الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

أدب السجون ورسائل بورقيبة

Share

( 2 )

الحديث عن رسائل الحبيب بورقيبة ( * ) حديث شيق مفيد يبتدئ من يوم كان تلميذا يسرع في الابراق الى المقيم العام محتجا على تعطيل جريدة (الصواب ) الى آخر رسالة كتبها بجالطة ، وبين هذه وتلك سلسلة ممتدة من الرسائل المتنوعة المتلاحقة منها رسالته الى الدستور القديم فى تخليه عن عضويته ورسالته من برج يورقيبة الى المقيم العام ، ورده على جريدة ( النهضة)، ورسالته الى المرحوم الدكتور الحبيب ثامر ومجموعة رسائله التى كان يوجهها لمحمد على الطاهر ومحمد المصمودى وابنه الحبيب ، وغيرهم من المواطنين.

وسنجد في هذه الرسائل ، لا استعطافا ولا بكاء ولا تحلل من المسؤولية ولا تفكيرا فى مال ولا ولد ولا اهل ، وانما كان مدار هذه الرسائل يتجه نحو عنوان واحد : ( العمل فى سبيل تونس ) - والتوجيه الحكيم لسياستها وهو بسجنه، وتحريض ابناء البلاد على التماسك والوحدة ، ولا نعنى بهذا ان الرئيس بورقيبة ملك لا يتأثر كالبشر ، وانما كان يتألم ويثور ويتلبس باوضاع بنى الانسان ، وانما يفوتهم في شىء آخر هو قوة الايمان وعدم التسامح فى حقوق الوطن والدعوة لمجابهة كل من يسعى لشل الحركة واخماد نار الثورة فى الشعب المكافح ، ولا يعنيه بعد ذلك اطالت المحنة ام قصرت لانه يؤمن بالحكمة : " اشتدى ازمة تنفرجى " وما لنا نذهب بعيدا وهذه بين ايدينا مجموعة من رسائله عثرنا على بعضها فى كتاب " رسائل بورقيبة " لمحمد على طاهر وكتاب " يورقية حياته وجهاده " وكتاب " بورقيبة ومولد أمة " وفي جريدة ( العمل ) وبعض النشريات والوثائق الاخرى .

وان المتأمل فى مجموعة هذه الرسائل تتجلى له عظمة صاحبها فى مختلف الاطوار والظروف وتنطبع فى نفسه معانى الصمود والاستماتة ، وصور المرونة والمهارة ، التى كان يعتصم بها الرئيس ويحسن تنزيلها فى مقاماتها . فللعاطفة والاثر البشرى دورهما ، وللعقل وثورته كلمتهما ، ويستطيع المؤرخ ان ينشئ من هذه الرسائل كتابا يعرف بصاحبه ويضعه فى مكانه من النبوغ والاعزاز. انها قصة الايمان ومأساة بني الانسان ونهاية الصابرين فى حب الاوطان.

