الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

أدب الحوار، بطل من الضفة الغربية

Share

ليس هو شخصية أسطورية . . وانما هو رفيق الطفولة . . وزميل الصبا . . وصديق الشباب . . التقيت به في الاردن . . وكان قد انخرط فى صفوف الفدائيين منذ حرب ) يونيو ( ، وأدركت من عظم ما رأيت منه ومن زملائه من حماسية دافقة ووطنية ملتهبة أن العودة الى الارض وشيكة ان شاء الله وان هذه الشعلة الوهاجة التى أضاءت لنا الطريق لن تخبو ولن تنطفئ جذوتها . . ما دامت الانفاس تتردد في هذه الصدور المؤمنة . . انه يتحدث عن الامل والعمل . . يتحدث عن قصف المدافع ودوى الصواريخ . . يتحدث عن القنابل والالغام والانفجارات اليومية . . والاضرار البالغة التى يحدثونها فى صفوف العدو في الارواح والعتاد والممتلكات . . فتحس من فحوى حديثه أن اسرائيل لن تدوم طويلا . . وان المحتلين الى زوال . . وأن الدويلة الدخيلة الى انقراض وفناء وانحلال . .

يتحدث عن الامل والعمل وحدهما . أما اليأس والاستسلام والهزيمة فليست في الحسبان على الاطلاق . . على الاطلاق . . انه موقن بالنصر يقينا لا يزعزعه شك .

قلت له :

- هل تستطيع أن تصف لى تصوراتك

عن معركة التحرير ؟

قال في ايمان راسخ ويقين وطيد :

- مضت عشرون عاما ونحن نتخبط في الظلام . . نبحث عن بصيص من الضوء . . عشرون عاما ونحن نبحث عن الطريق ٠٠ واخيرا وجدناها . . نعم اخيرا اضاء الله لنا الطريق فرايناها . . وابتدانا نسير عليها . . صحيح انها مغروسة بالاشواك ، محفوفة بالمخاطر . . ولكنا توكلنا على الله وسرنا . . ولن نتوقف مطلقا . . ولن يدب فينا الوهن ولن تخور لنا عزيمة ، او تستكين لنا شكيمة ، حتى نبلغ منتهاها . . وانا لبالغوها ان شاء الله . . وعندها سيخفق العلم العربي ويرف فوق اعلى سارية فى تل ابيب ان شاء الله

وتفرست فى وجه صاحبي فاذا به آثار جروح كثيرة تكاد تغطى الوجه كله . . فسألته عن سبب هذه الجراح . . فقال وهو يكشف لى عن ساقيه وبطنه وظهره

- ليست هذه فحسب . . انظر

ونظرت فهالني ما رأيت . . وعجبت كيف بقى حيا بعد هذه الجراح الكثيرة المتعددة البعيدة الغور . . وأخذ البطل يشرح لى :

- هذه آثار شظية قنبلة في معركة بغور الاردن الشمالي . . وهذا اثر رصاصة فى معركة ببسان . . وهذه حروق من قنبلة نابالم في النقب . . وهذه آثار شظية قذيفة مورتر . . وهذه وهذه ...

قلت في اعجاب متناه :

- ألا يجدر بنا يا صديقى ان نطلق على هذه الجراح اسم ( اوسمة الاستحقاق)

قال : - ان كانت جديرة بهذا حقا . . فاننى اطمح الى وسام ارفع بكثير من هذه الاوسمة !

قلت : - وما هو هذا الوسام يا ترى ؟ وهل هناك ما هو ارفع من ذلك ؟

قال : - نعم . . اني اطمح الى احد وسامين . . وسام النصر أو وسام الاستشهاد

قلت : تالله له الوسام الحق . .

ثم اردفت اساله : - وماذا عن القدس . . حدثني عن المسجد الاقصى . .

فتنهد من أغوار قلبه وقال : - لقد دنس الأعداء المقدسات الاسلامية والمسيحية وعاثوا فيها فسادا كالمسسجد الابراهيمي في الخليل . . والمسجد الاقصى ومسجد الصخرة وكنيسة القيامة فى القدس . .

