الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

» أدب الرحلة « في تراث سعيد أبي بكر

Share

ليس همنا ، فى هذا المقال ، تفصيل الحديث عن حياة سعيد أبى بكر وكامل تراثه الادبي ، اذ قد لا يتسع المقام لذلك ، وقد تكون لنا الى ذلك عودة ، وانما مرادنا هو التعريف بسعيد » الرحالة «  او ما يمكن ان نسميه » أدب الرحلة « فى تراث المؤلف ، وقد عثرنا على » رحلة « قام بها الى الاندلس ، خلف لنا عنها كتابا بعنوان » دليل الاندلس «  أو » الاندلس كأنك تراها «  ، نشره سنة 1933 ، وقد عثرنا على الجزء الاول منه ، اما الجزء الثاني فلم يطبع .

ونظرا الى بقاء الكتاب مغمورا منذ عهد بعيد ( نصف قرن ) فقد رأينا ان نقدمه ونعرفه للقراء ، مضمونا واسلوبا ، باعتباره نموذجا ادبيا فريدا فى نوعه ، قريبا من ادب الرحلات ، شبيها به ، بقى مجهولا لدى الخاص والعام ، وهو لا يقل قيمة واهمية عن بقية تراث سعيد الادبي ، نثرا وشعرا ، وربما فاقه فى بعض النواحي . . .

ولنقل كلمة موجزة نسبيا عن حياة المؤلف ، وما خلفه لنا مما جادت به قريحته وخطه قلمه ، سواء فى ذلك ما طبع وما لم يطبع ، عسى ان تنكب بعض الهمم على نشر ما تبقى مخطوطا من هذا التراث أو اعادة طبع ما نفذ منه ـــ مما نشر ـــ وذلك اعترافا لما قدمه سعيد لابناء وطنه خصوصا والناطقين بلغة الضاد عموما ، من تراث ادبى اصيل ، عرفه بعضهم بكونه طلائعيا ، والبعض الآخر بكونه هادفا ملتزما . . .

ولد سعيد ابو بكر بالمكنين ، فى 28 اكتوبر 1899 ، وزاول تعلمه الابتدائى بالمدرسة القرآنية هناك ثم باحدى المدارس الحكومية على يد

جمع من المعلمين البارزين ، ومما يروى عنه انه قال الشعر وهو فى الحادية عشرة من عمره وكان يضمنه بعض انشاءاته وكتاباته بالمدرسة ،

ذلك انه كان»  نابغة «  حاد الذكاء رهيف الاحساس ، طلعة ، ميالا الى المعرفة ، يحدوه الى طلب العلم فضوله الفطرى . وكان ـــ منذ صغر سنه شغوفا بالفن والموسيقى ، مغرما بالمزاح والتنكيت الخفيف الذكى ، وكان له مع والدى رحمه الله ، ـــ وكان له صديقا حميما - مجالس ونوادر فى هذا الشأن ثم انتقل سعيد . . . الى سوسة لمواصلة تعلمه الثانوى الا انه تعذر عليه ذلك لقلة ذات اليد ، فتعرف هناك على المحامي راجح ابراهيم الاكودى وعمل كاتبا له ، واتيح له ان يستفيد مما كان يقدمه له من كتب ومجلات ادبية مكنته من استكمال ثقافته ، فنشأ سعيد عصاميا ،

وسرعان ما نضج فكره وبادر الى كتابة الشعر فأنشأ مجموعة من القصائد كان يبعث بها الى مجلة » النديم « بعنوان » زهرة بعد زهرة «  ـــ وعمل صحافيا ، اذ لم يقتصر على مراسلة » النديم « بل راسل جريدتى » الصواب « و» الوزير « واخذ نجمه يتألق شيئا فشيئا وعندما انتقل الى العاصمة عمل بمكاتب بعض المحامين وفي نفس الوقت كان يكتب بعض المقالات النقدية الهادفة تحت عنوان » من النافذة « فى جريدة » لسان الشعب « ولم يفتأ فى تلك الاثناء يتردد على نادى الحزب بنهج انقلترا ؛ وفى سنة 1927 اقدم على طبع الجزء الاول من ديوانه » السعيديات « ثم جمع ما كان نشره فى جريدة » النديم «  من قصائد فى كتيب بعنوان » الزهرات « ، وهكذا تسنى له ان يصبح علما من اعلام النهضة الادبية والفكرية فى تونس ويذيع صيته في كل الاوساط .

