∎ ذكريات ∎ وآراء ∎ وحكم
١ - ذكرى اشتغالى بالادب :
عندما بدأنا الادب قبل أربعين سنة اتخذنا اليه الطريق الصحيح ، فحفظنا النصوص شعرا ونثرا ، حفظنا المطولات من القصائد ، والمقطوعات من الشعر ، والحكم والامثال ، كما حفظنا سورا وأجزاء من القرآن ، وعشرات ومئات من أحاديث سيد البلغاء محمد عليه الصلاة والسلام .
ولم يكن ذلك ميز أحدنا على الآخر من ناشئة ذلك الزمان ، بل كنا فى هذا الميز سواء .
وكنا نتنافس فى قراءة الصعب من المقالات والكتب ، ونتبارى فى حفظ المطولات ، ونتناشدها .
وقرأنا الى جانب ما قرأنا الادب الحديث لاساطينه ، ولم نكن نتعصب لاديب منهم ، فكنا نقرأ ما يكتبون ونحتفل به كل الاحتفال ، وقرأنا ما كتب طه حسين والعقاد والمازنى وهيكل والزيات والبشرى وسلامة موسى وجرجى زيدان وحافظ وشوقى موسى وجرجيدان وحافظ وسوفى وشكرى ومطران وأبو شادى والزهاوى
والرصافي والعبيدى والكاظمى وكرد على وخليل مردم وشفيق جبرى ونعيمة وجبران وأبو ماضى وعشرات غير هؤلاء .
وكنا نزور أدباءنا الكبار مثل الآشى والعامودى وعمر عرب ، ونتزود مما وهب الله لهم من الخلق الفاضل والادب الرفيع والثقافة العالية والعلم الواسع ، وكانوا أسخياء كراما ، لا يبخلون علينا بتشجيع ، وكانوا سعداء بصبوتنا الى المعرفة ، وعشقنا للعلم .
ولم نتعجل الشهرة والكتابة في الصحف . وقبل أن ينشر لى أول مقال فى صحيفة كنت قد سودت عشرات الدفاتر ونظمت عشرات القصائد والمقطوعات .
وعن لى أن أجرب حظى في النشر ، فكتبت مقالا وبيضته مرة بعد أخرى حتى رضيت عن المبيضة الاخيرة ، واتخذت سبيلى الى ادارة جريدة " صوت الحجاز " بالشبيكة ، ولم تكن بالمملكة جريدة أهلية سواها ، وكان رئيس تحريرها الاستاذ أحمد السباعى ، وتهيبت مقابلته ، فهو من كبار الادباء ، ونحن ناشئة صغار ، وأخيرا تشجعت واقتحمت مكتبه المفتوح بابه دائما ، وسلمت ، ووقفت أمام مكتبه الكبير ، وقدمت اليه المقال فى خوف وحياء ، وتناوله ، وفض الطرف وأخرج المقال الذى كتبته بخط رائع جميل . ثم نظر الى وقال لى : قل له وصل المقال ، فقلت له أنا كاتب المقال ! ولم يصدق ، فأمرنى بالجلوس ، فامتثلت !
وانصرف الى المقال يقرؤه بامعان ، ولم يصدق ان من يجلس بين يديه كاتب المقال ،
والشيخ السباعى لا يؤمن الا بالسيف ، فأعاد الى . المقال وأمرنى ان اقرأه .
وقرأته . لم الحن ، ولم أغلط ، فلم يتمالك نفسه من الاعجاب ، وكان بين يديه الجزء الاول من كتاب ( الريحانيات ) لامين الريحانى ، ودفعه الى ، هدية قدر وتكريم ، واحتفى بى وطلب لى الشاى ، وانصرف الى ، بكل نفسه ، وأمطرنى بوابل من الاسئلة : لماذا نصبت هذه الكلمة ؟ ولماذا جررت تلك ، ولماذا جزمت ؟ وما اعراب هذه الكلمة ؟ واعرب هذه الجملة .
وخرجت من امتحان الاستاذ السباعى بدرجة الامتياز ومرتبة الشرف . ورفعنى الى مقام البحث ، فسألنى عن الكتب التى قرأتها وأقرأ من الادب الحديث . ذكرت له كتب اساطين الادب الحديث فى المشرق العربى وفى المهجر .
