الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

أدبيات, مع العقاد

Share

ذكريات واراء وحكم

وهذه ذكريات من تلك الذكريات :

٢ - عناية الله

كنت بمنزل العقاد في يوم ١٧ أكتوبر ١٩٥٦ قبيل الظهر ، وكان معى الاستاذان محمد طاهر الجبلاوى وعبداللطيف أبو السمح ، ذهبا اليه مع ليلقي العقاد النظرة الاخيرة على " ملزمتين " من كتابه " الشيوعية والانسانية " الذي يطبع في مطابعى بالقاهرة ، وكان الجبلاوى مندوب العقاد للتصحيح ، وأبو السمح مصحح المطبعة .

وبعد أن تناولنا الغداء معه - ومائدة بالعقاد حافلة - انتقلنا الى غرفة الاستقبال لتناول القهوة والشاي .

وأخذ العقاد يتحدث في " عناية الله " وقال : " عندما يعجز العلم يقدم لك الدين ما تطمئن اليه النفس "

ثم قال : " ليقل لنا العلم : لماذا لم يضرب الالمان القاهرة في الحرب العظمى الثانية وفيها قوات الحلفاء وقيادتهم ؟ ان العلم لا يستطيع أن يجيب الجواب الصحيح ، ولكن الدين قادر على الجواب : انه عناية الله " .

ثم قال العقاد : " سأريكم عناية الله التى ما يزال أثرها قائما حتى الآن " . .

واقتادنا الى غرفة مكتبه ، وأرانا بابا يفتح على شرفة صغيرة ، وفي زجاجها ثقب مستدير

على جوانبه ما يشبه الضباب ، وقال : هذا ثقب أحدثته رصاصة . وعجبنا ، وبدا على وجوهنا سؤال أدركه فقال :

" دق جرس التلفون بعد صلاة العشاء ، والتلفون في غرفة المكتب ، ولم أكن بها ، فأقبلت عليها ، وأضأتها ، ولم يكن باب الشرفة الخشبي مغلقا ، والذى كان مغلقا هو الباب الزجاجى ، ورفعت سماعة التلفون يبدى اليسرى الى أذني ، وكان جنبى الشمال على باب الزجاج ، وهذا الحوار الذى دار في التلفون :

- الاستاذ العقاد - نعم

- سيدى ، أنا من المعجبين بكم ، ولم يكن الى شرف زيارتكم ، وعندى مسألة علمية أرجو أن يتسع صدركم لى . . الخ . .

وقال العقاد : وبينا أنا فى الحديث سقط هذا المصحف ( وأشار الى مصحف فوق احدى خزائن كتبه ) فملكني الذعر ، وأردت أن أدركه قبل السقوط ، وانحنيت بسرعة ، فاذا رصاصة تخترق الزجاج وتنفذمنه ، واستلقيت على أرض الغرفة ، وحملت المصحف بيدى وزحفت الى مكان تدرعت به .

وقال العقاد : لو تأخرت ثانية واحدة بل أقل من الثانية عن الانحناء لادراك المصحف قبل وصوله الى الارض لنفذ الرصاص الى قلبى . .

ووقف العقاد بجانب الباب الزجاجى فاذا الثقب الذي فيه يواجه مكان القلب ، مما يدل على مهارة الرامى ، ودقة تنفيذ خطة اغتيال العقاد . وقال العقاد : ان الجناة درسوا مكان

سكنى وعرفوا طريقة محادثتي ليلا فى وعرفوا أننى لا أجل على الكرسى ، بل اقف  أمامه ، بجوار باب الشرفة لانه أقرب مكان الى التلفون .

وقال العقاد : ان الجناة عرفوا اْننى سأرفع سماعة التلفون بيسراي ، فاستهدفوا موضع القلب ، واختاروا راميا مسددا لا يخطئ هدفه ، وليلة ترك فيها باب الشرفة الخشبى مفتوحا .

وقال : أليس هذا عناية الله ؟ ان كل علوم الدنيا لا تستطيع أن تفسر لى وتعطيني جواب أسئلتى : لماذا لا يسقط غير المصحف ؟ اذ لو سقط أي كتاب غيره لما انحنيت له قبل السقوط .

