الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

أدب النفس وأدب القلم

Share

الرجل ذو خصال تأصلت في ذاته فأصبحت بعضا من كيانه وسليقة فيه فهو بها الرائد وهو القدوة وهو المثال يحتذى ويقاس عليه . لم يركب محمد مزالى - يوم أسس مجلة الفكر فى هذا البلد منذ ثلاثين سنة - مطية طيعة ولم يؤمن بجدية مشروعه : لا أنفار قليلون، لم يفتح الساحر «سمسم» أبواب الرزق أمامه ولم يبسيط كنوز الدنيا تحت قدميه بل لقد قامر الرجل وجازف وغامر لعلمه أن النصر دائما حليف المناضلين الحقيقيين الذين يركبون المخاطر من أجل فكرة أو مبدأ أو رسالة وكان مزالى يعلم مسبقا ان الرسالة صعب تحملها شاق ومنهك لكنها دائما تشرف صاحبها وتسعده فى نهاية الامر .

كان لابد للثقافة ولقضايا الادب فى منتصف الخمسينات من نصير ومن سند ومن « ميسان » (Mécène) تونسى للرفع من منزلة الكاتب وللاخذ بيده والتعاطف معه وكان لا بد من توفير مناخ رحيب وفسيح لانتاج المادة الفكرية والعكوف على الخلق الفنى وممارسة الهواية الادبية ولم يكن من هيكل أو ادارة أو مؤسسة رسمية أو شبه رسمية للقيام بهذه المهمة بل لم يكن أحد فى البلد يؤمن بأن الكتابة وظيفة اجتماعية وبأن الادب الجيد مركبة الشعوب الى الخلود لما كان يطبع الكتابة من سفساف القول وضحالة المعنى وسخف التصور وركاكة الديباجة والتعبير . كان الكلام الفارغ يملأ صفحات الجرائد ويصم آذان المستمعين وكانت الخطب الرنانة مطية الانتهازيين الى المراتب والمناصب . فصاح محمد مزالى فى القوم يحملهم مواقف ويزج بهم زجا فى معمع كفاح من نوع خاص ومن طينة متميزة وندد بلغو القول ونافلة الكلام مناديا ببعث واجهة فكرية قوية لتحقيق المناعة للفرد وللجماعة .

كان لابد للرجل أن يكون منزها عن العقد والمركبات فاتحا صدره للحوار الى اقصى مداه عازفا عن الاحكام المسبقة متسامحا على الدوام ولربما يكمن سر نجاح مجلة الفكر وفشل ما سبقها من المجلات - التى أفل نجمها وأصبحت نسيا منسيا - فى ذلك التسامح الذى خلق الارضية المشتركة التى استطاعت ان تجمع بين الدستورى والشيوعى والمتمشرق والمتمغرب وكل أصناف المتمذهبين والمتذبذبين بسبب ما كان يفرق بينهم من اعتبارات جمالية أو مشارب ايديلوجية أو إحن طبقية أو ميول نفسانية .

كان محمد مزالى يستمع الينا - نحن جيل التمزق والحيرة جيل الألم والامل - افرادا وجماعات ويعلمنا المرة تلو المرة - واحسن به من معلم - كيف يكون الصمود أمام النائبات وكيف يكون الثبات على المبادىء وكيف يجب أن يكون ايماننا بالذات - الذى هو فى نظره فرع من الايمان بالوطن - لنصبح خلاقى حضارة بسلوك الراشدين لا بتلعثم وتردد وغيبوبة القاصرين.وان ما ميز مجلة الفكر عن غيرها فى المشرق العربى ومغربه هو بحق ذاك الطابع الفريد الذى جعلها مرآة عاكسة لمجتمعها بمتناقضاته جميعها بغثه وسمينه فقيره وثريه رجعيه وتقدميه مسفه ومجيده اى ذاك التضامن والتكامل اللذان جعلانا كتلة واحدة وعائلة واحدة طوال كل هذه السنين ، فلقد كان مزالى - واعتقد انه لا يزال - دائم التشهير بكل الخلافات المبنية على سوء التفاهم وببذور الحقد والبغضاء وبكل الاعراض والاعتبارات المصلحية العاجلة اذ للرجل رؤية مستقبلية وفكرة واضحة عن العلاقات التى ينبغى ان تكون بين افراد المجتمع الواحد من جهة ثم وبالتالى ان تسير العالم من أقصاه الى أقصاه . كان ولم يزل ينادى بالاعراض عن عوارض الزمان والمكان وبالتمسك بالجوهر والجوهر عنده هو وفاؤه الى الوطن والى الحضارة التى ابتكرتها تونس وغذتها وشاركت بها ماضيا وحاضرا فى بناء صرح الانسانية الشاملة . ذلك الاعتزاز بالانتماء الى تونس هو ما بههرنى شخصيا فى محمد مزالى واعرف انها خاصية فيه لم تؤثر فيها الحوادث اى تأثير .