وكان الاستاذ السباعى مولعا بجبران خليل جبران ، ويحفظ له بعض شعره . فلما ذكرت له الاسماء وبينها اسم العقاد والمازنى وجبران سألنى عن جبران . فذكرت له ما قرأت من كتبه . فاختبرنى . وذكرت له قصيدة " المواكب " التى يحفظ الاستاذ السباعى بعض مقطوعاتها وكنت أحفظها كلها .
وكان الاستاذ السباعى مولعا بالمازنى ولوعا عظيما . فسألنى عما قرأت من كتبه . وسألنى عن بعض موضوعات بعض كتبه . فأجبته . واعجب السباعى بى اعجابا لا حد له .
ولم يكن السباعى فى ذلك الوقت معجبا بالعقاد اعجابه بالمازنى وجبران . ولكنه كان
قد قرأ له بعض كتبه ، وناقشنى وناقشته .
وكان من أكبر المشجعين لناشئة ذلك الزمان ، وكان يحضر ندواتنا ، ويخطب فيها ، ويناقشنا ، ويتسع صدره لنقاشنا .
وكان ذلك فى أوائل الخمسينات
وكان من زملائى الاساتذة حسين عرب وعبدالله عريف وعبد السلام الساسى وهاشم زواوى ، أما الاستاذ أحمد محمد جمال والاستاذ ابراهيم فودة فكانا من الرعيل الذى بعدنا برعيل .
ولما قرأت مؤلفات أساطين الادب الحديث ومقالاتهم فى الصحف أعجبت أكثر ما أعجبت بالعقاد وطه والمازنى وهيكل والزيات ، وكان العقاد أعظم الادباء والكتاب عندى ، وقد حفظت من شعره كثيرا ، ومن نثره أيضا .
وفى سنة ١٣٥٥ هـ كنت أحد أعضاء البعثة المسافرة الى مصر لتلقى العلم .
وفي صباح يوم الاحد ١٧ رجب ١٣٥٥ هـ ( ٤ أكتوبر ١٩٣٦ م ) أقلعت باخرة ايطالية من جدة الى السويس تقل أعضاء البعثة ، وكان عددهم عشرة ونصفا ، وهذا النصف ابن أحد الاعضاء ، وكانت تذاكرنا على سطح الباخرة .
ولم تسعنا الدنيا من الفرح ، ووصلنا السويس صباح يوم الاربعاء ٢٠ رجب ١٣٥٥ هـ ( ٧ اكتوبر ١٩٣٦ م ) وغادرنا
السويس الى القاهرة بعد ان تناولنا الافطار فولا وخبزا بدار القنصلية السعودية ووصلنا القاهرة قبيل الظهر ، ونزلنا بدار في شارع الدواوين قرب ميدان لاظ أوغلى .
وما كاد المقام يستقر بنا حتى طلبت الاستاذ العقاد بالتلفون ، وما كدت أسمع صوته حتى طرت من الفرح ، وأعطانى موعدا بمقابلته في اليوم نفسه بداره .
وفي الموعد المحدد كنت أدق الجرس ، ففتح العقاد نفسه الباب واستقبلنى استقبالا كريما ، وأهديته أول كتاب كان قد صدر لى في ذلك الشهر اسمه " كتابى " فتصفحه سريعا ، ورأى ما كتبته عنه ، وأهدانى كتابه " سعد زغلول " الذى صدر فى تلك الايام ، وكتب عليه هذه الجملة :
" تحية الى أدب الحجاز فى شخص الاديب السيد أحمد عبد الغفور العطار ، من المؤلف عباس محمود العقاد " والتاريخ ٧-١٠-١٩٣٦ م .
ومنذ ذلك اليوم لم انقطع عن زيارة العقاد وحضور ندوته اذا كنت فى مصر ، وتوثقت الصلة فيما بيننا وأصبحت من أكرم تلاميذه عليه ، وأصدق الاصدقاء لديه ، حتى انه كان يزورنى بمنزلى وبمطابعى بالقاهرة ، وما كان يصنع ذلك الا مع بضعة نفر من تلامذته وأصدقائه .
( للبحث صلة )

