أرى من الواجب على قبل كل شئ * ان اشكر ادارة الاذاعة والتلفزة على دعوتها لى لمشاركتكم فى هذا الملتقى التاسع وربط الصلة بكم من جديد . ذلك ان العلاقة بينى وبينكم - أو بينى وبين من سبقوكم من الهواة - كانت متينة منذ سنوات ولعل فى هذا اللقاء فرصة طيبة لتجديد تلك الصلة من جهة ، ولكى افلت من مشاغل العمل اليومية وتبعاته والوذ معكم بالادب وقضاياه ومشاغل أهله من جهة اخرى . على انى لا ازال أصغى من حين لآخر الى ما يتلى فى حصة هواة الادب من انتاج متنوع فأجد متعة كبيرة سواء فى لاستماع الى هذا الانتاج او الى ما يدور حوله من نقاش بين المراسلين والمشرفين على البرنامج .
ان حصة هواة الادب ليست فى الحقيقة مجرد مجال لممارسة هواية ، بل هى تقوم بوظيفة اساسية لان الادباء فى أول أمرهم ناشئون ، يحاولون ويجتهدون ، يخطئون ويصيبون ، فاذا وجدوا المناخ الملائم والتشجيع الكافى، اينعت ملكاتهم وصلب عودهم ، وعمقت ثقتهم فى أنفسهم ، واستطاعوا ان يشقوا طريقهم فى درب الادب ، فى درب الحياة .
وانما وجودنا فى هذا الملتقى دليل على ايماننا جميعا - هواة ومسؤولين - بالادب التونسى ، وبوجوب تشجيعه ، وبان هذه التربة تستطيع إنجاب أدباء لا يقلون شأنا ولا أصالة عن غيرهم فى بقية الاصقاع .
عمل بسيكولوجى :
ان ما عاق الادب التونسى فى نظري عن الظهور والاشعاع والانتشار ، ليس فقط العراقيل المادية ، من مثل ما كانت تشكوه البلاد سابقا من انعدام النشر والتوزيع ، بل هى قبل كل شئ عراقيل نفسية ومركبات
مختلفة ، جعلت أكثر الناس لا يؤمنون بان فى مقدور هذه البلاد ان تنتج أدبا ذا قيمة وهكذا احتقر قومنا انفسهم وشكوا فى قدراتهم ، وزهدوا فى الانتاج القليل الذى كان يوزع عليهم .
فكسدت سوق الادب وخارت العزائم ، واحجم الادباء انفسهم عن الانتاج والكتابة . هذا ما حدث فى عصور الانحطاط وما دعمه الاستعمار الثقافى حتى لقد كنت ترى بالامس - ومازلت أحيانا - المثقفين التونسين على قلتهم يتهافتون على ما ينشر شرقا وغربا ويعظمونه وكثيرا ما يقدرونه فوق قدره ، فاذا ما ظهر أديب أو برزت مجلة أو نشر كتاب فى بلدهم قابلوه بالازدراء والنقد اللاذع ، او بالتجاهل واللامبالاة وهو شر من النقد ، لان المناقشة والنقد ان هما الا مظهر من مظاهر العناية والاهتمام ، اما اللاميالا قسم خانق قاتل يحمل صاحب الانتاج على الشعور بانه يصيح فى واد غير ذى زرع ، فيفشل ويتوقف عن مواصلة السير ، فهو قد يشعر بالالم اذا ما انتقد وهوجم ولكنه يستطيع ان يواجه التيار ويصمد ، بل يستطيع ان يستمد من عقوق الناس نحوه وتكالبهم عليه مثابرة وقدرة على التحدى والمواصلة لان الخلق الادبى كالخلق فى ميادين أخرى ان هو الا ضرب من التحدى ، أما إذا توفر التشجيع الى جانب الهجوم والانتقاد فهذا يعنى ان الاديب - والاديب الناشىء بالخصوص - قد وجد ما يطمح اليه .
والى عهد قريب كان الادباء يشعرون بهذا الفراغ المهول ، وبهذا الركود القاتل فى عالم الادب ، ناهيك ان المتتبع لتاريخ المجلات والكتب - وبصفة خاصه منذ 1881 الى الاستقلال - لا يكاد يجد مجلة عمرت أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات . والمجلات التى عاشت عاما او عامين تعد على الاصابع . اما التى أصدرت عددا أو عددين أو ثلاثة أعداد ثم احتجبت واختفت الى الابد فتعد بالعشرات . واذا ما قرأنا مثلا ما كتبه محمد البشروش مؤسس المباحث من شهادات عما كان يشعر به صاحب المجلة من قنوط ويتصدى له من عقوق ولا مبالاة أدركنا عمق الهوة التى كنا نتخبط فيها وهول المنزلة التى عرفها السابقون .