وتعلقت همة سعيد باصدار مجلة يشرف عليها بنفسه فتقدم بطلب الى سلط الحماية إذ ذاك لهذا الغرض فرفض مطلبه ؛ فالتجأ إلى حيلة وتسوغ تحت طي الخفاء امتاز محلة » العالم «  من صاحبها لمدة ثلاثة أعوام واصدر العدد الاول منها في جانفى 1931 لكن صاحب المجلة فسخ العقدة بعد عام ونصف وسوغها لغيره فاضطر الى كشفه والى تقديم قضية عدلية به .

وبعد توقف هذه المجلة اشتغل مراسلا متجولا لجريدة » النهضة « اليومية وفيها حرر سلسلة من الفصول عن » مؤتمر البعث «  ، ثم اعاد طبع تلك الفصول فى كتيب نشره سنة 1936 .

وقام سعيد برحلة الى القطرين الشقيقين الجزائر والمغرب ثم زار بلاد الاندلس ونشر عقب عودته منها الكتاب الذي أشرنا اليه : » دليل الاندلس

أو الاندلس كانك تراها « وذلك سنة 1933 وفي سنة 1937 تحققت رغبته القديمة فأصدر مجلته الشهرية » تونس المصورة « بعد صدور اوامر اوت 1936 التى سمحت للتونسيين ببعض الحريات النسبية ومنها حق اصدار الصحف بمجرد اعلام المصالح الرسمية ودون توقف على اخذ موافقتها ، وقد استمرت هذه المجلة فى العمل الى شهر نوفمبر 1942 حيث توقفت بسبب الاحتلال الالمانى ثم استأنفت نشاطها من جديد في سنة 1945 ولكن فى ثوب متقشف نظرا للظروف الحربية  .

وتوفى سعيد ابو بكر رحمه الله يوم 29 جانفى 1948 بمدينه تونس .

مؤلفاته : ترك لنا سعيد مؤلفات ذات أهمية بالغة . طبع بعضها ومنها :

1 ) الجزء الاول من » السعيديات « ( 110 ص ) ـــ تونس 1927 . 2 ) » الزهرات «  تونس ـــ بلا تاريخ .

3 ) » مؤتمر البعث «  : ( مجموعة مقالات نشرها بجريدة » النهضة «  اولا ثم اصدرها فى كتيب فى 81 ص ، عام 1936 واعيد نشره عام 1967 ضمن منشورات الحزب الاشتراكى الدستورى ) .

4 ) الجزء الاول من كتاب » دليل الاندلس ، او الاندلس كأنك تراها «  تونس ، 1933 .

وبعضها الآخر لم يطبع ، ومنها :

5 ) » الرحلة الجزائرية «  : وهو وصف للاماكن التى زارها وقد نشر سعيد بين سنتى 1927 و 1929 ارتسامات عن هذه الرحلة فى حلقات مسلسلة بعنوان »  عشرون يوما فى عمالة قسنطينة « .

6 ) الجزء الثاني من كتابه » دليل الاندلس «  وفيه وصف مدينة الزهراء وغرناطة والجزيرة الخضراء وجبل طارق .

7 ) الجزء الثاني من ديوانه » السعيديات « وهو يحتوى على قصائده السياسية ( 1 ) .

ومن أبرز ما تميز به سعيد ابو بكر خصلتان هامتان ، اولاهما : وطنيته ، وقد برزت في جل مقالاته ومؤلفاته ، شعرا ونثرا ، وقد كان للاحداث التى عاشها ، وللبيئة التى نشأ فيها وترعرع ، اثرها البليغ فى نفسه ، وقد واكب طفلا ثم شابا يافعا ثم كهلا ـــ ما عرفته بلادنا من احداث تاريخية هامة كواقعة الزلاج عام 1911 ، وحادثة » الترام «  عام 1912 ، وثورة ابن عسكر ضد طغيان السلط الفرنسية سنة 1915 ، ثم تأسيس الحزب الدستورى وبروز نزعة وطنية ووعى ثقافى أصيل ، وخاصة من الشباب المثقف فى ذلك العهد الذى استوعبته جمعيتا : » قدماء الصادقية «

