الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

أربعة وجوه صغيرة

Share

- 1 - تبدو لى الآن تلك الوجوه الصغيرة داخل اطار صورة بارزة فوق أرضية ضبابية . .

الاجسام الأربعة متلاحمه متداخلة فى الطاولة الأولى من الصف الأول أمام  مكتب المعلم مباشرة . .

كان نظري اثناء الدرس ينطلق دائما من هذه الطاولة بالذات ويرتد اليها عشرات المرات .. ما الذي كان يجعلني أتشبث بهذه الوجوه اكثر من غيرها ؟.. ألكونها وجوها صغيرة تبدو عليها ملامح رجولة باكرة وتحمل  أيضا فيما بينها شكلا من التناقض .. أو ربما لانني كنت اعلم أن هذه هي الفرصة الاخيرة لهؤلاء التلاميذ الاربعة . فقد كان سنهم يقارب خمس عشرة سنة وان هم لم يوفقوا في آخر السنة للدخول للسادسة فسيكون طردهم حتميا..

-2- أحمد دريديبا التلميذ الذي على اليسار لا ينقصه ذكاء فهو كثير الاستطلاع. ملحاح ، وجرىء ، حتى أن بعض أسئلته تثير فى القسم ضجة من الضحك وان كانت فى الحقيقة اسئلة جادة . . كان يجد مني عطفا ، قد يرجع ذلك الى اسئلته المتشعبة التى كانت تنعش أحيانا غرورى . . الطفل  المسكين يحسبني موسوعة . لا يخطر بباله أننى أعمه أنا أيضا في متاهات لا تنتهى . . فأنا لم أتمم بعد دراستى ولم أحظ فى صباي بتوجيه يفيد . . شيء آخر يجعلني أعطف عليه ، فقد كان يتيما مثلى . وهو يعيش مع أمه التى تشتغل " صبانه " فى دور بعض الاجانب . . له ستة اخوة أحدهم يعمل

" طراحا " فى فرن للخبز ، والثاني "سيكليست " بلا مستودع ولا أدوات ، يكتفى بالجلوس على رصيف طريق رئيسية ليصلح دراجات العمال التى قد تصاب عجلاتها أو بعض أجهزتها . . أما الباقون فما زالوا صغارا . . غير ان دريديبا لم يكن منطويا على نفسه مثلما كنت . كان يبدو كأنه لا يعى الفوارق التى تبعده عن الآخرين أو تبعد الآخرين عنه . . أذكر أننى فى مثل سنه كنت أتألم لادني شيء . . لاني كنت دائما أقارن نفسى مع الاخرين ، فكان ذلك مصدر عذاب لي  ..الشيء الذى جعلني دائما أتفادى الناس بجهد المستطاع كأني أخاف أن يطلعوا على خوالج نفسي فيزيدوني اهانة على اهانة ، ويجرحون فى كبرياء الطفل .

أما دريديبا فهو منبسط المزاج ، لا يتهرب من العيون ولا يحاول اخفاء شيء من حالته بل يفضح عيوبه أمام الجميع ويكون أول من يضحك منها . . يغرى زملاءه بالاستهزاء منه ويشاركهم بعد ذلك فى الضحك . . مثل رجل ذكي طبعه يساعده على النجاح في الحياة . .

انتهرته ذات يوم وسألته :

- " لماذا لم تحضر الدرس ؟ أين هى كتبك ودفاترك ؟ " أجابنى بكل هدوء وطيف ابتسامة على محياه : - " انحرقت يا أستاذ - " من حرقها

- " لقد شب أمس حريق فى جانب من الحى القصديرى الذى نسكنه . . والله العظيم ، يا أستاذ ، كتبت الانشاء وبحثت عنه بعد اخماد النار . لكن لم يبق شيء . . " ضح القسم بالضحك .

- 3 - على يمين أحمد يجلس بوشعيب حركات ، الجاحظ العينين ، الأزعر البشرة ، أمتن بنية من زملائه . يتربع بكل ثقله وسطهم مزاحما هذا وذاك ، مشمرا عن ذراعيه الممتلئتين بينما تستكين أمامه قبضتاه فوق الطاولة . نظرته المحدقة لا

تكاد تنفصل عنى وعن اشاراتى . كنت متيقنا مع ذلك أن رأسه ليس هنا بل بعيد جدا عن جدران القسم ومن تحتويه . . بعيدا بعيدا . . هنالك فى أقصى " الفارويست " مع رعاة البقر او مع المقامرين فى أحد الافلام . .