وان اول علاج لقضية الادب فى بلادنا فى رايى يتمثل فى استئصال ما عشش فينا وفى بيئتنا من عقد وميل الى استنقاص ذوى القربى ، والقضاء على ما نشانا عليه من جنوح الى التعلق بالسلبيات مع اهمال النواحى الايجابية ، وذلك بان نغرس فى انفسنا الايمان بان شابنا الادباء فى
امكانهم ان ينتجوا ادبا قد يكون مغايرا لادب الاقوام الاخرى ، ولكنه قد لا يقل عنه قيمة ولا اصالة ولا قوة تعبير فى الشهادة عن شواغل العصر ومشاكل الحياة ، ولا يقل بالتالى مساهمة فى اثراء الأدب العالمى ، وفى تبوؤ الادب التونسى - او المغربى بصفة عامة - المكانة اللائقة فى عائلة الآداب العالمية .
ان عملنا اذن بسيكولوجى قبل أى شئ آخر اذ مهما توفرت الاسباب المادية ، واحكمت وسائل التوزيع والنشر ، واغدقت الاموال فلن نفوز نفسنا من حيث اننا أدباء ولن يفوز الادب التونسى ما لم يؤمن الاديب نفسه بان له عين القدرة التى عند غيره ، وما لم نستأصل داء الشعور بالحقارة عند الكاتب وجمهور القراء على السواء .
هذا العمل البسيكولوجى العظيم هو الذى ما فتئنا نقوم به وندعو اليه ، وهو ما تتضافر الجهود الرسمية والشعبية على إنجاحه ، حتى انا لنغض الطرف - احيانا ولاسباب منهجية - على بعض العيوب الجزئية والهنات فى سبيل الاهم ، باعتبارتا نعيش مرحلة انتقالية ستعقبها مرحلة أخرى نكون فيها أشد على انفسنا ، واكثر التزاما لمقاييس الموضوعية العلمية المتعارفة ولكن لا يمكن ان نقول اننا نجحنا والمعركة ما زالت قائمة ، بل ان ما تقوم به الاذاعة والتلفزة واللجان الثقافية والمؤسسات العلمية والمجلات لن يبلغ غايته ما لم نجعل الى جانب ذلك مخططا لتهذيب الشباب وتعليمه وتربيته .
وان من ينظر بعين فاحصة لبرامج التعليم يدرك ذلك . فالى سنة 1970 فقط كنت تتصفح كتب القراءة او كتب المطالعة او كتب النصوص الادبية المستعملة فى الابتدائى والثانوى - ومداهما ثلاث عشرة سنة - فلا تكاد تجد سوى أربعة أو خمسة نصوص من جملة خمسين ومائة نص . ثم اننا نجد من بين هذه القلة القليلة ثلاثة نصوص للشابى فكانما هو الاستثناء الذى يؤيد القاعدة ! .
ويقال ان استاذا تونسيا كان يفسر فى بعض دروسه نصا لا أدرى كيف خير من انتاج محمد فرج الشاذلى . فساله بعض التلاميذ من هو محمد فرج الشاذلى ، فاجاب الاستاذ بكل ... ثقة فى النفس : هو كاتب مصرى متوفى ، عاش فى مطلع القرن العشرين .
ذلك انه لم يخطر بباله انه يوجد كاتب تونسى يستطيع ان يكتب شعرا أو قصة ويبلغ مستوى يؤهله لان ينتقى شىء من انتاجه فى كتاب مدرسى
رسمى ... ؟ .. فباستثناء الشابى الذى عرفه الجميع ومصطفى خريف والدوعاجى اللذين اشتهرا نسبيا منذ سنوات قليلة ، فان البقية يجهلهم عامة المتعلمين جهلا يكاد يكون كاملا .
لماذا التونسة ؟
فكيف نلوم شبابنا والحال أنه ينشأ وهو يستجدى ويلتمس الادب شرقا وغربا بحسب هوايته وتضلعه فى هذه اللغة أو تلك ؟ .
لذلك نادينا - ولا نزال ننادى - بالتونسة ، أى الا يقل حظ ما كتبه التونسون والمغاربة عن النصف من جملة النصوص التى تفسر فى التعليم . ولم يكن من السهل اقناع الجميع بضرورة ذلك . فبعض المتفقدين والاساتذة ممن ضمنهم لحنة كونتها عام 1970 لما توليت وزارة التربية حينذاك زهدوا فى اختيار النصوص التونسية بحجج مختلفة ، منها ما كان يدعى أصحابها تجاوز الحدود القومية زاعمين ان ما نرمى اليه من خلال تدريسنا للنص انما هو تكوين ذوق التلميذ وإذكاء حساسيته وإثراء لغته وإقداره على التفكير والتعبير بقطع النظر عن الكاتب اكان تونسيا أم غير تونسى ما دام النص قد توفر فيه المستوى المطلوب ... ولقد كنت اجبت : ما المانع اذن من اختيار النص التونسى قبل غيره إذا ما استوفى ما نتطلبه فيه من شروط ؟ . ومنها ما كان يقول زعماؤها : (( نحن معك فى هذا الاتجاه ... لكن اين هى النصوص التونسية ؟ (( فانبرى الاستاذ البشير بن سلامة والاستاذ أحمد خالد بالخصوص فاعدا قائمة فى الانتاج الادبى التونسى قديمه وحديثه فى أربع صفحات أو خمس ، ووضعا المراجع والمعلومات ، ووزعا هذه الوثيقة فى الجلسة الموالية فاندهش البعض ، وقام من بينهم أحد اصدقائى ممن زاملونى فى المدرسة الصادقية ، فاعتذر معترفا بانه لم يقرأ ولو واحدا من هذه النصوص ، وخاصة منها ما نشر بين عام 1956 وعام 1970 . ذلك انه ينتمى لاجيال درست فى الصادقية منذ عشرين سنة نتفا من الجاحظ والمتنبى وابن زيدون وابن خلدون ، وبقيت تردد هذه (( الكلاسيكيات )) ، اما ما عداها مما نشر من بعد ذلك فى جرائدنا ومجلاتنا وكتبنا منذ سنة 56 الى اليوم فما وجدت الوقت الكافى لمطالعته ، فحكمت على أدبنا بانه غير موجود أو بأن بضاعته قليلة ومستواه متواضع ..