واول ما يستنتجه الملاحظ المنصف هو خلو هذه الرسائل من تلك النوازع والدواعي التى كنا نستمع اليها فى اول الحديث فلا الاسرة ولا الرغبة ولا الرهبة ولا الضعف بواجدة طريقها الى قلب صاحبنا وتفكيره وايمانه ، وانما هناك غاية واحدة هادفة يرمى اليها صابرا مرابطا هو انقاذ هذا الشعب من محنته واحلالها المكان الاسمى ، هو اشهاد العالم على فظاعة مواقف الاحتلال، هو خلق جو من العطف والتقدير للكفاح البطول النادر والاستعداد لمواصلة المرابطة والتجلد ما دامت الاوضاع لم تتغير ، كما يستخلص قارئ هذه الرسائل مواقف الاباء والشمم والروح العالية ، فالرئيس المفدى لا يبالي ان يقف موقف الغضب من ملك البلاد حينما استسلم لعوامل الارهاب والضغط فوجه اليه رسالته المعروفة مرفوقة بالوسام الملكى واى موقف كهذا واى شمم . ولم يكن هذا الموقف هو الاول من نوعه بل سبقه موقف آخر أشد ايمانا واعتزازا بالنفس والشعب والحزب حينما وجه ( لبروطون) ( * ) تلك الرسالة الخالدة التى يقرأ جيلنا الحاضر اسمى معاني الرجولة والتضحية والثبات امام فضاضة المكابرين ، وملاحظة اخرى يمكن استقاؤها من خلال هذه الرسائل هو ان هذا الرجل القوى الايمان لم تكن لترهبه محنة او يضعفه ألم ، وانما اخشى ما كان يخشاه ان يصاب فى بدنه فلا يقوى لا قدر الله على مجابهة الطوارىء ولا يجد شعبه من يدير دفة السفينة من بعده . فتعهده بالمسؤولية وتحمله للامانة الكبرى هو الذي يجعله احيانا بتألم اذا ضاقت به الحياة ، وما بالك برجل يتقلب من سجن الى سجن ، ومن منفي الى آخر ولو كان غير بورقيبة ، لما استطاع ان يقف على رجليه يوما بعد الاستفزازات والمضايقات ومحاولات الاغراء والترهيب ، ولكنها رعاية الله تحف بالمخلصين من عباده فى ساعة العسر من بعد ما كادت تزيغ قلوب فريق منهم. واذا كانت الرسائل الاخرى عند كثير من العظماء تتناول غرضا خاصا ومواقف محدودة ، فان رسائل بورقيبة تتلاقى فى صعيد جامع لمختلف المواقف فهو مرة يوجه ومرة يحث ومرة يوضح مشكلا واخرى يرد على الصائدين فى الماء العكر ويستنكر موقف الخذع والضعف من بعض ادعياء السياسة . وانا لنجد استنتاجا آخر من هذه الرسائل والبرقيات هو ترفع الرئيس على الخلافات واعني بهذا تلك البرقية التى وجهها لرئيس الدستور القديم معزيا فى المناضل - محى الدين القليبى ونشرتها الارادة تحت عنوان ( تعزية من رئيس جليل ) ( لا يعرف الفضل الا ذووه) . ولو واصلنا تسجيل الاستنتاجات حول هذه الرسائل لما كفتها حصة كهذه لكن ما لنا والاطالة فيستطيع كل متدبر ان يتمعن فى كل حرف وفي كل نقطة ضمنها هذه الرسائل ليدرك بنفسه ان دراسة هذا اللون

الخالد من ادب الرسائل يستحق الاهتمام لانه مصدر حى لتطور الحركة السياسية ، وامتداد مستمر لدفع الثورة وتحريك العزائم وبث الوعى فى الصدر ، وتعليم الاجيال مدى ما قاساه الرئيس من محن فى سبيل تحقيق ما نعيش عليه الآن من تقدم وازدهار ، فقراءة رسالة واحدة مما كتبه الرئيس بجالطة يعيد للاذهان الظروف التى كانت عليها اوضاع قضيتنا وكيف ان العصا التى كان يحملها القائد بيده ، قد فعلت مفعولها ، ورمت بالمحتلين في وقت قريب خارج الحدود برا وبحرا وجوا .

وها نحن الآن تطبيقا لما قررنا من حقائق وسجلنا من ارتسامات نورد عينات من هذه الرسائل لنركز بها فى الاذهان صورا صحيحة لما قلنا ولما فاتنا ان نستخلصه من مواقف العبرة والتجارب التى ملئت بها صحائف هذه الرسائل وتحتاج الى تقييم ادق واوسع .

لقد بدأ الرئيس رسالته بتوجيه برقية الى المقيم العام ( لوسيان سان ) سنة 1922 احتجاجا على تعطيل الصواب باسم اقرانه التونسيين لنشر هذه الجريد اشاعة تنازل الناصر باي عن العرش وما نشأ عن ذلك من اضراب عام ومظاهرات كما وجه رسالة للحزب القديم فى 9 سبتمبر 1933 . يعلن فيها نخلية عن عضويته . وفي شهر نوفمبر 1934 وجه من منفاه برج الباف سابقا وبرج بورقيبة اليوم رسالة رجل طريح الى المقيم العام بيروتون يقول فيها معتزا بايمانه وثباته ملقنا المقيم العام درسا هاما : " لا تنتظروا مني خضوعا او تراحعا ، فانا راض بمرارة النفي ولو لم تكن له نهاية ، وأفضل صاة التغريب والابعاد لأني أريد أن ابقى متماسكا على قدمي " واية قوة كهذا فى تلك الظروف ؟ .