أستطيع أن أجزم أن السينما سلبت مخ هذا المراهق . . الافلام عنده طغت على الحياة الواقعية . . والحياة لم تعد تهمه الا من حيث هى عراك أفلام . . عثرت مرارا على صور الممثلين بين طيات دفاتره وبعض تعليقاته عليها . . " كالرجل الذى ينتقم دائما " . . و " اللصوص الشرفاء " و " نحن لا نعيش الا مرتين ! الخ . .

داخل القسم ، كان يبدو هادئا ساكنا . . أما فى ساحة المدرسة او فى الشارع ، فهو " الانسان الخارج عن القانون " يعاكس الفتيات والنساء ويرعف أنوف أترابه أو يستولى على بعض أدواتهم . . كثيرا ما كان أبوه يعترض طريقى أو يزورنى فى المدرسة ليشكو لى تعسه مع هذا الابن:

- " الله يخليك ألفقيه لما بلى به . . ربيه . . ربيه .. ربيه . راه خاصاه التربية بزاف . راه قهرني وشوه بيا.. - " وأنا ماذا سأفعل له ؟

- " انهيه . راه يحشم منك . و ..و . . دبر ليه من دابا الله يطول عمرك على شى خديمة . انا شبت وتقاعدت وخوتو سبعه والزمان صعاب وكيبغي العوين . . ماذا أقول له . أنا ايضا لى أربعة اخوة . من اجلهم غادرت المدرسة . .

- 4 - الوجه الثالث . ابها الوجه المسنون الكئيب . . أيتها السمرة الممتقعة ، لقد كنت أخاف من انطوائك وأرفق بخجلك . . انطواؤك مثل انطوائى يدفن آلاما صغيرة عميقة . فلا تنحسر أيها الطرف أمامى ، فانا أفهم سرك .

فكرة سخيفة . ولكنى كنت أعتقد أن عبد الله بن عيسى يحمل نفسا أقوى من جسمه المتضائل تحت هذه الطاولة القصيرة . كان منزويا صامتا حييا

قلما يهمس بسؤال أو جواب . حركاته متعثرة ونظرته عميقه متهربة . و كان التلميذ الاول في القسم ويبدو أنضج من سنه بكثير . لست أدرى لمادا دائما صورته تقترن فى ذهنى بفكرة المصير ، فأستعرض حيوات نوابغ ومجانين وقديسين ، كانوا في البدء مثله ينطوون على سر أكبر من حياتهم . لعلني كنت فعلا أنتظر منه أن يأتي بشيء كهذا ، أن تكشف الايام عن سره . . أن يلفت اليه الناس بقدر ما يتهرب من عيونهم . . أو أن يتحطم سره مثل جدار فيغوص في الابتذال والتفاهة . . لعله لم يكن فى الحقيقة سوى انعكاس لنزوعاتي المضطربة . ولكن صمته جعل مخيلتى تحيك له هذه الصورة المتفردة فلم أكن أعرف عنه سوى انه ترك والديه فى نواحى " بوسكورة " ليعيش هنا مع عمته وانه يطالع كثيرا كتب المنفلوطى وجبران خليل والفونس دودى و كل ما تقع عليه بده . . هل يتسنى له أن يسير بعيدا ؟ . . سؤال كان يغريني استكشافه . .

- 5 - لا غرابة في أن تكون بذلة عبد الرفيع الذهبى أجود من بذله معلمه . فوالده يبيع الاثواب " بالجملة " فى درب عمر ويسكن فى " ليرميطاج " .

كان وجه عبد الرفيع يبدو منتفخا متوردا يكاد ينبجس الدم من وجنتيه . . لا تخلو جيوبه ولا محفظته من الشيكولاطة والحلويات . . عيناه الناعستان ترمشان فى تضايق . . أبوه يدعونى عنده فى متجره الكبير . . يريد أن يستميلنى اليه ببعض الهدايا . مائة درهم او قطعة ثوب انجليزى رفيع. أرفض هديته بعناد صبياني أمام وثوقه بنفسه . .

-6- " من جد وجد ، ومن زرع حصد . . " هو ذا موضوع الانشاء الذى يعود فى آخر كل سنة بينما كنت اشرح الموضوع ، سألتهم بغتة فى صيغة توددية ماذا كان كل واحد منهم ينوى أن يشتغل به فى مستقبل الايام ، او الحلم الذى كان يملأ جوانحه .

تهاطلت على الاجوبة - أجوبة ساذجة موحية حالمة مبالغة أو كاذبة - من كل صف ومن كل مقعد :

- " معلم . . مفتش . . ساعي بريد . . صيدلي . . طبيب . . بطل فى كرة القدم . . طيار . . مغنى . . ممثل . . شرطى الخ . . الخ . .