و » الخلدونية « عقب تأسيسهما ، وكذلك ظهور الحركة النقابية القومية سنة 1924 على يد محمد على الحامي . كما عاش فترة بعث جريدة »  صوت التونسي «  سنة 1929 وانعقاد المؤتمر الافخارستى بقرطاج من 7 الى 11 ماي 1930 ، وحوادث التجنيس التى سيطرت على الميدان السياسي فى 1932 و 1933 ، والاضرابات الزيتونية من اجل اصلاح التعليم ، وانبعاث الحزب الدستورى الجديد فى 2 مارس 1934 ، وانبعاث أول شعبة تابعة للحزب الجديد بمسقط رأسه . كل هاته الاحداث اثرت فى تنشئته

الوطنية ، الى جانب ما شاهده بعينية من اعتصابات جوع وتنكيل بالوطنيين وقسوة سلط الاستبداد ، وظهور الكثير من الصحف والادباء والمثقفين الذين تعززت بهم الحركة الوطنية  .

اما الخصلة الثانية التى ستقوده الى القيام برحلته الى الاندلس عبر الجزائر والمغرب ، للوقوف على ما خلفه الاباء والاجداد والاطلاع عن كتب على التراث العربى الاسلامى بتلك الربوع ، فهى فضوله العلمي ، لا سما فيما يتعلق بالمآثر الفنية والعمرانية فضلا عن المخلفات ذات الصبغة السياسية والدينية والتراث الادبى والفكرى . . .

وتندرج هذه الخصلة فى جملة العوامل الاساسية التى تضافرت على تنشئته الثقافية فى أوسع معانيها ، وجعلت منه رجلا عصاميا متكاملا ، مقداما ، طموحا ، يجابه الصعاب ويتحداها ليذللها ويتغلب عليها بفضل ما جبل عليه من قوة الارادة وعلو الهمة وعزة النفس وما عرف به كذلك من اباء فطرى وتواضع واريحية خفيفة فى نفس الوقت ، تواضع العلماء واريحية المثقفين الحقيقيين الاصيلين . . .

وها هو سعيد ابو بكر » الرحالة «  يذكرنا ، فيما قام به وخلفه لنا ، ببعض الرحالين العرب وكبار الجغرافيين والمؤرخين منهم ، أمثال ابن جبير وابن بطوطة والتجانى ، فلنقف عند كتابه » دليل الاندلس أو الاندلس كانك تراها «  لنتبين مدى قيمته واهميته ، وما برز فيه وجسمه خصوصا مما اشرنا اليه آنفا من خصلتين اساسيتين تميز بهما صاحب الكتاب .

» دليل الاندلس او الاندلس كأنك تراها « :

يتضمن الجزء الاول من هذا الكتاب وصفا دقيقا لجميع » الآثار العربية بمدينتى اشبيلية وقرطبة «  فى 96 صفحة مع 35 صورة فوتوغرافية تمثل تلك الآثار » وخريطة للسكك الحديدية من تخطيط المؤلف وكأنما أراد بذلك الترغيب فى زيارة الاندلس ـــ أرض الآباء والاجداد ، للاعتبار عن طريق الاطلاع على مآثر الحضارة العربية الاسلامية هنالك ، وفي نطاق التمهيد لتلك الزيارة والتشويق اليها وتيسيرها ، فهو يعمد الى تبيين وسائل التنقل ورسم خطوط الارتال وتفصيل اسعار التذاكر . . .

ويستهل سعيد كتابه بكلمة اهداء بليغة جاء فيها بالخصوص :

»  اعتاد الناس ان يهدوا كتبهم وتآليفهم الى واحد من ثلاثة : رجل يعز عليهم كثيرا فارادوا ان يقدموها له عربونا على الصداقة ، او رجل له عليهم فضل كبير فارادوا ان يقدموها له اعترافا بالجميل ، او رجل اخر صاحب جاه عظيم فارادوا ان يقدموها له للاستفادة من ماله او جاهه .

اما انا فلى اصدقاء كثيرون بودى ان اقدم كتابى اليهم ، ولى رجلان اثنان لهما فضل على هما والدى وأستاذى وبودى أن أقدمه الى احدهما أيضا ولكنني لم أفعل لان هناك من هو جدير بهذا الشرف اكثر منهم جميعا .

ذلك الرجل العظيم الذي سأقدم اليه كتابى هذا هو الذى كان سببا فى فتح الاندلس . هو الذي على يديه وضعت فيها العرب اقدامها . ذلك الرجل العظيم هو طارق بن زياد . فالى روحك الطاهرة يا طارق لي الشرف بأن اهدى كتابي «  .