كما بعث الرئيس الجليل ردا على جريدة النهضة بتاريخ 8 فيفرى 1935 لما نشرت اخبارا تفيد مصادقة الرئيس على اتجاه جديد للحزب وجاء فى هذا الرد قوله :

" أطلعت بجريدتكم في عدد السبت والاحد الثاني والثالث من فيفري الجارى ، على سلسلة مقالات تحت عنوان : " المسألة التونسية واتجاه الدستوريين الجدد " جاء فيها : " ان الاستاذ الشاذلى خير الله ادخل على الحزب الحر الدستورى سياسة جديدة الا وهي سياسة المراحل والتفاهم مع الحكومة تاركا السياسة السلبية التى اثبتت التجربة انها غير مجدية وقد اشترط الاستاذ خير الله عند قبوله العمل فى الديوان السياسي الثالث ان يكون برنامجه المشار اليه هو الذي يقع السير عليه فى المستقبل كما حصل على

موافقة المبعدين على البرنامج الجديد في البيان الذي امضوا له عليه اثناء رحلته فى الجنوب " . ويعلق الرئيس بعد ذلك قائلا : " قرأت كل ذلك فقلت فى نفسي ما هذه الأحبولة الجديدة ، التى تنصب اليوم لزرع بذور الشك والاضطراب فى الشعب التونسي نحو رجاله العاملين . ما هاته المغامز التى ترمي للفت فى ساعد الامة لتحرمها ثمرة صبرها وثباتها ثبات الرواسي على مبدأ جليل استشهدت لاحله عشرات من النفوس الزكية وزج من اجله مئات من الاحرار فى ظلمات السجون ؟ انتهم نحن المشيدين لهاته الحركة الغارسين لتلك الشجرة بالتراجع عن برنامجنا المقدس وطريقتنا المثلى ، والالتجاء الى غيرها مما اثبتت الابام بل السنون عقمه خصوصا وقد انبثق امامنا فجر النصر بعد طول العناء ، وجاءت التجربة حاسمة لكل جدال وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا ، الحقيقة انه لم يقع شئ مما توهمتموه وجميع الاستنتاجات التى رأتها جريدتكم لا نصيب لها من الصحة بل هي أوهام وأضغات احلام " .

ويخرج الرئيس من سجنه وبعد الشعب ليوم عظيم كان من مظاهره اليوم التاسع من أفريل 1938 . ويعاد للمعتقلات ويواصل اتصاله بشعبه بواسطة الرسائل محذرا وموجها ومن رسائله البارزة تلك التى توجه بها فى 8 أوت 1942 - الدكتور ثامر رحمه الله من حصن " سان نيكولا " يدعوه فيها للحذر والوقوف بجانب الحلفاء لما فى ذلك من كسب لقضيتنا رغم ما فى ذلك من اتعاب ويختم الرئيس هذه الرسالة قائلا : " ومهما يكن من أمر فواجبنا تأييد الحلفاء بدون قيد ولا شرط لان غايتنا الاساسية ان نكون فى صف المنتصرين عند انتهاء الحرب باعتبار اننا شاركنا في اسباب الانتصار ، مهما كانت مشاركتنا ضئيلة وحتى لو قدر لنا ان نتجع من سلوكنا هذا اشد المضاضة فانا نكون على كل حال قد استحققنا احترام فرنسا والحلفاء ولنا في ذلك بالإضافة لضمان البقاء عدة لاستئناف كفاحنا بسلاح حاد في معاركنا المستقبلة سبتاح لنا بهما تحقيق كل آمالنا " .

وفعلا لقد انتصر الحلفاء كما تكهن فخامته ولم نخسر الموقف على كل حال ويستأنف الرئيس جهاده ويهاجر الى الشرق ويترك لابنائه وصية وهو فى طريقه الى صفاقس في اواخر مارس 1945 . هذا نصها : " ها أنا ذا سأفارق وطني تاركا أعز عزيز لدى ، أهلى وولدى وأحبابى وذلك لتلبية نداء وطنى واستجابة لما تدعو اليه مصلحة الشعب . انني ذاهب حيث لا أهل ولا اقارب ولا أصدقاء ، لا أدرى هل أعود الى وطني أو أموت مغتريا فالذى اطلبه من الجماعة هو ان يأتوا برفاتى اذا ما مت كي تضمنى فى ثراها هذه الارض التى ضحيت من أجل عزتها وكرامتها .