ثم أخلد الى الصمت برهة . . وأطلق تنهيدة أخرى من أعماق الفؤاد ) وقال :

- لا بد لانقاذ المسجد الاقصى من عمل جماعي موحد على نطاق اسلامي . . ان من يدعو لعقد مؤتمر قمة اسلامي لمصيب كل الاصابة . . فالظروف والله تحتم عقد مثل هذا المؤتمر . . ثم اردف قائلا :

- أما نحن فلم ولن ندع الاعداء يقر لهم قرار في القدس والخليل على وجه الخصوص فلقد بثثنا الالغام قرب حائط المبكى . . ولقد اشعلنا الحرائق فى المحلات الحيوية . . وقطعنا لهم أسلاك الكهرباء فباتوا أياما فى الظلام . . ونسفنا خزانات المياه ، فكادوا يموتون من الظمأ ، ووضعنا المتفجرات في بعض الجسور الهامة ، وأعمدة الهاتف ، فشلت حركة المواصلات لفترة من

الزمن ، ونسفنا اجزاء من الجامعة العبرية فجمدنا حركة التعليم لديهم . . واننا ماضون لاعمال أكبر وأشمل ان شاء الله . .

قلت : - هذا رائع حقا . . فحرب الانهاك هذه التى تقومون بها تستنزف قوى العدو . . وتستنفد قدراته وطاقاته وتشل حركته . . فلقد بلغني ان العدو يضع أربعين ألف جندى فى حالة تأهب مستمر واستعداد دائم . . وهذا العدد الهائل من الجنود هدفهم ملاحقة الفدائيين وتتبع آثارهم واقتفاء خطاهم ، وهذه الاستعدادات الكبرى والنفقات الباهظة تضعف بلا ريب الخزينة الاسرائيلية . . وتؤثر تأثيرا مباشرا على ميزانية اسرائيل الحربية . . حتى إذا ما نادى منادى الجهاد العربى الاسلامى فى المعركة الكبرى . . كان العدو حينئذ منهك القوى مفكك العزيمة مشلول الحركة . . فلا يستطيع مواجهة القوى العربية والاسلامية مجتمعة . . وعندها سيمنى بالهزيمة الساحقة والخسران المبين ان شاء الله . .

وصافحت صديقى الفدائى مودعا قال : - الى أين ؟ . . قلت : - انى مسافر الى المملكة العربية السعودية . . فانا اعمل هناك . . قال :

- اذن . . فبالله بلغ الشعب السعودي الكريم المعطاء . . بأن العمل الفدائى مدين له بالجميل . . وان الفدائيين يعترفون بفضل السعودية العظيم على خطواتهم الفدائية . . فنحن نسمع يوميا عن البذل والعطاء الذى تجود به اكف السعوديين الندية في سبيل تصعيد العمل الفدائى ...

كما لهم فضلا كبيرة الاعلامية النشطة التى يبذلونها فى الاذاعة والتلفزيون والصحافة . . فنحن نسمع البرنامج الاذاعي اليومي ) مع الفدائيين ( ونقرأ ما تنشره الصحف السعودية يوميا فى هذا الشأن . .

قلت :

- اني مبلغ هذا الشكر والاعتراف الى الاخوة السعوديين ان شاء الله . . ثم ودعته مرة اخرى .

وسرت فى طريقي . . والثقة بالنصر تملأ جوانحى . . وكلمات صديقى تطن فى أذني . . وأنا موقن بكل كلمة تفوه بها . . وكيف لا أوقن وهو فرد من الشعب الثائر الفدائى . . الذى نسف بيت ( ليفي أشكول ) فوق رأسه . . وأصاب ( موشى دايان ) بجراح بالغة كادت تودى به . . وأحرز نصرا مؤثرا فى ( معركة الكرامة ) وحطم المنشآت الاقتصادية فى ( تل أبيب ) وغير تل أبيب . . وقصف بالصواريخ الثقيلة : المستعمرات الاسرائيلية ، فأحالها الى خراب ودمار . . ونسف أنابيب البترول فى حيفاء . واحرق مصنع الكرتون حتى لم يبق منه بقية . . وأحدث أضرارا فادحة في مطار ( اللد ) ، ودمر مصنع البوتاس فى البحر الميت . . وأشاع الرعب والفزع . . والخوف والقلق ، والتوتر وعدم الاستقرار . . لدى كل فرد من أفراد العدو . . ان شعبنا هذا شأنه وهذه فعاله . . لن يغلب على أمره . . ولن يطاطئ الهامة للنكبة أو يخنع للهزيمة . . ما دام فيه عرق ينبض بالحياة .

الطائف - مدرسة الاشارة

اشترك في نشرتنا البريدية