مشكلة التعبير أولى المشاكل التى يواجهها المؤلف مهما كان ذلك أن بين الواقع الموصوف والكلمات الواصفة له مدى . وبين روح الكاتب وروح القارىء شوط لا يتجاهلهما الا مكابر ولا ينكرهما الاجاهل . من أجل هذا الشوط وذاك المدى يشعر الفنان مهما كان بوحدته فى رسالته ومنهما يستوحى حريته فى انتاجه
يصطدم الكاتب الجزائرى بهذه المشكلة اصطداما ويعسر عليه أكثر من على غيره حلها سواء أكان عمد الى الكتابة باللغة الفرنسية مختارا أم كان أكره على ذلك اكراه من لم يجد قدرة على استعمال أداة تعبير غيرها .
واختلفت فى الحكم على ذلك آراء الكتاب الجزائريين أنفسهم بين متفائل مع كاتب ياسين الذى يرجو - وفى صراحته جسارة - من هذا " التناقض الثمين أن ييمن بيمنه قرانا بين مدنيتين ما رأينا منه بعد الا باكورة ثمراته " .
وبين منشائم من ذلك الوضع ساخط لمقتضياته ، الا أن الكل قد ينفقون على الاعتراف بحقيقة عبر عنها ياسين بقوله : " العدد الاوفر من ذكرياتي وأحلامي وآمالى ومناجياتى يتعلق ببلادى . فبديهى اذا أن أكون أشعر بها - فى مظهرها الاصيل - فى لغة بلادى ، أى العربية . لكننى لا أستطيع أن أصوغها فى تعبير أدبي الا عن طريق اللغة الادبية الوحيدة التى أتقنها أى الفرنسية " .
ذاك الواقع الرهيب ، لاخجل من الأمر ولا وجل ، هو الواقع الذى يرتكز عليه فن بلغ الكمال فى نوعه هو فن الادباء الجزائريين الفرنسى اللسان عرفوا وحدة الفنان مكرهين فبلغوا حرية الفنان ملهمين
ذلك أن بينهم وبين قرائهم شاسع المدى ، فالجزائرى المتقن لللغة الفرنسية قليل والفرنسى الفاهم للواقع الجزائرى أقل
لكن هذا المدى ضمن لهم فى تعبيرهم حرية قد لا يبلغها غيرهم الا بعد عناء . فكأن طبيعة وضعهم حققت لهم استقلالا تاما عن قرائهم هو من شروط الانتاج الفنى الكامل
الا أن استقلال الكاتب عن قرائه أهون منالا وأيسر ادراكا من استقلال آخر لا يبلغه بل ولا ينشده من المؤلفين الانخبة . ذاك استقلال الكاتب عن نفسه
نريد تجرده عن احساسات وعواطف شأنها الطغيان على من يدعى الالهام الفنى من عامة الناس فيرون فى البوح فنا وما الفن فيها ، بل الفن صوغها وسبكها فى قوالب التعبير المواتية لها . وذاك ما بلغه بعض المؤلفين الجزائريين ، فكان أدبهم أدبا وكان منهم فنا . اذ واجهوا مشكلة التعبير فوجدوا لها حلا ، وما فازوا الا لانهم جددوا ، وما جددوا الا لانهم كانوا ثوريين فى أدبهم ، وما أكتفوا بأن يكونوا أدباء ثورتهم ، لذلك قلنا : " ثورة فى الادب "
من جبالنا طلع ٠٠
شاب ولد بأرض الجزائر وبها عاش ، عليها أحس ، وفيها تفكر ، منها ولها تألم وسعد . ثم بدا له ان احساساته وأحلامه تلك جديرة بأن يعبر عنها ، بل شعر بأن لا مناص له من التعبير عنها . . .
لو كان وليد باريس أو مرسيليا أو روما أو لندن لاعتقد في نفسه الموهبة ولأيقن أن مناديا من السماء يدعوه الى الانتاج الفنى ملحا ولرأيناه يرتمي على التأليف ارتماء . فينتج ما ينتج من الممتنع والمبتذل ، ويرابط بدور النشر حتى يفوز برؤية اسمه مطبوعا أسود على أبيض ، داعيا أفواج القراء الى مشاطرته رقيق احساساته والتعرف على بديع آرائه ، لكن صاحبنا وليد عنابة أو بجاية أو وهران ، مجاله غير تلك .