ويكتب الرئيس وهو بالشرق غريبا عن وطنه الى ولده رسائل مثالية هى الى التشبع بروح التضحية والصبر أقرب من أن تكون حديث والد الى ولده يقول فى الاولى : " أعلم أن أباك مهاجر قد ضحى بكل ما لديه فى سبيل وطنه ، واحمد الله على هذا المبلغ الذي خصص لك . أجل انك ستضطر الى أكل اللحم المتعفن ولكن ذلك لن يضربك فلقد اجتزنا كلنا هذا السبيل الذى تسلكه انت اليوم وستمكنك هذه الحالة من ان تجرب بنفسك الحياة التى لست كلها افراحا ، فاعلم ان الحياة كفاح مستمر ولا ينجح فيها الا من تحمل تجاربها الشاقة منذ صباه اما اولئك الذين لم يتجشموا الا عناء الحلول بهذا العالم فانهم لا يفلحون ابدا وانهم يموتون بدون ان يتركوا اثرا على وجه البسيطة .

ويقول فى الثانية : لا شئ أشق على المنفي من عدم اتصاله باخبار  وطنه . لقد انتشر الوباء بالبلاد وأنا نعيش اليوم فى لحد عميق . اني لمشتاق الى الجو العائل اذ ان حبى لعائلتى شديد وقد شعرت دائما بحنين الى الوطن خاصة وان القدر المحتوم قد حكم بان اعيش مبعدا وحيد " . ويقول لمواطنين فى هذه الرسالة : " ان النصائح والأوامر التى وجهتها اليهم لم يكن لها اثر ولم يقدر احد على فقدان حريته ، ولا على التضحية بنفسه . وهذا هو شأن الشعوب المحكوم عليها بالعبودية ، فانها تريد ان تتحرر ولكنها تترقب التحرير من الخارج بفضل بعض المعجزات . غير ان المعجزة لن تاتي ما دام الناس لا يقومون بشئ داخل وطنهم .

ولئن كانت هاتان الرسالتان مما كتب خارج السجن الا انهما صيغتا وهو بعيد عن الوطن متشوق اليه ، يحث قومه على الايمان بمبدا التضحية والاعتماد على النفس . وتدور عجلة الزمن ويعد الرئيس العدة للثورة ويبعد عن الميدان بجسمه لا يروحه وتفكيره وبعد ان اطمأن الى الاستعدادات ها هو ذا يراسل صديقه محمد على الطاهر من باريس فى 1951/12/27 . تحت عنوان : " الى ساحة المعركة " يقول له : " فقد انقطعت المفاوضات بصورة جعلت مسؤولية الفشل على الحكومة الفرنسية ، مما جلب لنا عطف كل الوفود الدولية ، وحتى الرأى العام الديموقراطى الفرنسي فلم يبق امامنا الا الكفاح المباشر الى النصر النهائى أو الموت الزؤام ولا اخال الدول الكبرى تتخذ لنا فضلا عن اخواننا العرب والمسلمين .

ويعلق محمد على الطاهر على هذه الرسالة مبديا خوفه على الرئيس وقد بددى الرئيس رغبته فى العودة الى تونس . فماذا كان جواب الرئيس: " أنا لا أخشى السجون لأني اعتدتها . . . وليكن ما يكون لأن قتلى سيؤدى حتما الى ردة فعل عند الشعب التونسي فيستبسل فى قتال فرنسا" .

ومن يتتبع جواب الرئيس الى محمد على الطاهر خصوصا الرسالة الموجهة فى 26 فبراير 1952 ، بعنوان من الاعتقال بجنوب تونس صفحة 22 " من الرسائل " ، او التى وجهها من جالطة فى 14 يولية 1952 بعنوان " آلام المجاهر فى المنفى وافراح الاعداء " صفحة 23 او التى عنوانها " مكاشفات وآمال وتصميم على النضال " بتاريخ 10 ديسمبر 1952 صفحة 24 من الرسائل فانه يقف على سلسلة من الآلام والآمال ، من التفكير الدائب والتدبير الحي في سبيل انقاذ الوضع وتحريك الهمم والتأثر ، من مواقف المخذولين ، ونكتفى بايراد هذه الفقرة من رسالته المذكورة اخيرا : " لقد رجعت بي الذاكرة الى تلك الندوات الممتعة بدار الشورى العامرة ، معقل النزاهة والصراحة والرأي السديد ، وما يتجل فيها من روح الكفاح والتمرد على الظلم والطغيان وتذكرت حكاية " السياج والدجاج " وهي حكاية هزلية نجدها فى كل زما ومكان ، حكاية العاملين الصايرين الزاهدين ، والقاعدين ، المتفرجين والمنتقدين ، حكاية بني اسرائيل مع موسى اذ قالوا له : " اذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون .

ومن الجزيرة دائما يوالى الرئيس توجيه رسائله ، فهذه رسالة الى الاخ محمد المصمودى مؤرخة فى 10 اكتوبر 1952 ، نشرت بالعمل فى غرة فيفري 1957 ، يوضح فيها الرئيس موقفه من المغريات واجابته للاميرال - ماندى - حينما طلب منه رفع رسالة الى المقيم يلتزم فيها بالهدوء يقول الرئيس " ان من ارسلكم لا يعرفني ولا شك ، والا لما اقدم على مفات حتى بهذه الشروط انى لم افعل قط الا ما املاه على الواجب ، وانى مازلت مقرا العزم على مواصل القيام بواجبى فى اى مكان كنت ، وطالما بقيت بقيد الحياة . ان السعادة الوحيدة التى انعم بها فى هذه الدنيا والتى ليس فى مقدور اى كان ان يحرمني منها فضلا عن ان تؤثر عليها المحن والاعاص تتمثل فيما اشعر به من الارتياح لقيامى بواجبى على الوجه الاتم . . ولتأكدوا من اني لن التمس اى شئ من مسييو - دهوت تكللوك - ولن ابعث اليه ولو بكلمة واحدة . وعلى كل فانى استنكف من ان اكون مدينا له بحريتى او حتى بتحسين نظام عيشي في المعتقل " .

ولنقرأ الآن آخر هذه الرسالة التى كتبت فى جالطة فى ساعة من ساعات العسر والانقطاع عن الناس وهى تدل على نفسة القائد وايمانه العظيم برسالته : " انى اعيش منذ اكثر من شهر على ضوء الشمعة الخافت رغم انهم امدوني منذ نحو الاسبوع بمصباح زيتي ولكن رائحته الكريهة جعلتني افضل عليه الشمعة ، لقد حاولت تذكير نفسي باني تابعت دروس كلها تونس على ضوء المصباح الزيتى لكنى اعتدت الاستضاءة بالتيار الكهربائي

لا شعر بالفرق الكبير " . . الى ان يقول : " انى كنت فى نعيم ولكنه نعيم لا أتاسف على فقده لانبر ان غرفتي الباردة والمظلمة بجزيرة جالطة نعيم ايضا . فهي مضاءة ودافئة بشعور من قام بواجبه انه نور اقوى من جميع الانوار الكهربائية ، ونار تبعث الدفء كاحسن المواقد باضخم الفنادق واى شئ احسن من ان يقف المرء في وجه القوة العمياء ويناهض الظلم والجبروت وان يتحمل جميع انواع العذاب والحرمان ليسرع بتحقيق هذا المثل البديع فى العدالة والحرية والاخوة البشرية وليرتفع عن مصاف الحيوانات وهذا يساوى بحق جنات الارض باكملها ولذا فانى لا أتأسف على شئ ولا ابكي مصيرى " .

فما قولكم ؟ أليس من الاعتزاز بالبطولة والايمان ان نعلم مثل هذه الرسائل لأجيالنا وشبابنا . وان تكون مادة نصوص حية ، وهذه رسالة اخرى ابلغ من اختها موجهة الى السيد عمر المشترى مؤرخة فى 11 سبتمبر 1952 - نقتطف منها هذه الفقرات التى تنشر الايمان وتدل على ما لنفس كاتبها من روح جبارة تعرف الضعف ابدا يقول الرئيس بعد الديباجة : " حيا الله الخضراء والساحل بالخصوص الذي ينبت الرجال الافذاذ ، رجالا يذودون على الحق والكرامة والشرف ، وينازلون الظلم والعدوان فينعوا برضى الله ورضى الضمير بعد حياة كلها كفاح وجهاد ، ثم ميتة عزيزة تبقى عبرة ودرسا للعباد ، وتنقذ الوطن من هوة الاستبداد ، ومعرة الاستعباد ، نعم لقد وردت على مئات من المكاتيب من اقاص القطر التونسي من سجونه ومحتشداته وحتى من الخارج لكننى والله لم أتأثر مثلما تأثرت بمكتوبك البليغ الذي ساحتفظ به كأبلغ صرخة صادرة من اعماق الشعب التونسي الذي بهر الدنيا بكفاحه المستميت رجالا ونساء ، ملكا ورعية كلهم في صف واحد يشد بعضهم بعضا :