لذلك قلت اننا مقدمون على عمل بسيكولوجى ، لا قانونى ولا مادى ، مثله كمثل العمل السياسى المباشر فى سنوات 33 ، 34 ، 36 ، 37 الذى اثبت ان
قضية الاستقلال لا تعتمد على الدبابات او المدافع بل على الايمان باننا أهل للاستقلال وبان الكرامة تقتضى الحرية ، وبأن الموت مع الكرامة أفضل من الحياة مع الذل والهوان . هذا العمل لم تقم به الدبابات ولا الوسائل المادية ، بل الدعوة الصادقة والاتصال المباشر المستمر واحياء الضمائر وتنظيفها مما علق بها وتراكم عليها من نزعة القعود والتواكل والتخاذل والرضا بالدون واعتبار ما حل بالقوم انما هو قضاء وقدر ، حتى ان بعض تقارير البوليس الاستعمارى التى اكتشفت بعد الاستقلال كانت تعبر عن دهشة اصحابها من رؤية أهل القرية الصغيرة الفلانية الذين كانوا كلما نظروا الى رجال السلطة الفرنسية طأطؤوا رؤوسهم ، ولكنهم ما ان اجتمع بهم الزعيم الحبيب بورقيبة فى هذه القرية حتى صاروا يرفعون الرؤوس وينظرون الى الفرنسيين نظرة المؤمن المعتز ، نظرة الند للند .
قد لا يمكن لبعض شباب اليوم - ومنهم من يهيم بالهياكل التحتية والهياكل الفوقية ويتشدق بحتميات التاريخ وما الى ذلك من ضروب اللغو الايديولوجى - أن يتصوروا تأثير مثل هذه العمليات البسيكولوجية التى نلخصها اليوم بعبارة التوعية ولكن من عاش فى هذه لبلاد من ثلاثين سنة مضت - فى الارياف او فى المنطقة العسكرية بالجنوب خاصة - يعلم ان القضية قضية نفسية أولا وبالذات ويدرك أن الانسان هو صانع مصيره وانه نائل ما وراء العرش اذا ما تعلقت به همته وأن القدر مستجيب حتما اذا ما أراد الانسان وأراد الشعب ! .
فايمان الاديب بانه لا يقل شانا عن غيره ، وانه فى امكانه ان ينجح ويفرض نفسه مهما كانت العراقيل والتكاليف ، شرط أساسى لقيام نهضة أدبية . وكذا إيمان الادباء والكتاب وجمهور القراء بانهم عندما يطالعون اثرا تونسيا او جزائريا أو مغربيا يستطيعون ان يجدوا غذاء روحيا وجماليا وان يعتزوا بذلك . من أجل هذا تقام الملتقيات وتتضافر جهود الاذاعة والتلفزة ، ودور الشباب والمنشطين والمربين بصفة عامة . وانه لعمل جبار يستحق التشجيع ويتطلب ان نضاعفه ونركزه .
ولا بد هنا من أن أذكر بانه ينبغى ان نعتبر تونس وطنا أصغر فى نطاق وطن أكبر هو المغرب العربى الكبير ، لان كل شئ يجمعنا ، الدين والحضارة الاسلامية واللغة العربية وكذلك خاصة الكفاح الواحد والعزيمة المشتركة على ان نكون متضامنين فى وحدة متماسكة متآزرة متكاملة . فكلما نظرنا فى
أمرنا سواء فى الماضى او الحاضر وجدنا وجوه شبه لا يكاد يوجد مثلها فى غيرنا من الاقطار . ففى أوربا وفى غيرها نرى أمما كثيرة كل شئ يفصل بينها وتفرق بينها تاريخيا حروب ومآس وضحايا تعد بالملايين ، نراها اليوم تتغاضى عما فرق بينها فى الماضى ، وعما يباعد بينها اليوم ، وتركز اهتمامها على ما يمكن ان يجمع بينها فى المستقبل اذ ان ما يقرر مصير المجموعة اليوم انما هو وزنها بشريا وحضاريا واقتصاديا . لذا فعقيدتى أن لا فرق بين الادب التونسى والادب الجزائرى والادب المغربى ، كذلك كنت ولا أزال أدعو الى اعتبار التاريخ القومى واحدا فى بلداننا الثلاثة . فاذا كانت العناصر البشرية والتاريخية والجغرافية واحدة فيجب ان ندرس تاريخ العالم انطلاقا من تاريخ المغرب العربى الكبير ورجوعا اليه . هذه هى الارضية وتلك هى الابعاد التى يجب ان ننتسب اليها وننطلق منها كلما واجهنا الغير . على ان هذا الوطن المغربى هو فى الحقيقة جزء لا يتجزأ من وطن أكبر الا وهو الامة العربية الاسلامية ، واقول العربية الاسلامية لانه لا معنى للعروبة وحدها بغير الاسلام ، فهو الذى أخرج القبائل العربية فى الجاهلية من الجهالة الجهلاء ، وهو الذى ركز اللغة العربية بفضل القرآن فكتب لها الخلود واثراها وزكاها ودعمها وجعلها تصمد على وجه الدهر . والاسلام هو الذى رفع شان العرب والاقوام الاخرى من حضيض الوثنية والاشراك الى سماء الروحانيات والوحدانية والقيم العليا .