ولماذا لا يسقط الا المصحف والا في هذه اللحظة ؟ وما الذى أسقطه ؟ لا فئران في منزلي ، واذا كانت فيه فلماذا لا تختار غير المصحف ؟ ولماذا لا تختار الا هذه اللحطة فتلقى المصحف لأسرع بالانحناء لالتقاطه قبل أن يصل إلى الارض فتخطئنى الرصاصة ؟

من أدرى هذا الذى تسبب في سقوط المصحف أن العقاد سيملكه الفزع من سقوطه فيسقطه فى اللحظة التى يتهيأ الجانى لاطلاق الرصاص ، ليبادر العقاد بالانحناء وليتلقاه قبل سقوطه لتخطئه الرصاصة ؟ أسئلة لا جواب لها الا عناية الله .

٣ - ذلك فارق الايمان

قال الاستاذ عبدالرحمن صدقي للعقاد : أرجو أن تفهمني أمرا حيرنى . ان الاستاذ العطار زارنا يوم أمس والطانرات البريطانية تملأ سماء مصر الجديدة ، وتطير منخفضة كما رأيت ، وتمطر مطار القاهرة القريب من

منزلي بالقنابل ، وتحطم من دويها وتخلخل الهواء زجاج المنازل ، ومنها منزلنا ، وأصر الاستاذ العطار أن ينقلنا من سكننا الى سكنه بالروضة أو الى دار أخي عبدالرزاق صدقى المجاورة لداره خوفا علينا ، واستجابت زوجتى لانها كانت شديدة الذعر ، واستجبت لاستجابتها ، وانتقلنا الى دار أخي ، فماذا كان الخوف علينا حمل الاستاذ العطار على أن يقترح علينا مغادرة مصر الجديدة الى مكان آمن ، فلماذا لم يخف على نفسه حينما زارنا بمنزلنا والطائرات تطير فوق رأسه ، ودوى القنابل والانفجارات يصم الآذان ؟ لماذا لم يخف على نفسه وخاف علينا ؟

فأجابه العقاد : ذلك فارق الايمان بينك وبينه ، الايمان أبعد عنه المخافة التى أغرقكم فيها ضعف الايمان .

٤ - أصح وأقرب

سأل سائل بندوة العقاد وكنت حاضرها : ما معنى حقيقة كلمة " عطيل " التى سميت بها احدى مسرحيات شكسبير الشهيرة ؟

فأجابه العقاد : لعل أصلها " عبدالله " فسقطت الباء عند النطق بها فى الايطالية ، فصارت " عدالله " ونطقوا بها " عت الله " م صارت " أوتلو " التى كان اصلها " عبد الله " ما أدرى على ماذا اعتمد الاستاذ خليل بطران عندما نقلها الى " عطيل " فى العربية ؟

فقلت : ألا يجوز أن " أوتلو " أصلها عطاء الله " وهو اسم معروف ، وعندما نقل اسم الى الايطالية صار " أوتلو " وعربها

مطران الى " عطيل " ولو رده الى أصله " عطاءالله " لكان أولى ، والعامة تقول : " عطاءالله " وهو قريب من " أوتلو " . فقال العقاد : يجوز ، وهذا اصح وأقرب .

٥ - المصارى والمصريات

قال العقاد : السوريون يسمون النقود : " المصارى والمصريات " نسبة الى مصر ، وسبب التسمية أن الجنود المصريين عندما كانوا مع ابراهيم باشا في سورية كانوا ينفقونهم  نقودهم بسخاء ، فسموا النقود باسم المصارى والمصريات ، نسبة اليهم .

٦ - العقاد وكرد علي

محمد كرد على أحد كبار رجال العلم والقلم فى سورية ، وكان - رحمه الله - عضوا بالمجمع اللغوى المصرى ، وفي احدى حفلاته ألقى محاضرة بليغة تحوى بعض آرائه ونقداته لتعبيرات لم تعرفها العربية حسب رأيه ، وقال ما معناه : ان العربية لا تعرف قول المعاصزين : فلان مثل أعلى ، وهو المثل الاعلى في كذا ، وجملة " المثل الاعلى " غير عربية ، بل هى دخيلة عليها .

وهنا وقف العقاد وقال بصوته الضخم : يقول الله تعالى : " ولله المثل الاعلى " و " له المثل الاعلى " ثم جلس .

فصفق الحاضرون طويلا اعجابا بسرعة بديهة العقاد ورده المفحم ، ورجع الاستاذ العلامة كرد على عن دعواه . .

اشترك في نشرتنا البريدية