وبعد هذا الاهداء الذى يبرز شعور المؤلف بالنخوة والاعتزاز يصدر سعيد كتابه بمقدمة بعنوان » كيف وصلت الى الاندلس «  فى سبع صفحات ( 2 )  ، يعبر فيها عما تثيره فى نفسه لفظة » الاندلس «  من عميق المشاعر والذكريات وجاء فى مستهلها : » الاندلس . . . هي الكلمة الخفيفة التى لا يكاد يتعطل فى النطق بها انسان منا ، وهى الكلمة الثقيلة التى لا يكاد يتحمل وقعها على قلبه منا رجل واحد . يشعر بذلك المجد الضائع وذلك التقدم الباهر ويتحسر على تلك الجنة الزاهرة وتلك الربوع الجميلة ويتأوه على هاتيك النكبة العظمى والمصيبة الجلى اللتين ختمتا ذلك العصر الاسلامي في تلك البلاد

الاندلس . . . هي الكلمة التى لازلت اتذكر دموع معلمي تترقرق فى عينيه عندما كان يحدثنا عليها ونحن صغار فى المدرسة . وهى الكلمة التى لا تطاوعه يده الا بجهد جهيد عندما كان يقدمها امامنا ليضعها على المساحة الصغيرة التى تشغلها في الخريطة . وهي الكلمة التى دخلت

إلى قلوينا منذ الصغر ونقشت عليه بأحرف من نار وكلما زادت اعمارنا زادت تلك النار اشتعالا . . . «

وبعد ان يحدثنا المؤلف عن شوقه الى زيارة الاندلس منذ الصغر وشغفه بأخبارها وصورها من خلال ما كان يطالعه من جرائد ومجلات وكتب عربية وفرنسية ، يستطرد الى الحديث عن الظروف التى سمحت له بتحقيق رغبته ، وتتمثل فى ان الجزء الاول من ديوانه »  السعيديات «

عندما انتشر فى الشقيقتين الجزائر والمغرب الاقصى انتشارا لم يكن بحلم به ـــ على حد تعبيره ـــ مكنه من ربط علاقات ودية عميقة مع عد كبير من الاصدقاء والمعجبين به شجعوه فيما بعد على زيارتهم بكل من القطرين المذكورين ، وقام فعلا بزيارة الجزائر فالمغرب واتيح له بعدئذ ان يزور الاندلس ، متنقلا من مدينة الى اخرى ، فمن تلمسان - بعد غالب العواصم الجزائرية - الى وجدة بالمغرب الاقصى الى طنجة فتطوان ، الى سبتة ، الى مرسى » الجزيرة الخضراء «  ومنها سينطلق الى مدينة اشبيلية وهنا تبدأ » الزيارة الاندلسية «  او » الرحلة الاندلسية «  بأتم معنى الكلمة .

فلنستمع اليه يحدثنا عن بداية هذه الرحلة وما اثارته فى نفسه من الخواطر ، فى اسلوب روائى دقيق : (3) .

» وصلنا إلى العربة التى ستنقلنا الى ( اشبيلية ) وسلمت الى المكلف بها حقيبتى واطلعته على تذكرة الركوب التى كنت اخذتها على الباخرة وعلمت ان السفر سيكون على الساعة الواحدة بالتدقيق .

اذن فالى أول مطعم يعترضني فى طريقي ثم الى اقرب مقهاة (4)  وقبل الوقت الذي يجب ان تسافر فيه العربة بنصف ساعة كنت حالسا على كرسى فى مقهاة قريبة من البحيرة اشرب كاسا من » اللييمون «  طلبته عندما علمت ان القهوة غير حاضرة فى ذلك الزمان . . .

كنت اتناول ذلك الكاس واشعر كانني انتصرت على قوة قاهرة كانت تصدنى عن وضع قدمى على هذه الارض ، واحس باشياء تجعلنى ارى نفسى محسودا عليها ، وأتصور كيف يتلقى اصدقائى بتونس خبر وصولى الى الاندلس وكيف انهم سيغبطوننى على هذه الزيارة التى لم تكن في الحسبان «  .