لهذا ارحب فى هذه المناسبة بضيوفنا من الجزائر والمغرب الذين نعتبر وجودهم بيننا تأكيدا لعزيمتنا على ان نبنى مصيرنا الادبى والثقافى فالاقتصادى فالسياسى على أساس التكامل والاتحاد فالوحدة بحول الله . وما الاجتماعات التى انعقدت فى شهر جويلية واوائل أوت بين وزراء الثقافة فى بلاد المغرب الثلاثة الا دليل على ان شعورنا جميعا بوحدة المصير أصبح مرهفا وعزمنا متأكدا أكثر من أى وقت مضى .
معنى الادب :
اذا كان هذا شرط الانطلاق الادبى ، وكانت تلك ابعاد الادب فى وطننا الكبير والأكبر ، فما هو الادب ، وما هى ابعاده ، وما المقصود منه ؟ يحق لنا ان نتساءل لان الالتباس كثيرا ما وقع حول مفهوم الادب ، وكثيرا ما وقع استغلاله واسيئ فهمه مما آل باهله وبالمنتسبين اليه او المتطفلين عليه احيانا الى سوء الادب فبعض الناس فهموا الادب على انه ترف ولهو ومجانية وعمل هامشى . فبقدر ما كان أولو الامر والحكام يحتقرون الادب ويستغلون
أهله كان الادباء يستصغرون انفسهم ويكتبون فى كل شئ وفى أى غرض ، يمدحون ويهجون فيكذبون فى الحالتين ، وكل مناسبة سانحة لكتابه الشعر او الخطابة ! شئ واحد كان ينقص هؤلاء هو الصدق ! للاديب ان يمدح ويهجو او يصف ويتأمل ويتخيل ... له كل ذلك . انما المهم فى اعتقادى هو ان يكون صادقا يؤمن بما يقول . واذا استوحينا من حديث نبوى اسلوبا فى التعبير قلنا : من الادباء من يكتب رهبة فأدبهم أدب العبيد ، ومن الادباء من مكتب رغبة وأدبهم أدب التجار ، وصنف ثالث يكتب شعورا بحاجة ملحة وتعبيرا عن تجربة صادقة فادبهم هو الادب الحق .. أدب الاحرار ! فواجب الادب ان يتصف بالصدق مهما كانت اغراضه وظروفه ومقاصده والا كان هيكلا ولا روح وشنشنة ولا حياة .
مقابل هذه النزعة التى انتشرت خاصة فى عصور الانحطاط ظهر فى السنوات الفارطة - فى زى تقدمى أو ثورى - اتجاه جديد هو اتجاه الادب الملزم او المسخر ، أى الذى يعتبر الاديب مجرد اداة أو آلة فونوغراف أو بوقا صدئا يردد الأصداء ! . وبموجب ذلك ظهرت مدارس لتقييم الادب بحسب خدمته او عدم خدمته للشعب . هذه المدارس أفلست اليوم افلاسا مريعا لا فقط لان الادب فى هذه الاماكن ذوى وتقلص ظله ، بل لان القوم فى هذه البلدان نفسها غيروا مواقفهم واصبحوا أشد الناس انتقادا لما آمنوا به وتفصيا مما كانوا يقدسونه بالامس . هناك بعض أحزاب فى أوربا لو نظرتم فى تطور مواقفها ازاء الادب والثقافة لوجدتم فيها من التناقض ما يدعو الى الابتسام والاشفاق .
الادب هو حرية الاديب ولا يستطيع الناس تقييده بدعوى تقييمه ولا الحكم له أو عليه انطلاقا من أفكار جاهزة وأحكام مسبقة .
