الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

أذان صبح ، الحقيقة

Share

تعقيب على ما نشر بجريدة الندوة بالرقم ٢٨٤٨ وتاريخ ١٩-٣-٨٨ بعنوان ) احفظوا تراثنا من الضياع ( أقول :

أنا يا اخى عبدالله الحكمى - ومن الزاوية التى تعرضت لى فيها بدون التوسع فى جوانبى الشخصية الاخرى ، فان كثيرا من القراء يعرفونها - انسان حاول منذ بداية تعيينه فى سلك الدولة فى آخر شهر صفر عام ١٣٧٣ ه خدمة العلم والثقافة فى مديرية المعارف آخر عهدها ، ثم فى وزارة المعارف بعد بضعة أشهر ، وبعد عدة شهور من تعيينه كان أمينا واحد اعضاء لجنة تكونت برئاسة حضرة صاحب السمو الملكى الامير فهد بن عبد العزيز وزير المعارف حينذاك ثم من السادة - مع الاحتفاظ بالرتب - حسين عرب واحمد عبد الغفور عطار واحمد جمال ، ومحسن باروم وعبدالله بوقس وعبدالله أحرار ومحمد حلمى وسعيد بوقرى للنظر فى نهضة المكتبات واداء رسالتها الاجتماعية والثقافية كاملتين . والتخطيط لانشاء مكتبة كبرى فى أم القرى ، تتلوها مكتبات فى سواها . واخذنا فى اسباب ذلك والاعلام عنه والاتصال بالشخصيات الكبيرة لتشجيع المشروع ، وفى مقدمتها صاحب السمو الملكى وزير الدفاع الامير سلطان وصاحب السمو الملكى الامير عبد الله

الفيصل اللذان تفضلا مع سمو وزير المعارف بالتبرع معا بمبلغ اربعمائة جنيه ذهبا تقريبا . ظل الاخ عبد الله بوقس مدير التعليم بجدة امينا عليها بضعة أعوام ، ثم أعيدت الى اصحابها بعد أن تجمد المشروع لظروف ليس هنا محل الاستطراد اليها .

وقد أعددت لاحتفال كان سيقام فى فندق البساتين بهذه المناسبة - قصيدة بعنوان ) تراث الفكر " فى ديوانى الاول الذي طبعته قبل اتمام عام من تخرجى وقد جاء فيها :

هو البعث بعد اليوم لا يتوقف

وعهد به وجه الجهالة أكلف

أطل به فهد فهش له الحجا

وصفقت الاسفار وهى ترفرف

تكرم نفسا بين جنبيه برة

بكل صنيع للثقافة يهدف

بمكتبة عظمى بمكة أصلها

تبل أوام الباحثين وتسعف

هنالك فى طول البلاد وعرضها

خزائن أسفار بها العث يزحف

بها كل مخطوط نفيس معتق

يكاد لطول العهد بالترك يتلف

فجدد رؤاها لا تدعها ضحية

تظل لها عين الحضارة تذرف

واعظم ما طوقت قومك والورى

يد بتراث الفكر تعنى وترأف

وشايعك الارواع في كل خطوة

الى المجد من آل السعود تشرف

ثم عملت بادارة المكتبة العامة للاذاعة , وقضيت فيها عامين آخرين وزيادة , وصادفت أعمالها هوى فى نفسى فجعلت أمنحها الكثير من وقتى وجهدى وعنايتى ,   حتى كانت خير واجهة للدعاية , يغرى ظاهرها بباطنها الحافل بالآلواح القيمة , والمجلات الداخلية والخارجية العربية والأفرنجية بعدة لغات ، وبأشتات الصحف المحلية خاصة القديمة ، عدا ارصدتها من المؤلفات الوطنية والمراجع العلمية والادبية التى تمد جهاز الاعلام والمراجعين بروافد ثقافية مختلفة ، وكنت اول من حاول اجتذاب الجمهور للمكتبة بما يعرض فى المكتبة من افلام ثقافية وسياحية واجتماعية منتخبة اسبوعيا .