اذا غاب منا سيد قام سيد        قؤول لما قال الكرام فعول

ان تونس بخير وان يوم النصر آت لا ريب فيه . . . "

ويقول من رسالة اخرى مؤرخة فى 20 ديسمبر 1952 : " فلم يبق لنا الا ان نواصل العمل ونتمسك بالصبر ونثبت فى الربع الساعة الاخير . وعلينا الا ننسى ان الخطوط التى تعترض طريق الاندماج بل الحائط الذي انتصب في اخر الزقاق لا يتركب من الخط الملكي فقط بل هناك وراءه خطوط اخرى شعبية سوف تبقى ثابتة ، وتتركب من صدور وارادة شعب باسره لا يرضى ابدا بتغيير الصبغة الاساسية للدولة التونسية ، ولو كان ذلك عن طريق ما يسمونه بالاصلاحات البلدية قصد ابقاء الهيمنة الاستعمارية على الدوام . ولك

ان تتق بان هذه الخطوط سوف تكون منيعة حصينة ، ولذا فلا داعي للخوف كل المستقبل إذا ثبت كل تونسي في مكانه ، ولسوف يأتي اليوم الذى تجد فيه فرنسا مخلصا من الزقاق ولن يكون ذلك الا بالنكوص على الاعقاب وهو الطريق الوحيد الذى بقى امامها" .

وهكذا ترون ان الرئيس كان دائما لا يعتمد الا على شعبه وانه كان دائما ممسكا بد من حديد بدفة توجيه السياسية فى ادق مراحلها وارهبها.

ومن اهم ما كتب الرئيس بجالطة الرسالة التى توجه بها الى محمد الامين فى 2 حانفي 1953 ، حينما ضعف موقف الملك والقضية فى أشد ظروفها وجاء فى هذه الرسالة قوله أرى انه من الإجرام الكفر بنعمة الله ان نستسلم للضغط والارهاب في هذه الفترة الحاسمة التى سوف لا تطول اكثر من بضعة اسابيع اخرى او بضعة شهور ، ثم تنفرج الازمة عن نصر من الله ، وفتح قريب يكون جزاء صبرنا وثباتنا وايماننا الصحيح بالله وبرسوله وباليوم الآخر . نعم امام كل هذه الاسباب التى وفرها الله لنا للخلاص ارى انه من الخور وسوء التدبير ان تظهر الضعف فى هاته الدقيقة الرهيبة فنشجع الاستعماريين على الامعان فى الاضطهاد ونخذل فى الوقت نفسه كل الشعوب التى ناصرتنا وكل الدول التى تعرضت لعداء فرنسا وغضبها من اجلنا ونحن فى معركة الحياة او الموت ، سوف نقرر مصيرنا لاجيال عديدة : اما عزة وكرامة وحرية واستقلال واما ذل ومهانة إلى الابد . وعليه فانى اختم كلامي بهذا النداء الذي ابعث به اليكم من اعماق القلب باسم الدم العزيز الذي يجرى فى عروقنا والدين الحنيف الذي الف بين قلوبنا بحق الوطن الطاهر النظيف الذي فيه نبتنا وخيراته عشنا وفيه نموت ، أتوسل اليه فى ضراعة وخشوع فى هذه الساعة الرهبة التى ستواجهون فيها لا محالة محاولات عديدة وتهديدات عنيفة ان تذكروا الله عز وجل وتقولوها من الآن كلمة مدوية تهز مشاعر الشعب التونسي وشعوب الدنيا كلها ، كلمة سوف توطد اركان عرشكم المفدى فى قلوب التونسيين وتضمن لكم ولاحفادكم واحفاد احفادكم غائلة الدهر الخؤون وهي انكم تفضلون ميتة اسلامية شريفة تكسبون بها رضي الله ورضي الضمير على تراجع جديد فى حقوق الامة التى اصطفاكم الله لتكونوا على رأسها وسوف يحاسبكم على ما قدمت يداكم في حقها ، واعلموا ان من اختار الموت على الهوان وهبه الله العزة والحياة سنة الله فى خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا " .

انها حقا وثيقة خلود ضمت اسمى المعانى واصدق آيات التوجيه والحض على الوقوف بجانب الامة فى احلك الساعات.