ايمان الرجل بأن للتونسى ما يقوله وما يكتبه كان فى مستوى ايمانه بان لا أدب يبقى ويرسخ فى اذهان الاجيال المتعاقبة ويقهر النسيان والعدم سوى ما اعتمد الفكر واخذ بناصية العلم والمعرفة وهو ما جعلنا نسعى دائما الى ارقى أساليب التعبير من جهة والى ربط انتاجنا بواقع مجتمعنا فاصبح الادب عندنا شيئا مهما وجديا لا يجوز التهاون به أو ارتجاله أو التسرع فى نشره وترويجه

بين الناس لذلك كانت مجلة الفكر ولم تزل الى يوم الناس هذا مدرسة للنقد تؤمن بالجدلية القائمة بين الشكل والمضمون وتريدها صورة من تلك التى تقوم بين السياسية والثقافة والتى تجعل الفكر قوام كل عمل بشرى يهدف الى خدمة الغير ويندرج فى رؤية حضارية من شأنها كما يحلو لمحمد مزالى أن يقول « أن ترغم المستحيل على الامكان » ومحمد مزالى كان ولم يزل دائب السعى الى جعل الحلم يتحول الى واقع ولقد حقق ببعض احلامه كثيرا من احلامنا عندما شرفه المجاهد الاكبر بتكليفه برئاسة الحكومة فوضع الرجل فى مقدمة اهتماماته مشروع النهوض بالقطاع الثقافى حتى يواكب المسيرة الشاملة ويمثل جزءا لا يتحزا من النهضة التى يشهدها البلد، فكان بدءا ونعم البدء والبقية تأتى إن شاء الله .

لقد أخلص محمد مزالى لمبادئه اخلاصه لمجلة الفكر التى تحتفل اليوم بعيد ميلادها الثلاثين فأمكن لهذه المجلة ان تصبح بحق ملتقى للمتثقفين وناديا لارباب الخلق الادبى والفنى يجتمعون فيه لمعالجة قضاياهم وملء الفراغ المروع الذى كان يطغى على الزمان والمكان فيغمض السبل ويعمى البصائر ويجرف الناس الى ما لا ارتياح له ولا اطمئنان لمغبته وعقباه . ولم يكن لمجلة الفكر ان تعاهد المثقفين على أمور فتوفى بالعهد لولا تلك الحرية التى ارادتها شعارا لها منذ البداية ونبراس هداية وزادا للطريق وهواء ضروريا للفرد وللجماعة على حد سواء ، فما استبد صاحبها والله برأى فى يوم من الايام ولا انحاز لكتلة دون كتلة ولا ضرب عصفورين بحجر واحد ومعنى ذلك ان الفكر كانت مدرسة للديمقراطية تحتك فيها الآراء ولا تحاك فيها المكائد وتتساوى الحظوظ ويقتنع داخل الاسرة الجميع مخلصين بان نصيب الناس من الحقيقة ومن التوفيق الى معرفة الحقيقة واحد . وبان التعصب كالجهل عمى وظلمة وبلية البلايا يحجب عن صاحبه الواقع الحى ويجعله عاجزا عن التفتح الى الجديد والتطور مع الحياة وكما يقول محمد مزالى يفقد المبتلى بدائه « أدب النفس من حيث انه يسعى الى أدب القلم » .

هكذا علمنا مزالى فى الفكر كيف نضيف الى عمرنا أعمارا والى تجربتنا تجارب أخرى فنستولى على الأمد « ولا نكون لشىء أشد ضنا منا بحرية الرأى ولا أشد تعلقا منا بملكة التمييز » كما علمنا أن نغربل أنفسنا ونحاسبها عسير الحساب وان نأكل خبزنا يابسا اذا كان فى اقتناء الزيت والعنب والزيتون أكراه أو مسخ أو انسلاب أو انبتات أو أدنى تفريط فى حريتنا وفى كرامتنا كبشر

وكنا معه طوال هذه السنين الاريضة العريضة مفعمين بالأمل وبحب الناس ومليئين بالتوق المتجدد الى تحقيق الافضل والامتع والامنع للجميع وينشدان الحقيقة التى بواسطتها ينار السبيل ويتذوق الانسان حياته على وجه هذه البسيطة .

وبعد فان فضل صاحب الفكر معروف ومجده مشهود ويقصر الكلام مهما طال عن ايفائه بحقه ، وانى لأتمنى أن تسير مركبة الفكر أعواما طوالا مقبلة حتى يتسنى لمحمد مزالى ان يقطع بها وبنا اشواطا أخرى من الاهداف التى آمن بها وتزخر بها نفسه المعطاء .

فلنعم الرائد هو .. قلبه فى سعة البحر رحابة وامتدادا .

اشترك في نشرتنا البريدية