وبعد خمس سنوات ايضا من الخدمة والخبرة فى وزارة الاعلام انتقلت فى شهر ربيع الثانى عام ١٣٨٢ ه الى وزارة الحج والاوقاف بمكة مديرا لادارة المكتبات ثم مديرا لشعبة المكتبات ثم مستشارا ثقافيا أخيرا ، وكان أول عمل قمت به هو احياء مكتبة عبدالله بن العباس ( رضى الله عنهما ) التى كانت مزوية وشبه مهجورة فى قبة المؤذنين الضيقة فى المسجد الفديم الا من بعض الباحثين فى متفرقاتها على مشقة ، وانتدبت مدة شهر تقريبا فى آخر صيف عام ١٣٨٢ ه لبعث تراثها وتنظيمه ، ولم يكتمل ذلك العمل الى ان قيض الله مرة أخرى العودة اليه فى اصطياف عام ١٣٨٤ ه فانتدبت أنا والمرحوم الاخ سالم رضوان والأخوان بكر مرسى ويوسف كشميري المواصلة العمل فى مكتبة ابن العباس ، وظللت اتحمل طيلة ثلاثة اشهر عناء استخراج أوراق المطبوعات والمخطوطات القديمة المبعثرة من أكياس الخيش ونفضها مما علق بها من الغبار والتراب المتراكم والحشرات ، وفصل اوراقها الشمعية التى

تسربت اليها مياه الامطار والارضة ، وشوهت كثيرا منها وهى مكتومة سنين طويلة ، وحاولت جمع المتشابهات التى يكثر فيها الاشتباه ، وتدقيق الخطوط والموضوعات وتتابع الصفحات والاجزاء واكمال ما تيسر تكامله ، وانقاذ ما نقص منه قليل أو كثير او فيه بعض الفائدة وذلك لتجليده ، وحفظت ما لا يمكن تنسيقه ، وذلك كله عمل شاق مرضت بسببه كثيرا بالانفلونزا وانقطعت له نهارا وليلا بدون مقابل ، والشاهدون على قيامى بهذا العمل كثيرون من اهالى الطائف ورجال الوزارة ، حتى اذا كملت عمليات التجميع والتأليف حزمت تلك المتناثرات واعدت لها بيانات مفصلة ومصنفة لتجليدها ، وتسلمها المتعهد السيد عبد الشكور فدا مع جملة من المطبوعات القديمة التى جرى اعدادها

بعناء ، ثم استبعدت منه قبل اصطياف عام ١٣٨٥ ه ، ولبثت عاما تقريبا فى أحد ممرات مكتبة الحرم المكى حتى وافقت الوزارة على افتتاح المكتبة فى اصطياف عام ٨٧ فى مسجد الهادى مؤقتا بعد اعداد جناح لذلك ، واضافت الوزارة بعض مشتروات المؤلفات الى المكتبة علاوة على قديمها . وبدأت انا ومدير ادارة المكتبات الاخ أحمد العامودى بفتح أوعية المؤلفات وفرزها ورصها حسب موضوعاتها على رفوفها ، المطبوع منها على حدة يتلوه المخطوط ، وكل منهما معلوم الكمية والكيفية واعد بيان بذلك ما زلت اتابع طبع عشرات النسخ منه وتدقيقها ، تجهيزا لتسليم المكتبة الى مدير او أمين كفء يحسن ادارتها وصيانتها وتنميتها وتلبية حاجات الباحثين والقراء ، الأمر الذى ينتظر انفاذه قريبا

والذى أخرته مشكلة ادارية  فقد يوجد الموظف المناسب ولا تتوافر لديه الكفالة ، وقد ينعكس الامر ، فيتيسر من يتقدم بالكفالة ولكنه ليس كفؤا . ولعل الوزارة تجد مخرجا من هذا الاشكال .

ونعود الآن فنسأل الاخ عبدالله الحكمى كيف يتصور ان شخصا مثلى قضى نحو ستة عشر عاما فى خدمة التربية والتعليم والاذاعة والصحافة والمكتبات وبذل لها معظم نشاطه وحاول بقدر الامكان تطويرها وتنميتها .

ثم كيف يتصور شخصا يردد أول توجيه الهى : ( اقرأ باسم ربك الذى خلق , خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم ، علم الانسان ما لم يعلم ) وقوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )  .