لقد فهم ، راضيا أو مكرها ، أن ليس بين مواطنيه الجزائريين - أى العارفين بالواقع الذى منه يستقى وحيه الادبى - الا أقلية تحسن القراءة بأى لغة كانت . فيئس من أن يجد فى الادب أداة تفاهم مع شعبه . وفهم أن ليس من بين القراء الفرنسيين الفاهمين لللغة الادبية الوحيدة التى يحسن استعمالها الا أقلية لها بالواقع الجزائرى خبرة غير خبرة الاوروبى المستعمر بمستعمرته لا خبرة الجزائرى المستعمر فهو يائس من أن يشاطره قراؤه آراءه واحساساته
أولهما أنها تنزهه من الغباوة ، اذ تجعله لا يطمع في أن يهز كتابه الجماهير هزا ولا حتى أن يجد من القراء تفهما وعطفا يغيانه عن الاجتهاد والعبقرية
ثانيهما أنها تضمن له حريته الفنية اذ ترفعه عن أن يقتفي في أسلوبه الادبي طرق الابتذال أو أن يخشى الابتكار فى تعبيره سعيا وراء ارضاء قارىء يعرف الواقع الموصوف أو يظن أنه يعرفه فلا يقبل تصويره الا كما يتصوره
فمن مقتضيات هذا الوضع ان لم يتجاسر على التأليف من الجزائريين الانخبة أهلها العقل لذلك وأهلتها العزيمة.
نخبة موقنة بما يستوجب النجاح الادبى من المقدرة الفنية ، شاعرة بأن العبقرية وحدها تغزو جماهير القراء غزوا فلا ترجو عطفا ولا حنوا تمليهما اعتبارات غريبة عن الادب . بفضل ذلك تمت لمن اصطفتهم للتعبير عن روح الجزائر عبقريتهم - وعبقريتهم وحدها كما رأينا - حرية فنية نادرة مكنتهم من التعبير عنها بكل صدق وبكل جسارة . لا يخشون فى ذلك الابتذال ولا يبتغون الاغراب : وصف المناظر الطبيعية أو قص حوادث الحياة اليومية عندهم مقصودان لا لتزيين أو تزويق بل مقصودان للترجمة ترجمة حية ، عن الروح الجزائرية التى هى فى الحقيقة موضوع كل ما يكتبه هؤلاء المؤلفون .وموضوعهم الوحيد ، بان ذلك للعيان أم خفى
يبرهن على ذلك ما يلاحظه الناقد من اعتناء المؤلفين أو أكثرهم باجتناب الغرابة فيما يصفون ، بل فى تعمدهم وصف الواقع اليومى المعتاد وفى اختيار أبطال ليسوا سوى أشخاص عاديين كما يصفهم مولود فرعون فى قصته " الارض والدم " . أما المناظر الطبيعية فكأنما المؤلف توحى الينا وجودها وحيا صفحات مختصرة بليغة تجعلنا نتفسح بين جبال بلاد القبائل الشامخة متتبعين طرقها التى " تلتوى فى جنون " حسب تعبير اختاره فرعون مصيبا
ولا تقل عن ذلك اجادة وصف محمد ذيب لمناظر المدن كوصفه " الزقاق " وهو مرتع عمر بطل قصة " الدار الكبرى " وأقرانه كما رآه وقت كان فى زمرة صبيان تلمسان الذين لا شغل لهم سوى التفتيش عن شغل
فى تلك المواقع الريفية والحضرية منازل عرفنا بمنظرها من وصف فرعون لديار قبيلة ايغيل نزمان " البطنة الجدران " ، أو وصف ذيب للوكالة المسماة " بدار سبيطار " وهى موقع حوادث " الدار الكبرى التى تبدو حيطانها وأبوابها وغرفها كأنما قد تجمعت صدفة من غير تدخل أى بناء حقيقى "
فى الديار والدكاكين أو خارجها فى الازقة والارياف عائلات نشاركها بفضل محمد ذيب وفرعون وبفضل كاتب ياسين ومعمرى حياتها اليومية ، نشاركها الافراح والاحزان والآمال والمخاوف ، فنراها تتحد وتتخاصم مثل تلك العائلة التى يقول عنها بعضهم أنها تغلق الابواب عند ما تنشب بين أفرادها الخلافات ولا يفتحها الا بعد أن يستتب الامن ، فيخرج الجماعة ووجوههم مضرجة بالدم لكنهم يتظاهرون بالابتسام عازمين على أن لا يساروا أحدا بأسباب خصامهم ولا بنتائجه .