ثم يتطرق المؤلف إلى استعراض الكتب التى قرأها عن الاندلس ونقد طريقة تأليفها القائمة على نقل بعضهم عن بعض دون تدقيق أو تفصيل يستثير الاهتمام أو الفضول لدى القراء ، قائلا فى هذا الشأن :

»  . . . وكأنهم لا يريدون الا ان ينقلوا على بعضهم ليقول كل واحد منهم ما قاله الآخر .

ولذلك فقد خطر ببالى اننى سأكتب كل ما اراه وادون كل ما اسمعه واسحل كل ما يخطر بيالى اثناء رحلتى لاقوم بنشر كتاب يسد الثلمة التى لا أرال اراها مفتوحة فى التأليف العربى . . . «

أما الحالة النفسية التى كان عليها فى تلك الاثناء فهى متراوحة بين المرح والسرور من ناحية والتأوه والحزن من ناحية اخرى ويؤكد ذلك بقوله :

» . . صحت عزيمتى وانا فى المكان الاول الذى نزل فيه طارق بن زياد وجيوشه على ان اجعل قراء العربية فى تونس وفي غيرها يشاركوننى فى فرحي وسرورى ويقاسموننى تأوهاتى واحزانى «  مشيرا بذلك الى فرحة الدخول الى ارض الاندلس والحزن على خروج العرب منها بعد قرون من التعمير والحضارة . . .

ويقسم سعيد أبو بكر كتابه الى فصول يروى فيها مراحل تنقلاته عبر بلاد الاندلس واولى هذه المراحل : »  من الجزيرة الخضراء الى اشبيلية «  حيث يذكر تفصيلا ما تقع عليه عيناه من المشاهد فى كل بلدة يزورها او يمر بها ، فيذكر ، على سبيل المثال ، بلدة ( لوبارية ) وبلدة ( القلعة ) وبلدة ( المدينة ) وبلدة ( خيريز ) وهو فى طريقه الى مدينة  ( اشبيلية ) يذكرنا بابن بطوطة فى اسلوبه الروائى الممتاز بدقة الوصف من ذلك مثلا قوله :

» خرجت من الجزيرة الخضراء فتجلى لى منظر جبل طارق العظيم وتبدت لى مناظر عجيبة تأخذ بمجامع القلوب . وكانت العربة تجرى وانا انظر على جانبى الطريق اشجار الزيتون والبرتقال وكان الناس يعترضونها راكبين على الاحمرة يحملون محصولات اراضيهم الى المدينة ليبيعوها .

واول بلدة وصلناها هى ( لوبارية ) وهي بلدة كل سقوفها من (القرمود ) الذي يظهر ان الدهر اكل عليه وشرب ، واهم ما يلفت الانظار فيها صومعة طويلة هى عبارة عن ثلاثة بيوت بعضها فوق بعض . وقد رأيت ونحن فى شارعها الكبير باعة الماء يسوق كل واحد منهم حمارا عليه اربع قلال موضوعة على ظهره فى اربعة مواضع مصنوعة من القضبان . وما كدنا نجتازها حتى اشرفنا على البساتين الجميلة التابعة لها ثم على غابة طويلة لا نرى فيها من حين الى حين الا بعض البيوت الخشبية أو بعض بيوت اخرى من الحجارة متفرقة هنا وهناك تمتاز بنوافذها المثلثة الشكل . . . «

وبمدينة ( اشبيلية ) يبرز المؤلف المعالم الاثرية العربية الاسلامية التى استرعت انتباهه واستقطبت اهتمامه دون سواها وفي مقدمتها قصر بنى عباد ، فيصفه وصفا دقيقا مضيفا الى ذلك مجموعة من الصور الجميلة الواضحة كصورة الباب الاصلى لهذا القصر وصحنه و »  البراطل «  المحيطة به وبعض »  طبقانه « العليا .

و »  قاعة السفراء «  و » الصحن المخصوص بالصور الزيتية « و»  البستان الملوكى التابع لهذا القصر «  وصومعة اشبيلية و»  باب الصحن العربى لجامع اشبيلية «  و » حوض الوضوء «  الكائن بهذا الصحن  . . .