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ) فكيف بمن حاول اتلافه وحرقه ؟ كيف يتصور الاخ عبدالله الحكمى انسانا ذلك ظاهره وباطنه وواقعه يمكن ان يتصرف تصرفا لا يقدم عليه حتى الحمقى ، بل ان سارق الكتب على جريمته يعتبر أذكى واعلى انسانية حين تضطره الحاجة الى السرقة والبيع ، ولكنه مع ذلك يدرك قيمة العلم اجمالا ، ويتيح لغيره الانتفاع به ويبقى على ذخيرة فكرية فلا يهدرها .

اذن فلن يقوم بجريمة حرق المخطوطات الا جاهل مركب الجهل ، او معتوه ، أو حاسد حقود او محروم من الضمير ، فاقد الشعور بالمسؤولية ، أو عدو خائن يتعمد أن يحرم الامة من تراثها الحضارى ،

ومقوماتها الروحية ، وهذا ما لم اتوقع الاتهام به مطلقا ، فكيف وقد اقترن بذلك الاتهام على طرية : ( اياك اعنى واسمعي يا جارة ) مطاعن اخرى من قلة الحرص وعدم العناية والاهمال ، هكذا وردت هذه الالفاظ المتواترة وفى مقدمتها صفة الجهل .

والآن نود ان نناقش صيغ الاتهام بحرق المخطوطات ، وأولاها فى العمود الثالث : ( بل وان اشد ما يحز فى النفس ان نسمع ان بعض الموظفين ممن لهم صلة قريبة او بعيدة بالكتب والمكتبات العامة ، كادوا ان يأمروا باتلاف عدة صناديق من الوثائق التاريخية والعلمية فى مكتبة ابن عباس بالطائف ، بحجة ان هذه الوثائق مجرد قصاصات ورق بالية ، مجمعة فى كراتين , تصوروا مدى التجنى على التراث ، فكم يا ترى فى هذه الصناديق من الحقائق العلمية الذاخرة التى يسعى اليها العلماء والباحثون من اقاصى الدنيا ) وفى العمود السادس صيغة ثانية : ) وقد اخبرنى موظف المكتبة ان موظفا كبيرا بوزارة الحج والاوقاف هو الاستاذ ابراهيم العلاف كان ينوى احراق هذه الكراتين واتلافها بعد اتخاذ المحضر عليها .

ولست ادرى ماذا حدث فيها بعد ذلك ، وليسامحنا الله ، كم نخطئ فى حق تاريخنا وترائنا ) .

ففي الصيغة الاولى ، سمع المدعي ان عددا من الموظفين لا يعرف مدى ارتباطهم بأعمال المكتبات العامة اوشكوا جميعا ان يتخذوا أمرا باتلاف عدة صناديق من الوثائق التاريخية والعلمية ، والمبرر هو ان هذه

الوثائق مجرد قصاصات ورق مستهلكة مجمعة فى كراتين ، ) هكذا قصاصات على حد تعبير المدعى ، وليست متناثرات )

فالمتهم هنا اكثر من واحد ، واستيعابه لمسؤولياتهم غير حاصل ، وهم لم يأمروا فعلا ولم يباشروا الجناية ولكنهم كادوا ، وكيف كادوا ؟ وما هى الدلائل الحسية ؟ هل كلهم أو بعضهم يملك الامر بالاحراق واستعد له ؟ أو لا يملكون جميعا ؟ ثم كيف اقلعوا ، وما هى العوامل التى ادت الى الاحجام ؟ أهى صحوة ضمائرهم أم سواها ؟ وفي اى ظرف كان ذلك ؟ غير ظاهر لنا نحن على الاقل .

والمجنى عليه عدة صناديق ، ثم بعد سطر أصبحت كراتين ، ثم بعد ذلك بسطر عادت صناديق ولكنها محتوية فقط على الحقائق العلمية الذاخرة ( كما ذكرت الجريدة وليس الزاخرة ) تلك الحقائق العلمية التى يلوح لنا انها من النوع الذرى او الفضائى حتى اصبح ( يسعى اليها العلماء والباحثون من اقاصى الدنيا ) على حد تعبيره ، ويتلمسون طريقهم اليها .

ألا تعجبون معي من موظفين طمس الله بصائرهم فلم تستطع ان تنقذ من عدة صناديق او كراتين عامرة شيئا من جناية الاحراق التى اوشكوا فقط ان يرتكبوها وكأن نيتهم تلك على غير صحتها اعظم ذنبا من الذين اساءوا الى تلك المخطوطات فعلا وتركوها عشرات السنين دون اصلاح يستحق انفراطها وتجعد مظهرها وتآكله وبشاعة المصير .