الادب الثورى :
يقول فريق آخر ان الادب يجب ان يكون ثوريا ، لكن ما معنى الثورية ؟ انها موقف يروم تغيير الواقع بتغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية بالرجوع الى قيم سامية فى الحياة واهداف عليا تتصور كلا من العدالة الاجتماعية والحرية والتآلف والتعايش تصورا ما . ننظر فى الواقع فاذا به عكس ما نحلم به ونتوق اليه فنشنها عملية منظمة مخططة مركزة لتغيير الابنية الاجتماعية والمناخ الاقتصادى والاجتماعى حتى ننقص شيئا فشيئا
من أسباب الظلم والحيف ، ونزيد فى جانب العدالة والحرية . هذا عمل مشروع من شان كل انسان مخلص شريف ان يتجه اليه ويكرس حياته من أجله ويضحى فى سبيله لكن الادب شئ آخر . هذا العمل هو عمل سياسى أو اقتصادى تقوم به المنظمات او الاحزاب ويتجند له الافراد ، الاديب نفسه قد يرى من واجبه ان يأخذ البندقية أو المطرقة ويضم جهوده الى جهود الكادحين لكنه يفعل ذلك كمواطن لا من حيث هو أديب . العملية الادبية شئ آخر ، فقد يتغنى الاديب بالبندقية وقد يتغنى بالجمال كما فعل الشاعر الروسى (( ما ياكوفسكى )) . قد يتغنى بعرق الكادحين ويصف مأساة المعذبين فى الارض وقد يردد رجع الطبيعة وهدهدة البحر ويتغنى بزرقة السماء وجمال الكائن الحى وسحر الوجود . فاذا كان العمل السياسى والاقتصادى عملا جماعيا يقيم ويصنف ويركز وينظم ويناقش ، فان العمل الادبى من جنس الاعمال التى تنبع من الذات وتشع ولا يستطيع المعاصرون ان يحكموا عليها اولها حكما نهائيا لا رجعة فيه . ان الاديب - فى اعتقادى - بتبنى الكون ويتعاطف معه ويتشربه ويتطلع الى ما فيه جمالا وقبحا فتدوى به نفسه ثم اذا هو يعبر عن ذلك تعبيرا ذاتيا مصطبغا بروحه وبشعوره ونظرته للحياة - .
والمهم هنا ليس محتوى هذه العملية التحويلية فقط بل هو اسلوب التعبير عن هذا المحتوى لان الفكرة فى حد ذاتها قد تقابلها فكرة أخرى لكن موسيقى العبارة وتوازنها والصور الموحية والحساسية فى التعبير أمور يمتاز بها الاديب الحق عن شبه الاديب ومدعى الادب . فاول ما نشترط على الاديب هو أن يكون صادقا ذاتيا وان يعبر تعبيرا فنيا طريفا موحيا كى يستطيع ان يهزنا هزا ويبعدنا عن واقعنا ويخلصنا من جاذبية منزلتنا الارضية ويحلق بنا فى فضاء خياله .
ان عددا من الشعراء الاصيلين مثل (( لوركا )) و (( ماياكوفسكى )) و (( فاليرى )) و (( سان جون بارس )) و (( الشابى )) و (( شوقى )) يختلفون فيما بينهم اختلافا كبيرا من حيث محتوى أدبهم ونظرتهم للوجود فبعضهم التصق بشعبه التصاقا واتحد معه اتحادا ، وبعضهم كفر بشعبه وانعزل عنه واختار الوحدة والهروب ، بعضهم تعددت شخصيته ، وبعضهم رأى فى الوجود الجانب الردىء ، بينما رأى غيرهم الجانب المقدس النورانى ، كل هذا لا يهم كثيرا ، وانما الأهم هو ان كل فريق قد عبر تعبرا ذاتيا واوحد له مناخا ينفرد به .
وانك لتستطيع ان تتحزب لفلان وتناصره وفى امكانك ان تحكم على فكرة أو تنتسب لجماعة فهذا لا يهم أيضا ، فما أنت إلا طيف من أطياف وصوت من اصوات كثيرة ترددت وطواها الزمان ولفها النسيان ، انما يبقى بعدك هذا اللحن الفريد من نوعه الذى يحرك دواخل نفسك وسواكن ذاتك ، واذا هو وجدك أصم مزورا عنه فانه ينتظر الاجيال القادمة ليشع ولو بعد سنوات او قرون . وكم شاعر ملعون منبوذ وكم أديب اضطهده قومه لم تمر على موتهم فترة قصيرة أو طويلة حتى اكتشفوا وبرزوا وانصفوا ونالوا من المجد والاطراء والاعتراف بالجميل اضعاف اضعاف ما أصابهم من الجحود والعقوق عندما كانوا بقيد الحياة .
عندما نقول ان الاديب يختزن التجربة ويرتشف الكون ارتشافا فان ذلك يقتضى منه ان يكون ذا ثقافة وحساسية لفحص الامور بعين ثاقبة وبصيرة ذكية ، وان تكون له قدرة على الغوص فى الواقع ، وعلى ممارسة البشر ، كل ذلك فى تماسك مع الماضى والتصاق بالحاضر ورنو للمستقبل ، فاذا كان فاقدا الشئ فانه لا يعطيه اذ كيف يمكن للشاعر ان يعبر عن شىء غير موجود فيه . لهذا فالاديب انسان ذو تجربة متزايدة دوما طالبة للثروة باستمرار تائقة للتعاطف البشرى دائما وابدا . وفى هذا المقام ليس البعد التاريخى أقل ابعاد التجربة الادبية شأنا .