ثم يستطرد إلى وصف بعض الكنائس والمكتبات وخاصة الكنيسة الجامعة فى اشبيلية ، متوقفا عند تاريخ بنائها ، وبيان قياسها ، فيقول متحدثا عن هذه الكنيسة الجامعة بالخصوص :

» . . . وقع الشروع فى بنائها عام 1401 فى نفس المكان الذي كان فيه المسجد العربى الذى هدموه تماما ، طولها مائة وثلاثون متر وعرضها ستة وسبعون وهو نفس قياس المسجد العربى المأسوف عليه . . . «

وبعد الحديث عن »  قبر كريستوف كولمب « و  » منارة الذهب «  ، ينتقل الى وصف بعض القصور الاخرى مثل »  قصر بيلاتوس «  والمتاحف والبروج والاسوار والبساتين والحمامات والانهج العربية بمدينة اشبيلية، وما تحفل به من المقاهى ، والحركة الدائبة وفي خاتمة حديثه عن هذه المدينة يقول المؤلف :

» تلك المدينة التى شاهدت تلك القصور الشاهدة ليومنا هذا بالفن  العربى تقام على عهد الموحدين عام 1146 ، تلك المدينة التى لم تر عصرا ذهبيا كالعصر الذي مر عليها بين عام 1201 وعام 1248 يوم كانت عاصمة مملكة عربية شاسعة الاطراف . تلك المدينة التى رأت مصرع الجيش العربى امام جيوش النصارى وشاهدت يوم 19 نوفمبر 1248 الملك المنتصر ( فوديناند الثالث ) يدخل اليها بين هتاف المنتصرين . . . «

ويغادرها المؤلف قائلا :

» . . . فلنلق عليها النظرة الاخيرة ولنغادرها ـــ بدمعة وابتسامة ـــ الى مدينة قرطبة . فالى قرطبة . «

وينزل سعيد ابو بكر ـــ فى المرحلة الثانية من رحلته بمدينة قرطبة ، فيواصل الوصف لمعالمها الاثرية بنفس الدقة والتفصيل ، مازجا المعلومات التاريخية بالمعلومات الجغرافية والعمرانية ، مبينا مواقعها ومواطن جمالها ، واهم ما يصوره لنا جامع قرطبة باعمدته واقواسه ومقاصره و »  سواريه القريبة من المحراب المتميز بقوة هندسته وزخارفه ونقوشه،

ثم الكنيسة الكائنة بهذا المسجد ، ثم صومعة الجامع الاموى ، فالقنطرة  العربية و »  القلعة الحرة «  ـــ التى هى رمز العظمة ـــ ويقول المؤلف في شأنها :

» كلما زاد الانسان فى النظر اليها خيل اليه  انه يسمع صدى جدودنا العظام يردد ذلك الفخر الماضى وتلك الايام السعيدة التى مرت عليهم فى تلك الربوع «  .

ولا يهمل سعيد أبو بكر »  أماكن اخرى جديرة بالزيارة مثل »  قصر فيجو أو القصر القديم «  ، و »  مقبرة الشهداء «  ، و »  الماكينة المائية « ، و »  مستشفى الامراض المزمنة «  ، و »  باب المظفر «  الذي يقول فى شانه : .

» هو الباب الذي كان يفتح على حارة اليهود وقت الاستيلاء العربى وبجانبه شىء قليل من بقايا السور ، الذى كان يحيط بالمدينة ، ولعله الباب الوحيد الذى بقى على الحالة التى كانت عليها ابواب قرطبة فى ايام العرب . . . «  ثم يصف لنا بعض الكنائس ، والحمامات العربية .

ويمضى المؤلف على نفس الوتيرة التى سار عليها فى كتابه من حيث دقة الوصف والتصوير لكل المشاهد والآثار والمآثر العربية الاسلامية ومعالم الحضارة التى لا تزال قائمة بتلك الربوع ، وكذلك المزج بين المعلومات التاريخية والمعلومات الجغرافية والعمرانية كما اسلفنا .

وهو الى ذلك منساق الى فضوله العلمى وحب الاطلاع على كل الجزئيات مهما تباينت قيمتها واهمينها . فهو يدخل البيوت ويتحدث الى اهلها ويستجيب للدعوات وهو يروى لنا ذلك بأريحيته التى عرف بها فيقول :

» وقد دخلت الى بعض الديار ولم أكن أشعر بأدنى مضايقة اجلبها الى السكان بسبب دخولى بل كنت اراهم يبتهجون لقدومى لانهم يكونون قد عرفوا بمجرد رؤيتى اننى عربي ـــ والفضل فى ذلك يرجع لطربوشي ـــ فيبشون فى وجهى ويحيطون بى ويدخلوننى بيوتهم وكم كانوا يتعجبون عندما يقدمون لى بعض انواع الكحول فامتنع من شرابها معتذرا اليهم . «