وفي الصيغة الثانية خصص المدعي ، الاستاذ ابراهيم العلاف بالتهمة ، وقد أخبره موظف المكتبة انى كنت انوى احراق تلك الكراتين واتلافها بعد اتخاذ المحضر

عليها ، ثم اتبع ذلك بتساؤل خطير عما حدث لتلك المخطوطات بعد تلك النية المشؤومة ، وابتهل الى الله أن يشملنا بالسماح ابرياء ومرتكبين ، وان يهب المسئ فى حق تاريخنا وتراثنا للمحسن منا ، أنعم بها من لفتة جيدة وختام رؤوف .

ولقد عصب التحامل عينى المدعى عن تلك المخطوطات الكثيرة المجلدة الزاهية التى انقذها ابراهيم العلاف ، ورصعت تلك الرفوف فلم يرها أو تجاهلها ، وكأنها لم تكن فى سابق حالها شبيهة بتلك التى أشفق عليها من الضياع .

وفي الصيغة الثانية توافرت النية - ولم بتدخل فعل كاد - للقيام بعملين احراق اتلاف للكراتين دون الصناديق ، فأحد العملين وان كان يتضمن معنى الآخر الا انه اوسع منه فللاتلاف وسائل عديدة ، والثانية كان انفاذها معلقا على اتخاذ المحضر ، والمحضر كما هو معروف وثيقة توقعها لجنة لا تستند على النيات الفردية لاتخاذ قرار خطير ، بل لا بد من الاعتماد على أمر رسمى من مسؤول أعلى يحق له بعد الاقتناع أن بأمر فتنفذ اللجنة ، اما السيد ابراهيم العلاف فان صلاحيته لا تعدو أخيرا مقاما وسطا ، فليس هو منذ بضع سنوات بالمسؤول المباشر ، ولا هو بالناهى والآمر ، ولا يملك مع الحظ الادارى ولا شؤون موظفى المكتبات ولا مسائلها المالية شيئا ، وانما هو محدود بمسمى وظيفة الاستشارية الثقافية وبما يتعلق بها من اعلام او اصدار نشرات او التعرف على مزيد من اهمية المخطوطات او اعداد كتاب كدليل الحج والآثار الاسلامية الذى هىء للطبع منذ العام الماضى ، الى آخر ما يتصل بطبيعة العمل او يتجاوزه فى تحقيقات او اجتماعات وقرارات ، وهو

كذلك مستقل باعماله ، منفرد بذاته لا يرتبط به أحد وليس له حكم عليه .

ولا ننسى ان المدعى لم  يعرفنا باسم الموظف الواشى ، وكان ذلك ضروريا خاصة فى قضية كهذه ، ولا ادرى كيف جعله موظف مكتبة ، بعد ان كان فراشا اذ قال فى العمود الخامس ما نصه : ( ثم انتهت الصيفية وانتهى معها الانتداب ، ورجع الاستاذ العامودى الى مكانه بالوزارة , وبقيت المكتبة تعتمد على فراش واحد هو كل شئ فيها ، هل معقول هذا ؟ وهل يصدق هذا القول ؟ هذه هى الحقيقة العادية المكشوفة ، ثم تصوروا كيف يستطيع هذا الفراش ان يحافظ على تلك الذخائر من الكتب والمخطوطات ، وكيف يستطيع ان يفهم ان تحت يديه وفى امانته ثروة فكرية لا تقدر بثمن )

ونحن نضيف هنا تساؤلا من نوع آخر وهو كيف يمكن ان يؤخذ القول من هذا الفراش - اذا كان هو موظف المكتبة - قضية مسلمة ؟ وما هى دقة فهمه ، ومدى علمه ، وقيمة حكمه على مسؤول اكبر كثيرا منه أو مسؤولين ؟ وكيف امكنه معرفة م فى المحتويات وهو محظور عليه قربها . واذا كان الشرع لا يؤاخذ الانسان على ما حدث به نفسه ما لم يقل او يعمل به ، واذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد برئ الى الله مما فعل خالد بن الوليد رضى الله عنه حين قتل من ادى الشهادتين بدعوى ان اداءهما كان تهربا من القتل ، ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من خالد رضى الله عنه وهو مجتهد مخطئ صنيعه ذلك منكرا عليه بقوله : ( هل شققت عن قلبه ؟ ) واذا كان بعض الظن اثما ، فكيف سمح