ونعود الى متزعمى الثورية فى الادب فنجد بعض الأدباء فى مقتبل العمر يعتقدون ان شرط الادب الاصيل هو طلاق الماضى لانه ماضى الظلم والجور والتفاوت الاجتماعى وهذا خطأ لان التنكر للماضى هو تضحية بجانب حى منك فانت متكون من ماض وحاضر ومستقبل ، ومستقبلك هو الماضى لان ماضيك - احببت أم كرهت - هو الذى يكيف مستقبلك ، ومهما فعلت فلن تستطيع التخلص من بعض نفسك .
الثورية لا تتمثل فى هذه الطلقة البائنة ، أو(( بالثلاث )) للماضى ، والثورة ليست تحمسا لعقيدة نهائية جامدة ، ولا تعلقا بمجموعة محددة من الافكار الجاهزة ، الثورة والثورية هما حالة نفسية قوامهما ايمان راسخ وتجنيد ذاتى واستعداد متواصل ويقظة حادة ، وهى لا تعنى بالنسبة للماضى اجتثاثه بل تعنى التخلص - باسم الجانب الحى الموجود فى الماضى ذاته - من كل ما هو متخلف ومتحجر فيه . فالثورية من هذه الوجهة عملية ايجابية ، وموقف شجاع يستدعى النظر الى ما فى ماضينا وما فى انفسنا وما فى شبابنا من نواح
سلبية فيتركها ويستعيض عنها بنواح ايجابية . انه من السهل ان تنكر شيئا ، ولكن من الصعب جدا ان تتبناه وتتضامن معه بعد تخليصه مما يوجد فى طواياه من نواح سلبية ومعان متحجرة .
لغة الكتابة :
فى هذا المقام لا بد من ان نتعرض ولو بايجاز الى لغة بعض الثوريين الذين احترم أفكارهم واشجعهم على نشر انتاجهم ولكنى لا اوافقهم ، ديدنى فى هذا القاعدة الذهبية التى عبر عنها فى القرن الثامن عشر الكاتب المعروف (( فولتار )) عندما قال : (( انى اخالفك فى كل كلمة تقولها ، ولكنى سادافع حتى الموت عن حقك فى قولها . )) - فاذا ناقشت بعض الافكار فليس معنى هذا انى انادى باسكاتها والقضاء عليها ، لا ولكن من حقى ان اعبر عن أفكارى كما انه من واجبك ان تستمع الى افكارى وان تنظر وتفكر وتقارن وتتجدد ، لان الثورية هى ذكاء عقلى وصولة فكرية وموقف شجاع ازاء الجديد الجديد ، لا نوم ونعاس حول ما اعتقدناه ، وما ورثناه وتبنيناه فى غفوات وجودنا .
وفى هذا الصدد اقول لدعاة العامية انهم يخطئون جدا عندما يعتقدون ان الثورية فى ترك اللغة العربية - لان الادب صدق والتصاق بالواقع القومى ، فما دمت انت تونسيا أو جزائريا او مغربيا او عربيا فلن تخرج من جلدك كما قال الاعرابى فى احدى النوادر ؛ لن تخرج من جلدك الثقافى مهما تغسلت ولو التجأت عوض الصابون الى المستحدثات الكيميائية ، وحتى لو حاكيت الغير وتلبست به وسترت عورتك الثقافية بالاحتماء به فسيلفظك لفظ النواة ويتبرا منك ويزدريك ويعتبرك عالة عليه ، فاذا قلت لغة الشعب هى اللغة العامية قلنا لك هذا خطأ فلغة الشعب ليست اللغة العامية بل العربية مع التسهيل والتبسيط والتطوير وانا انما ادعو الى لغة معاصرة لا تنتسب للقرون الوسطى ولا هى صعبة متزمتة بل ادعو الى لغة متطورة شانها شأن كل كائن حى . فى استطاعتك ان تطورها وتطوعها اذا استعملتها واذا يسرت تراكيبها وقواعدها وادخلت فيها عبارات ومفاهيم جديدة .
