كيف يميز الطيب من الركيك بما لديه من عمق دراسة وشعور مرهف
حسين عرب - الأدب والصحافة الراقيان هما من اسباب الرقى لكل امة . المزروع - انا اسف يا استاذ عرب لانك ربما قرأت مقال يعقوب قام فى احدى الصحف المصرية قبل بضع سنوات بعنوان ) الشرق نكبته الادب وقبل هذا المقال كتب الرحالة امين الريحانى مقالا يقول فيه : " انا الشرق عندى فلسفات ، عندى نقدات ، من يبدلني بها طيارات ودبابات " !
الاشى - يظهر ان الاخ المزروع يرشح نفسه ليكون عالما من علماء الذرة . ويفتش لنا عن " الاورانيوم " و " تهشيم الذرة "
) يسمع صوت ات من بعيد ( وهو يقول :
لغة العرب اذكرينا واذكرى مافات كيف ننساك وفينا نسمة الحياة
إنه صوت احدهم