عبدالله الحكمي لنفسه ان يكيل تلك المآخذ جزافا بناء على نية لا يمكن التعرف على صدفها الا بالقرائن المحسوسة والاستنباط الدقيق الحصيف ان لم تتيسر البينة أو تتوفر ، وعلى فرض ان تلك النية امكن تفرسها ثم تراجع المرء عنها ، أفليس لنا قدوة بالشرع الذى يعطى ، حسنة ، من يترك سيئة كان عازما عليها ؟ ألم يقرر ان لكل امرئ ما نوى من الحسنات ، وليس عليه ما نوى من السيئات ؟ وهب انى تلفظت باحراق ممزق المخطوطات فى حالة نفسية غير معتدلة وتحت ظرف منفر ، فهل تظن ان الشرع يسارع للعقوبة من التلفظ الاول ، لو كان الامر كذلك لما استتاب المرتد ثلاثا قبل اعدامه ، وهل يغفل الشرع عن الحالة النفسية فلا يعطيها استحقاقا ؟ لا ثم لا ، فلقد نهى القاضى عن الحكم وهو غضبان او جائع ، ونهى عن الصلاة بحضرة طعام تذهب نفس المصلى اليه ، ونهى عن الطلاق فى غير طهر لما قد يكون فيه الزوج من مزاج متعكر متذمر .

وهب انى اردت الاجتهاد فاخطأت ، أفليس للمجتهد المخطئ اجر ، وللمصيب أجران ؟

وهب انى أقدمت على اتلاف مستهلكات المخطوطات خوفا من سريان عدوى العث المتغلغل المنتشر فيها واعتبرت مذنبا ، أفليس لما قدمت من اعمال طيبة شفاعة لذنبى ؟ والله سبحانه يقول : ( ان الحسنات يذهبن السيئات ) ( فأما من ثقلت موازينه فهو فى عيشة راضية ) أليس الله قد عفا عن بعض كبار الصحابة الذين فروا فى معركة أحد ، والفرار من الزحف اثم كبير ؟ وكذلك ألم يغفر لبعضهم الذين خاضوا فى حديث الافك ولم يتحفظوا وكانوا من اهل بدر ، الذين قال الله لهم : ( اعملوا ما شئتم

فقد غفرت لكم ( فكانت السابقات الصالحات لاولئك وهؤلاء خير شفيع لاخطائهم اللاحقة واذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات ، أفلا تعصم الاعراض بالنيات ؟

أليس الله قد فضل السابقين بالاعمال الصالحات ورواد الخير على من اتبعهم باحسان فكيف على من لم يتبعهم بل واساء ؟ ( لا يستوى منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا ، وكلا وعد الله الحسنى ) .

وسبقي الى ميدان المكتبات وخدمتها يعطيني افضلية خاصة على من بعدى أليس مجرد العمل فى المكتبات على علاتها المعروفة خير شفيع ، يشكر المنقطع اليه حتى على ايسر ما يقدم ويتجاوب له ، وله فى الدين مثل أعلى ، ذلك الدين الذى يبدأ بالاسلام ويثنى بالايمان ويثلث بالاحسان ، ومع ذلك فقد قبل الله من معظم البشر الدرجة الاولى ، وحقن بسببها دماءهم وصان أموالهم واعراضهم وكفل لهم الجنة .

واخيرا كيف يلصق العبد بأخيه تهمة الجهل المركب وانعدام البصيرة وعلى غير حق ، والله جل جلاله مع علمه الواسع لم يحقر الاميين من عباده ولم ينسبهم الى الجهل وقلة العقل ، ولم يكلفهم معرفة كثير من كتابه الكريم ، بل قبل منهم أقل قدر ممكن تصح به الصلاة حتى ولو تكرر .