نرى اذا أن المقصود من تصوير المناخ الطبيعى تصوير موقع المسكن وتصوير المسكن مقصود من ورائه تصوير المجتمع : هو المجتمع الجزائرى . وميزة.
المجتمع الجزائرى كما بدا لهم استتباب النظام الاستعمارى فيه وطموح الضمائر والارواح الى التحرر منه .
. . . صوت الاحرار
حمى الثورة فى كل المجتمعات حتى أسعدها . . قد ينكر أرهب ارتعاداتها أناس ويشعر بأدنى ارتعاشاتها آخرون
أما الكتاب الجزائريون فقد أهلهم مجرد مولدهم بأرض الجزائر للاعتناء بهذه الحمى . لانها الظاهرة الاصلية الاصيلة من مجتمع سيطر عليه نظام لم يعد ير تكز على غير القوة . لذلك كان الكاتب الجزائرى ، سواء اعتمد ذلك أم تعمد اجتنابه ، لسان ثورة : من خلال وصفه لبلاده ، من خلال تحليله لمجتمعه نتطلع على ظواهر ثورية فى جوهرها وان يكن وقع عرضها فى قالب غير ثورى
فان فقر وادقاع فلاحى ايغيل نزمان التى يصفها مولود فرعون والاوساط الشعبية بتلمسان التى يصفها محمد ذيب وحتى مركب النقص الذي يسيطر على أوساط " الاعيان " والمثقفين التى تصفها جميلة دباش أو آسيا جبار - ولو كان وصفها واصفا في لهجة الصابر المستسلم بل حتى اذا رأيته يغزو مسؤولية هذه الاوجه المختلفة من التعاسة الى غير الاسباب السياسية فان فى مجرد وصفه لها واهتمامه بها ما من شأنه أن يجعل من كل قصة نداء .
أمة محرومة من الرفاهية والسعادة والحرية
فقد يغتر القارىء المغربى بما فى اللهجة من لطف وتعقل فيستغرب من المؤلفين الجزائريين صبرهم لما يشاهدون من تعاسة أمتهم ، لكن عليه اذ ذاك أن يفهم أن فى وصف الواقع فى تلك اللهجة الرصينة ما من شأنه أن يؤثر ع القارىء الاجنبى - وجل القراء كما قلنا أجانب - تأثيرا أعمق من تأثير الاتهام والشتم
فأبلغ بكثير أن يعلمنا المؤلف الجزائرى أن " الحرمان هو حالة صبيان قريته لاعتيادية " لا من أن يتوجه بالتهمة الى النظام الاستعمارى ، وأن يشرح أن لوضع السياسى هو المتسبب فى ذلك الحرمان وأبلغ بكثير من الالحاح فى المطالبة السياسية والاجتماعية وصف ما يبذله صبيان من صبيان القرية بن المرونة والذكاء ليفوزا بالمشاركة فى غذاء أبويهما المستعملين في حضيرة شغل يشرف عليها " عرف مشهور باتباعه العوائد الاوروبية "
لانه يطعم عملته فى أوقات معينة ويقدم لهم أطعمة مغذية . . . " وما هذا الا استشهادا على أن كتبهم وان اعتمدت التجرد فى أسلوبها الوصفى والقصصى ناهيك أنا نجد كثيرا من المؤلفين يتخذون حياتهم نفسها موضوعا لكتبهم الاولى فانهم استطاعوا أن يصدعوا فى فن وبراعة " بقضية " هى قضية شعب يناضل من أجل السعادة والحرية . فصادفوا أسمى درجات ما يسميه كثير من محترفى النقد الادبى " الالتزام " السياسى والاجتماعى عن طريق غير طريق التبجح بلهجة الالتزام والتظاهر به . فجمعوا بين الاخلاص الى الوطن الذى ولدوا فيه واحترام ما اصطفاهم به القدر من العبقرية الادبية
ثورة أدبية :
لهذا وبذلك استحق الادب الجزائرى المعاصر أن يسمى أدبا . . وجد المؤلفون طرق الابتذال الصحافى والخطابى موصدة أمام أوجههم فعلموا مختارين ومجبورين أن الادب مغامرة وأن الفوز فى ميادينه صعب المرام مما جعلهم أو أكثرهم يبلغون بفنهم درجة الاتقان علما منهم بأن النجاح الادبى نصيب مستحقيه . وأدى بهم هذا الحرص على الاصابة فى التعبير عن حقيقة بلادهم وبيئتهم الى التعبير مصيبين عن مشاكل أوسع مجالا وأعمق معنى من المشاكل الوطنية البحتة .