لقد أفنى مستشرقون كثيرون العمر فى دراسة اللهجات العامية وفى المقارنات بين لغة ماجر ولغة الفراشيش ولغة بنى زيد ، ماذا بقى من هذا كله ؟ التاريخ حكم على ذلك بالفشل بقطع النظر عن قيمة هذه البحوث من ناحية الاختصاص العلمى . فويليام مارسى قضى سنوات فى
دراسة لغة تكرونة ، أين هى لغة تكرونة الآن ؟ وكتب بحوثا كثيرة فى نفس الاتجاه فهل نجد لذلك صدى عند بعض شبابنا اليوم ؟ ان ويليام مارسى نفسه تراجع عن هذا فى أواخر حياته . لقد كتب فى الثلاثينات مقالات طويلة عريضة موصوفة بالعلمية حاول فيها ان يبين ان اللغة العربية جامدة وقاصرة ولكن عاد بعد الحرب العالمية الثانية فكتب مقالات كثيرة مجد فيها اللغة العربية وأكد انها تستطيع التعبير عن جميع الاحاسيس والافكار وانها لغة حضارة . ولعل بعض الشباب يجهلون ما كان باح به هذا المستشرق الكبير للأستاذ المحجوب بن ميلاد اثر زيارة تفقدية أداها اليه بدار المعلمين بتونس بعيد الحرب العالمية الثانية وبعد أن استمع اليه طيلة ساعة كاملة وهو يلقى درسا فى علم النفس فى عربية مشرقة سليمة طيعة :
(( لقد هدمت لى ما قضيت عمرى فى التدليل عليه من أن اللغة العربية الفصيحة ليست لغة علم وان الزمان تجاوزها ! . ))
أقول لمن يعتبرون أنفسهم أكثر شعبية من الشعب ... يجب ان تتمعنوا فى الامر وان تفكروا ، وان تكونوا ثوريين بحق ولا تحاولوا الدخول فى معارك تعلمون انها مخسورة لا محالة ، لانها معاكسة لطبيعة الاشياء . فالاستعمار بطم طميمه ، بدعاته وكتابه ودوائر معارفه حاول طيلة سنوات وأد اللغة العربية فلم ينجح أليس من الافضل ان تكون الثورية عملية استصفاء واستصلاح من الداخل فاذا كنت ثوريا حقيقة وجب ان تقدم على اللغة العربية وتتحملها لانها لغتك ، ان تحبها كما تحب أمك لانها أمك ، ثم تحاول بقدر الامكان وعلى قدر عبقريتك وعزمك ان تضيف اليها شيئا من الحياة ، ان تهبها شيئا من طاقتك كأديب شاب حتى تتطور بتطورك وحتى تدعم يفضلك ويفضل لداتك وامثالك وهذا هو الموقف الثورى الصحيح .
لقد حاولت فى بعض الجهات ثورات اشتراكية القضاء على اللغات المحلية ولكنها فشلت واذا بها اليوم تشجع هذه اللغات المحلية . انظروا كيف حدث ذلك حتى فى الدول التقدمية الثورية ، فاعتبروا بما وقع ويقع حولكم عوض التمسك ببريق النظريات دون النظر فى تطبيقها ببعض الدول وذلك من عشرين او ثلاثين سنة . هذا هو الواقع ولا ينكره الا من طمس الله بصيرته فوقع ضحية لبعض الايادى الاستعمارية او الجهات التى ساءها ان تبقى هذه الامة محتفظة بمقوماتها ، ان تقف على قدميها لمواجهة مصيرها الحضارى ، وهذا ما لا يليق بأديب مخلص ان ينزلق فيه ويكون ضحيته .
لقد سبق ان قلت ان الادب هو عملية أخذ وعطاء ، أخذ التجربة ، اكتناز الواقع ، ارتشاف رحيق الحياة ثم هضم كل ذلك والتعبير عنه من جديد ، واضيف الآن ان قيمة الادب تكمن فى قيمة هذا التعبير فاللغة نفسها خلق ، فاذا كان هذا التعبير جديدا وطرريفا ومحركا للسواكن ومشحونا بالصور والموسيقى التى تطرب وتحرك وتدفع الى الامام فذلك هو الادب .
بين الادب والعلم :
على ان هناك فريقا آخر يعرف الادب تعريفا نشعر معه بالخوف والحيرة لانه يدعى ان الادب ان هو الا نتيجة تكوين الانسان والغدد النشيطة فيه وعدد الهرمونات المتحركة فى دمه . فالشعور بالألم او الجمال او اليأس او الأمل أو التدين أو الحقد أو الحماسة أو الحب كلها مظاهر مصطنعة ثانوية ، سببها وجود قدر كبير أو صغير من مادة كيمياوية معلومة فى الدم وهذا يعنى التنقيص من هيبة الأدب وجلاله ، بل يعنى النيل من حرمة الانسان . اذكر كنموذج من ذلك ما قاله (( جان روستان )) فى كتابه (( علم الحياة والاخلاق )) : (( ما ان تحرم بلاسما الدم من عناصرها الكيميائية حتى تتلاشى فى الروح انبل معانيها . فعندما تتوقف الغدة الدرقية عن افراز عنصرها (( التيركسيد )) فى الأوعية الدموية تزول ملكة الذكاء والجمال ويفقد الانسان حس الالم والجمال والتدين ، ان الغدد على اختلافها هى التى تجعل الحب والحقد والحماسة والفرح ممكنة )) فهل نقول ان الاديب انسان نشطت غدته الدرقية أكثر من غيره ؟ وهل الذى يميز الاديب عن غيره هو مجرد ثروة (( البلازما )) بمادة التركسيد ؟ لقد ظهر علم جديد يسمى (( البسيكوشيمى )) ويعنى الربط بين نفسية الانسان وبين تكوينه الكيمياوى . فالانسان ان كان أدبه ضعيفا يمكن ان نضيف اليه قدرا من المادة الكيمياوية الفلانية فاذا به شاعر وأديب . ويصبح الاستاذ اللغمانى فى حصة هواة الادب عبارة عن مسؤول على صيدلية يعطى لهذا أو ذاك قدرا من التركسيد أو مما لا أدرى من المواد الكيمياوية لخلق أجيال وأجيال من كبار الادباء ...