وننتقل الآن الى بعض الفقرات الاخرى من المقال المنشور لمناقشتها فقد جاء فى الاعمدة الثالث والرابع والخامس ما يفيد ان بعض نسخ المخطوطات قد بيعت فى المزاد بأرخص الاثمان وتأكد ذلك القول فى العمود الخامس بما نصه : ( هذا المثال يعطينا بعض دلائل الاهمال وعدم الاعتناء بهذا التراث الفكرى الحضارى الرائع والذى اصبحنا نراه يتسرب

أما الى اسواق الحراج ( ١ ) فى بلادنا ليباع بأرخص الثمن أو يتسرب الى خارج المملكة ان وقع فى ايدى عارفة متفحصه ) . هكذا بأرخص الثمن ، وفي ايدى عارفة ، على ما فيهما من خطأين نحويين ذكرا أمانة للنقل .

ونحمد الله على أن المبيع فى المزاد ليس مختلسا من مكتبات الوزارة ، ونلققول ان بيع المخطوطات على الوجه الشرعى أمر مباح وفى جميع البلدان الراقية والمكتبات الكبيرة قد يتمكن فرد أو مؤسسة من شراء بعض المخطوطات أو تصويرها ، الا أن بيعها فى المزاد هنا هو موضع الزراية ، وهو يدل على عدم وعى الجمهور ومنهم اولئك الورثة لكثير من المخطوطات الاهلية المجهولة الذين يفضلون التخلص منها ولو بتلك الوسيلة المخجلة على عجل ، خشية أن يؤدى التعرف على اصحابها الى مساءلتهم عن تلك المخطوطات

فقد تكون موقوفة أو موقوفا عليها بعض الاشياء المغتصبة سرا ، وتلك حالة منتشرة تحتاج الى علاج حصيف لأستدراج تلك الكنوز الخبيئة الى المكتبات العامة .

ورغم ما في بيع المخطوطات فى المزادات من احراج الا ان ذلك يدل فى الوقت نفسه على عدم وجود مجرمين محترفين فى سرقة المخطوطات وبيعها ، لان هؤلاء لا يرضيهم أن يحصلوا على أبخس الاثمان ، وهم أعرف بقيمة المخطوطات ، ويعرفون أين يتجهون بها . وقد عرفنا ان المدعى وسواه قد وقع على شىء من المخطوطات فى المزادات التى ينبغي اصدار قرار حكومى عليها وعلى المتعاطين فى شؤونها بأن تدل على المخطوطات الواردة اليها لتشتريها الدولة أو وزارة الحج والاوقاف بدلا من افراد قد يتاجرون فيها وتذهب خارج البلد .

عرفنا عن البيع المحلى فهل للمدعى أن يدلنا على ما أصبح يراه يتسرب الى خارج المملكة ؟ وعبارته تدل على وقوع ذلك فى الحاضر ، نرجو أن يعطينا تفاصيل ذلك بدقة فلعلنا نستدرك بعض التراث من الضياع ونحاسب الماكرين عليه .

وقد أورد المدعى فى العمود الثامن قوله : ( والا سوف نجد ذلك اليوم الذى نشترى فيه المخطوطات من عواصم الغرب ، ومثلا قد نشرت أحد جرائدنا المحلية - هكذا أذكرها بغلطها النحوى أمانة للنقل - تصريحا المسؤول قال فيه : ان التفكير يتجه الآن الى شراء بعض المخطوطات من لندن ، وهو أمر غاية ما نقول عنه انه غريب ) .

أورد المدعي ما يدل على ما سبق ان ذكرناه من ان بيع وشراء المخطوطات الاهلية ومصوراتها امر شائع ومتداول في مواضعها اللائقة ، وما يدل على ان فهمه في شؤون المكتبات والمخطوطات محدود جدا ،

والا فلكيف أنكر على جهة مسؤولة الاستزادة من المخطوطات التي قد تكون معدومة لدينا أو تكون مكملة لها او أقدم منها او كتبت بأيدي مؤلفيها او روجعت على تلامذتهم وأجازوها .

وعاد المذكور في العمود الثامن الاخير فزاد في التنديد وضرب على نفس الوتر وزاد أمرين آخرين فقال : ( وان ما يدمي القلب ان نشاهد في أسواق الحراج مخطوطات غاية في الخطورة العلمية تنقل من يد الى يد وتباع اخيرا بثمن زهيد ، ترى كيف تسربت هذه المخطوطات الى هذا السوق ؟ والى اين ستصل ؟ سؤال سوف يبقى بدون اجابة ما دام امر المكتبات لدينا بدون فهارس ، انني اكرر هنا ضرورة جمع كل مكتبات المدينة المنورة في مكتبة واحدة كبيرة عامة ، ووضع فهارس لها دقيقة طبقا لآخر اسلوب تنظيم المكتبات في العالم ) . . اننا بصرف النظر عن ركاكة التعبير أخيرا ، فما زلنا في شوق عارم الى الاهتداء الى الخطورة العلمية ، الخطورة هكذا وليس الاهمية ، كأن موضوعاتها تمس الناحية العسكرية او