والى جانب هذا الفضول الذى اتصف به سعيد باعتباره »  رحالة «  همة الاطلاع والاكتشاف والمعرفة نراه لا يهمل فرصة الا ويحافظ على ناموسه معبرا عن اعتزازه بأصله وجنسه ولغته ودينه ، ويبرز هذا الشعور فى نفسه من حلال تعلقه ببعض الاوصاف والذكريات والانطباعات التى بقيت راسخة فى ذهنه ، من ذلك مثلا قوله :

» . . . هذا الاحترام الذي لاقيته بسبب احتفاظى على لباس رأسى العربى ، اعتمدت عليه ودخلت عدة ديار كنت اقابل فيها بكل بشاشة واكرام فعرفت حياة العائلات ورأيت بنفسى ذلك الحياء الذي لا تزال نساؤهم محتفظات به وذلك الخجل الذي كان يظهر على وجوههن مدة بقائى بينهن . اما الحمال والدم العربى فانهما يظهران جليا على الوجوه بصفة تدل على ان قرطبة هى المدينة التى احتفظت اكثر من غيرها على الطينة العربية « .

وعند هذا الحد ينتهى الجزء الاول من الكتاب ويليه الجزء الثانى الذي لم يبلغنا بعد ، لكونه لم يطبع وربما عثرنا يوما على المخطوط وعمدنا الى نشره والتعريف به ان شاء الله ، وقد خصصه صاحبه لوصف مدينة الزهراء وغرناطة والجزيرة الخضراء وجبل طارق .

اما اسلوب المؤلف فيمتاز ـــ كما يتجلى ذلك من خلال ما اوردنا من بعض الفقرات ـــ بسلاسة التعبير وببساطة التراكيب ، ودقة الوصف والتصوير ، وقد يعثر القارئ أحيانا على استعمال بعض الالفاظ الدخيلة أو العامية مثل : » البراطل «  ( ج برطال )  او »  الطيقان «  ( ج . طاق )  او حتى بعض الهنات أحيانا ، كقوله مثلا ( ص 94 ) :

بسبب احتفاظى على لباس رأسى العربى . . . « وفى نفس الفقرة : » . .  . قرطبة هى المدينة التى احتفظت اكثر من غيرها على الطينة العربية «

والاحرى فى الاستعمال ان يقال : »  احتفظت ب . «  او »  حافظت على . . «  لكن هذه الهنات خفيفة طفيفة لا تكاد تتجاوز عدد الانامل ولا حركات العوامل

ولقد عرف سعيد ابو بكر كيف يستهوى القارىء ويفيده ويسترعي اهتمامه بفضل ما توخاه من اسلوب التشويق ودقة الاستعراض والتصوير والوصف لما شاهده واستقطب عنايته مازجا كل ذلك برشاقة الاراء والخواطر ورقة الشعور وعمق الابحاء ، مركزا تأليفه على المعلومات التاريخية والجغرافية والعمرانية ـــ كما اسلفنا ـــ مما يضفى على كتابه قيمة علمية

وادبية فى نفس الوقت تجعله خليقا بكل تقدير واعتبار ، وجديرا بان يدرج فى قائمة المؤلفات التى خلفها لنا ابرز الرحالين العرب من نوع ابن جبير وابن بطوطة ، والتجانى ولعل هذا الكتاب احسن نموذج لانتاج سعيد أبى بكر ولتراثه الادبى ، اذ يعطينا صورة كاملة عن شخصية صاحبه وما يمتاز به من شعور مرهف وذكاء وقاد وخفة روح وسرعة خاطر جعلت منه شاعرا وكاتبا ومما يزيد فى قيمته وشأنه انه كان عصاميا فلم تمنعه الشدائد والصعاب التى مر بها فى مختلف اطوار حياته  .

وما امتازت به من شتى الاحداث ، من ان يشق طريقه بشجاعة وايمان فيملأ حياته ـــ القصيرة نسيا ـــ بالانتاج المثمر والنشاط الايجابى الخصب، ويقدم لابناء وطنه وقراء العربية عموما ثمرات يانعة من جهوده وجهاده .

اشترك في نشرتنا البريدية