ولم تمنع قوة العواصف قلب الرائد الكبير من ان يرد على من ادعي انه تم أمره ، برسالة نشر جزء منها بالاكسبريس بتاريخ 29 ماى 1954 جاء فيها لن يفت في عزم الشعب او يفنيه شئ عن كفاحه المقدس ، لا تخاذل باى ارهبه التهديد بالحلع والتغريب ، ولا خيانة مغامر عديم الوازع ، ليس له اى مبرر من جهل او اكراه . ان الشعب التونسي لن يرضى ان يكون فى وطنه مجرد مجموعة من الإفراد تمثل طائفة دينية او وحدة لغوية وهو يعلم ان الكفاح سكون طويلا ومريرا غير انه سيواصل صراعه الى النهاية دون ضعف ولا بغضاء ، تدفعه الى ذلك غريزة حب البقاء وسوف يوضع حد للكفاح وتجنح البلاد الى السلم يوم تعود الحكومة الفرنسية بعد اطلاعها على حقائق مجرى الإحداث الى احترام المعاهدات والقيم الاخلاقية والتزام حد ادنى من العدالة والنزاهة ، اما قبل ذلك فلا ".

وهل رأيتم صحة هذه النظريات . لكأنه كان يقرأ فى جبهة الغيب ما ستنبثق عنه المعركة التى اوصى فيها بالمداومة وطول النفس الى ان يخضع العادى ويعرف انه لا بد من الرجوع للمفاهمة ومع بورقيبة نفسه . بورقيبة الذي قبل الحكم الذاتي كمرحلة نحو الاستقلال وها هو ذا يخاطب صاحبه محمد على الطاهر من معقل - شانتياى - من اطراف باريس فى 16 ديسمبر 1954 - قائلا بعد كلام طويل : " لم نر بدا من قبول حل وسط يحفظ كيان نونس الدولي الذي كانت قضت عليه لائحة 15 ديسمبر 1951 - ريثما نعيد تنظيم الشعب الذي انهكته الثلاث سنين الفارطة ، ونستأنف الكفاح بوسائل اعظم من ذى قبل متى استقرت احوال الدول الشقيقة وحصلنا على امكانيات فعالة فى الميدان السياسي . وخلاصة القول ان كفاح الشعب التونسي لم ينته بعد وسوف يبقى قائما بيننا وبين الاستعمار ما دام قائما فى بلادنا جاثما على صدورنا ، وسوف يتطور ويتوسع نطاقه بحسب ظهور الاحداث العالمية والامكانيات ، حتى تسترجع تونس سيادتها الكاملة وتفوز باستقلالها التام هذا ما عاهدنا الله عليه من يوم دخولنا حلبة الكفاح فنحن قوم لا نخلف العهد والمستقبل بيننا " .

وها هو ذا المستقبلا ، تحرر تام ، حلاء كامل ، مخطط شامل ، حياة متطورة ، شعب حر كريم ، ايمان بالغد ، سعى وراء تحقيق فرحة الحياة.

وهكذا تصح تنبؤات القائد ويصدق عهده ، وتبقى هذه الرسالة كنزا ثمينا يراجعها الانسان ويقارن بين ظروف صوغها والظروف التى تحياها نونس اليوم فيزداد ايمانا على ايمان بان الرجل العظيم يبقى عظيما فى منطقه ونقاشه وآرائه وايمانه لا يتحول ولا يريم الا بما يغمض على قصار النظر،

الذين لا يفهمون معنى السياسة الا فى الارتجال والضوضاء بينما السياسة قد وضع مخططها صاحب هذه الرسائل وسن لها منهجا حكيما حبذا لو تبنته كثير من الامم لتلقى الحلول السليمة لقضاياها المتعددة .

واني لارجو ان ارى رسائل الحبيب ، وبرقياته ومقالاته الصحافية ، وجميع بياناته وخطبه ، فى سلسلة كتب ، يختار منها ما يصلح بالتعليم والشباب فيقرر مادة للتدريس لانها رسائل جمعت فاوعت ، وفاقت الوان الرسائل التى عرفناها قديما وحديثا ، حيى الله الرئيس الذي مهد وزرع وانست وآتي غرسه الثمار وعاش حتى راى آماله وامانيه تتجسم فى وطنه ، وآراءه تشع فى الدنيا بكامل الهيبة والتقدير .

اشترك في نشرتنا البريدية