السياسية او ما هو أهم منهما وكنا نود منه ألا يتركنا حياري مثله أمام كيفية تسرب المخطوطات الى المزاد ، وامام وجهتها المجهولة ، وقد تعجبنا كثيرا من ان يتركنا من غير ايضاح ، ومن غير تحريات وتعقب لتلك المخطوطات ، ويزداد تعجبنا حين يربط بين ذلك البيع ، وفقدان الفهارس التى أنكر وجودها . . فما لمخطوطات الاهالي والفهارس ؟ الا ان كانت تلك المخطوطات اخذت وسرقت من المكتبات العامة التى تنقصها كلها الفهارس الدقيقة على رأيه ، فعندئذ لا بد من تحديد الزمان والمكان والاشخاص وتوفير البراهين القاطعة ليبدأ التفتيش فالمحاكمة ونحن ندعو الجمهور لزيارة المكتبات والتأكد عيانا من وفرة السجلات والفهارس عنها تلك الفهارس التي ما زال معظمها على نسقه القديم ، وهي في أمس الحاجة الى مدربين وخبراء لتجديدها . وقد سبق في العمود الخامس قوله : ( وثانيا زاد في هذا التفريط عدم وجود فهرست يرتب هذه المخطوطات بأزمانها وعلومها ومؤلفيها ، فكان اي نقص في هذه

المخطوطات يحدث في اي فترة نتيجة عدم وجود هذا الفهرست المفيد ، وهذه احد مميزات الفهارس للمكتبات ( بغلطها النحوي امانة للنقل ) حيث انها تقيد الكتاب وتحافظ على رقمه المتسلسل وموضوعه ، وتحدد أيضا مكان وجوده ) وهو قول مكرر شأن اقوال كثيرة ، وفيه ادعاءات غير واقعة على جميع المكتبات ، والا فكيف امكنه ان يحصل على احصاءات عن المطبوعات والمخطوطات رغم انها غير صحيحة ويظهر على معظمها الوضع وفيه عدم تفرقة بين الفهرسة والتصنيف ، وفيه شرح لامور بسيطة يفهمها أى أمين مكتبة ويطبقها .

كما ختم المقال في العمود الثامن بنفس التغمات ونصها : ( اذن اذا أردنا ان نحافظ على هذه الثروة العلمية من تراثنا فعلينا وضع فهارس صحيحة متقنة تضبط بها المخطوطة والكتاب بالرقم وعدد الصفحات ومكان الطبعة ( هكذا وهو يتكلم عن المخطوط ) واسم المؤلف كما يجري في كل المكتبات الفنية بالعالم ) .

وأعقب ذلك ما يفيد بأنه سيقوم بأيسر شؤون المخطوطات وهو الاحصاء ، ونرجو

ان يكون صحيحا مدروسا محققا في المستقبل القريب ، لا كما ذكره عن المكتبات وحملها من الامانات ما هى منزهة عنه سواء في المطبوعات ام المخطوطات ، واذا تجاوزنا عن تعداد المطبوعات الموضوع ، فان تعداد المخطوطات الذي ذكره عن المكتبات على التوالي وهو :

١-٥٠٠٠ مخطوط في مكتبة الحرم المكى .

٢- ٢٧٠٠ مخطوط في مكتبة مكة المكرمة ٣-٥٠٠٠ مخطوط في مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت ٤- ٥٠٠٠ مخطوط في مكتبة المكتبة العامة بالمدينة ٥- ٣٠٠٠ مخطوط في مكتبة الحرم النبوي ٦- ٣٠٠٠ مخطوط فى المكتبة المحمودية ٧- ٢٠٠٠ مخطوط في مكتبة مظهر افندى المدنى

يبلغ مجموعه ٢٥٧٠٠ مخطوط ، وهو رغم بعده الكبير عن الصواب يناقض قوله بالقلم العريض في أول المقال ( ١٠ آلاف مخطوطة من اصل ١٢٠ ألف كل ما بقي

اليوم فى مكتباتنا بالمملكة ) . ويوحى أيضا توارد تلك الاصفار وانعدام الآحاد والعشرات والمئات بشيء كثير من عدم الثقة .