مشاكل انسانية فى مداها ، جوهرية فى مبتغاها ، يهتم لها أبعد الناس عن جنسية المؤلفين وعن مبادئهم السياسية والاجتماعية . فهذه مغامرات أبطال مالك الحداد ومولود المعمرى وغيرهما تكتسى من المعانى ما يهم الجزائريين وغير الجزائريين من بنى الانسان المواجهين لمشاكل الانسانية الابدية : البحث عن الحقيقة ، والجد فى سبيل الفضيلة ، والسعى وراء السعادة ومما يعلمه كل من له بالادب العالمى خبرة أن الاصابة فى التعبير عن هذه المشاكل الابدية فى جوهرها لا يتم الا لمن وفق الى التجديد فى اختيار الاسلوب المترجم عنها . وفى ذلك التجديد تتلخص الرسالة الادبية فى أسمى معانيها وذلك التجديد يقتضى ما يقتضى من ثورة على العادات المطردة فى التعبير ، ففى كل مدرسة أدبية بل فى كل أديب أصيل تتمثل ثورة .
من هذه الناحية كان أدب الثورة الجزائرية ظاهرة ثورية في تاريخ الادب العالمى لانه جدد لغة الملاحم وجدد لغة القصص لبلوغه تعبيرا يوفق بين الترجمة عن حقيقة تاريخية جغرافية معينة والاصداع بمشاكل انسانية عامة أبدية
فاهتمام الناقد الادبي بالمؤلفين الجزائريين لا يعتمد على اعتبار أصلهم الجنسى أو الدينى ولكن على ما يجده عند قراءتهم من بلاغة التجديد لعريق المشاكل
الانسانية فهذه فى كتبهم مشاكل الصداقة والعداوة والحب والموت والدين والآخرة تطرق فى أسلوب مجدد يجعلنا نعتقد أن الانسانية قد خطت بفضل هؤلاء خطوة في طريق التفهم لمصيرها . وان هؤلاء الابطال المسمين عامر وذهبية ومقران وعزيزة وعمر وعويشة جديرون بالالتحاق بانتيغون وأورست وهوراس وروميو وجولييت أمثالهم من الابطال الذين تجوهرت فيهم مشاكل الانسانية بالامها وآمالها ، ذلك أنهم فى صرخاتهم الجزائرية صدعوا بصوت مجدد جديد من أصوات الانسانية الابدية .
من نصيب العباقرة والعباقرة وحدهم أن يفوز أبطالهم بالانتصاب حذو هذه الاوجه الخالدة التى اعترفت بها الانسانية مرآة ترى فيها ضميرها ، وبلغ المؤلفون الجزائريون أو أكثرهم هذا المستوى . .
الا انهم على الرغم مما نعترف لهم به من المقدرة والموهبة ما فازوا هذا الفوز الادبى فى هذه السرعة وفى هذا الكمال الا لان قضية البلاد التى كانت لهم مولدا كست السياسة معنى مطهرا ما اكتسته السياسة فى تاريخ الانسانية الا بمناسبات قليلة وقت تأزم بعض الازمات نرى فيها جنسنا الانساني يجاهد جهده للتحرر من وضع يتشبت به كل ما فيه من قوى التأخر والتقهقر وبلوغ وضع أسمى يصبو اليه كل ما فيه من قوى الحياة والرقى %