وقد رفضنا الادب التافه ورفضنا تسخير الادب واعتباره فرعا من فروع الاديولوجية والدوقماتيكية والان نرفض التسخير الكيماوى الحياتى للادباء ، لان الذى يهمنا كأدباء ليس هو تكويننا الكيمياوى بل تسأؤلنا ازاء الانتاج : هل نتفاعل به وننسجم معه ونتأثر بما جاء فيه ؟ هل نثرى انفسنا بالارتواء
منه وهل يحلق خيالنا فى دنى محجبة بمعاشرته ؟ وهل تتراقص الصور أمامنا بمطالعته ؟ هل نصبح بفضله فى مستوى أرفع مما كنا فيه أم لا ؟ هذا هو المهم . خاصة وان العقل الذي أدعو اليه شخصيا واومن به وأعتبره اللغة الوحيدة التى تجمع بيننا جميعا كبشر لا يستطيع ان يجيب عن الاسئلة الكبرى المصيرية التى لا يزال الانسان يلقيها ويفتش لها عن جواب منذ أول الخليقة الى الآن وربما الى ما لا نهاية له ، وهى الاسئلة الكبرى المتعلقة بمعنى الحياة والموت والسعادة والمحبة والمآل ، حتى اننا رأينا عالما كبيرا مثل أينشتاين بعد ان هاله ما اكتشف فى دنيا الذرة وما أصبح البشر يملكه من قدرة على الفتك كتب مقالا مشهورا هجا فيه العقل والعلم ، وقال : ( المفر الوحيد للانسان هو الشعر والادب لانهما هما اللذان يستطيعان ان يكسبا الحياة معنى ، ويصلحا بين الانسان ونفسه ، ان المهم هو تصالح الانسان مع نفسه . )
وهذا ما عبر عنه (( سان جون بارس )) يوم ان تسلم جائزة نوبل عندما قابل بين العقل الفاتح الغازى الذى يزحف ويتكشف فيكتشف ويكتسح المعرفة ، وبين الشعر الذى يجيب على هذه الاسئلة المصيرية الكبرى التى يعجز العلم والفلسفة عن الاجابة عنها . فبقدر ما يحتاج الانسان فى قوامه الى بنية اقتصادية متكاملة عادلة ويحتاج الى مناخ من الحرية والى الحوار مع البشر والى النزعة للمساواة ، يحتاج الى الفن والعلم ويحتاج الى الشعر والادب والقصة والخطابة بوصفها أدوات ترفع من شأنه ، وبها يفلت من جبروت الواقع وقساوة العقل البارد فى تفكيره ، وتحلق فى هذه - الدنيا اللغز - التى تجعله اذا ما أصغى وتفتح يشعر بانه - فى الواقع - خليفة الله فى الارض ، بانه بروميتيوس يحاول ان يبنى الوجود ، فيفلت بفضل ذلك من عقارب الياس والميل الى الانتحار أو من نزعة الهروب من الواقع بالاغراق فى اللذات ، فلا يكون ابا العتاهية فى استنجاده بالموت ، ولا أبا نواس أو بشارا عندما افلتا من واقعهما وخافا منه بالانغماس فى اللذات بل يكون رجلا يقف الموقف الواضح الذكى الشجاع أمام الواقع ، ويجيب عن الاسئلة التى تفرض عليه ذاتيا واجتماعيا بالعقل والعلم والعمل السياسى ، وأيضا - وبالنسبة لبعض الاسئلة التى يصعب الجواب عنها - بحاسة أخرى نورانية لطيفة ذكية هى حاسة الشعر والادب .
من خلال ما تقدم لعلكم توافقوننى على ان درب الادب طويل ، وقديما قال الجاحظ : (( الصناعة طويلة والعمر قصير )) ، وتوافقوننى على ان الاديب لن ببلغ أبدا المستوى المرضى ، فهو طالب للعلم والمعرفة دوما ، تائق للحق ،
للقداسة ، للجمال ، للخير لاستكناه الطبيعة الطبيعة دائما ، وهو فوق هذا وذاك انسان صادق فى الاستيحاء والتعبير فى حياته عامة وعلى الدوام .
فاذا سمحتم لى بان أسدى لكم نصيحة فهى ان تجتنبوا التعلق بالنظريات الجاهزة التى تدعى انها منتهية أو عصرية أو طلائعية أو علمية ... وان تبقوا متفتحين دوما على الجديد ، على الحياة على الواقع وعلى المستقبل ، مستعدين لهضم كل ما يستجد وادماجه فى شخصيتكم وتلوينه بلونكم كالأرض الطيبة تقوم بوظيفتها فى الكون أحسن قيام عندما تقتبس الحياة تم تهبها مزكاة فليكن الانتاج الادبى الذى تتمحضون عنه وتجودون به إنتاجا حسن الصورة ، صافى السريرة ، دافعا الى التقدم ، ينفع الناس ، ولعله بذلك يكون أدب الشباب شباب الأدب .