وبالنسبة لما رواه عن مدير مكتبة عارف حكمت من ان محتويات المكتبة كانت تقدر بعشرين الف مخطوطة تناقصت حتى وصلت الى خمسة آلاف فهي رواية لا ادري مبلغها من الصحة ، وعلى مدير المكتبة ان يثبتها او ينفيها .

ولا انسى في الختام ان اقرر ان مسؤولية وزارة الحج والاوقاف عن المكتبات تبدأ منذ نشأتها ، وان كانت تلك لا تمنع من تتبع أوضاع المكتبات قبل ذلك كتاريخ لها ، وللتوصل الى الحقائق المجردة فيما يختص بمحتويات المكتبات والظروف الحرجة التي لابستها ، كذلك أقرر ان معالي وزير الحج والاوقاف قد امر بتشكيل لجنة من داخل الوزارة وخارجها برئاسة سعادة الوكيل وعضوية كل من سعادة مدير عام الاوقاف المساعد والاستاذ التميمي والمستشار الثقافي السيد ابراهيم العلاف ومدير ادارة المكتبات الاستاذ احمد العامودى ، وقد انتهت اللجنة الى وضع توصيات عديدة للنهوض بالمكتبات ، وجعلها مديرية عامة مستقلة بمرتبط بمعالي الوزير او بسعادة الوكيل ، وذلك في المحضر المؤرخ في ٢٨-٢-١٣٨٧ ه والموقع من الاطراف المعنية ، وقد ارسل الى معاليه مشفوعا بخطاب سعادة الوكيل بالرقم ٣٣٧٧/٨ وتاريخ ٤-٣-١٣٨٧ ه ثم أعيدت المعاملة مشفوعة بمذكرة معاليه التى خطها بيده برقم ٣٢٨ / م وتاريخ ١٥-٤ - ١٣٨٧ ه وما زلنا نعلق الرجاء على اهتمام معاليه بانجاز ذلك كخطوة اولى ، ولنا امل كبير فى أن تشمل ميزانية هذ العام تلك الاصلاحات والمتطلبات ، وان نراها قريبا

حقائق مجسدة برعاية حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم ورئيس مجلس الوزراء الذي أمد الجامعة الاهلية ببالغ عونه ونجدته وكريم عنايته .

ولا يفوتني ان أنوه بما كتبه الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه : ( قطرة من يراع ) من بحوث قيمة عن المكتبات ، وبما كتبه في صحفنا او أذاعه ، وحسبه انه رائد مجتهد ، نتقبل منه الحقائق ، ونعينه عليها ، ونضع أيدينا معه ومع سواه من كتابنا الافاضل الذين تعرضوا للمكتبات وشؤونها للوصول الى جادة الصواب خاصة فيما يتعلق بأمانات المكتبات واحصاءاتها وتاريخها ، ولقد كتب الاستاذ عبد السلام هاشم حافظ كلمة ( ماضي المكتبات وحاضرها ) في جريدة الندوة في الصفحة الثالثة يوم الاثنين بتاريخ ٧-٣-١٣٨٥ ه فأحسن كثيرا وأشار في العمود الرابع الى غلال مكتبة عارف حكمت المتجمدة بعشرات الالوف لسنوات مضت ، ولا يصرف منها على تنمية المكتبة وتحسينها ، ولمس نواحي اخرى بفهم عميق ، وفي جريدة البلاد وفي زاوية ( دنيا المكتبات ) باشراف عبد الكريم اسماعيل جمال في عام ١٣٨٢ ه كتبت مقالات عديدة لي ولسواي من المثقفين في شؤون المكتبات ، كانت حافلة بالنقد الناضح النزيه ومناقشة الحقائق دون طعن او تجريح ، ولم يحصل ان اعتسف أحدهم او اقتحم غابة المكتبات فى تخبط .

واني أعلم ان كثيرا من المثقفين يتحرجون من الكتابة في هذا المجال لثقل مسؤوليته ولدقة مسالكه التي لا تجدى فيها المقالات الصحفية العابرة .

اشترك في نشرتنا البريدية