ولكن الاجوبة التى كنت أنتظرها أكثر هى اجوبة هذه الطاولة الاولى بالذات . . أجوبة وجوهى الاربعة :

: أحمد دريديبا ، وقد تألقت عيناه وتهدج صوته - I - " مدير بنك . . " 2 - بوشعيب حركات ، فى ثقة وسرور عارم : " جيمس بوند ! " 3 - عبد الله بن عيسى . أيها الوجه المسنون الكئيب . . يا أنا الآخر الذي أجهله . أريد أن تقول : " باستور " أو " بتهوفن " أو " شكسبير " أو أى أحمق كبير آخر ! . . أريدك أن تنطق . أن تفصح عن معاناتك التى ربما أتت من خلال عدة أجيال . أريدك فى هذه اللحظة أن تنفجر . . أن تقول : " أمس كان اسمى المعرى أو المتنبي وغدا سوف أكون . .

لكن وجهه كساه احمرار شديد وأخذت أنامله ترتعش وتنقر بعصبية على الطاولة ثم أطرق برأسه وتمتمت شفتاه دون أن تنبسا بحرف . ماذا قال ؟ لم يقل شيئا . انا متأكد من ذلك . لن يجيب ، أو سيكون جوابه أعوج . أعرف هذه الحاله جيدا . لذلك لم ألح عليه . أعفيته من عنائها . وانتقلت الى زميله :

- 4 عبد الرفيع الذهبى ، ارتفعت قليلا الاهداب شبه المطبقة وانفحرت الشفتان مترددة متخوفة - " قل ماذا تريد ؟ . . أجاب ببلاهة : - " لا شيء . . " أى عبثية أطلق فى القسم . . ثم أردف فى عناد جاد:

- " وزيرا ! . . " أطلقها بساطة . . لكن كان لها مفعول قنبلة فى القسم جعلت القسم كله يضج بالضحك! . .

- 8 - بعد عشر سنوات أو أكثر . .

- 9 - الوحل والبرودة التى طالما تسربت الى قدمى من ثقوب حذائى الاغبر القديم دفعتني ذات مساء الى التسكع فى متاهات سوق شعبى بحثا عن حذاء جديد مناسب الثمن . .

ملابس . . جوارب . . أوان مختلفة . . كتب . . أدوات للزينة..الف حاجة وحاجة ميثوثة على الارض أو فوق صناديق خشبية . . الممرات تضيق وتزدحم بالبائع والزبناء والفضوليين أطفالا ورجالا ونساء يشكلون سوقا تلقائية رائحة . . امر اة تجلس القرفصاء تنتظر من يشترى منها وشاحا قديما وحزاما نسويا وكبة صوف . . رجل يجلس ، مستسلما ، وراء ابريق صدىء ودمية صلعاء مبتورة الذراع ، ومنبه أصفر قديم ، وأشياء أخرى مجهرية ومتفارقة . .

المرافق تتدافع في الممرات المتزاحمة . . هذه أحذية . . كاعبة للنساء . وهذا . . هذا حذائى . سأشتريه . أخذت أقلبه وقبل أن أرفع عيني نحو صاحبه ، شدت يد بحرارة على يدى:

- " أهلا ، أستاذ ?? هذه البسمة الصافية تتألق بهما عينان صريحتان ، ليست غريبة عنى تصايحت مسرورا : - " أواه . . ولدى دريديبا . . كيف حالك ؟ - " وأنت يا أستاذ بخير . . أما زلت فى نفس المدرسة ؟ والله العظيم أنا مسرور برؤيتك يا أستاذ . .

- " وأنا أيضا . . ماذا تعمل هنا ؟ - " كما ترى . . - ألم تتابع دراستك ؟ - " نجحت في الابتدائية كما تعلم ولكن العين بصيرة واليد قصيرة . الظروف يا أستاذ . كان وجهه أغير تناثرت فوقه زغيبات دقيقة ناعمة وعلى رأسه قبعة قديمة . - " المهم أن يربح الواحد خبزه حلالا . . - نعم . . نعم . . الوالدة واخوتك لا بأس عليهم - كل شيء على قدر الحال والحمد لله .

- " أهذه الاحذية لك أنت ؟ - " بلى . فى اليوم الاول لما دخلت فى معمعة هذا السوق لم يكن لى سوى حذاء واحد . . لم أيأس وأعدت العملية يوما بعد يوم الى أن فتح لى الله باب الرزق - " الحركة ماشية اذن ؟ - " شويا . احسن من والو . . " كان يبدو بفلسفته أكبر منى سنا أو هكذا خيل الى . ولكن تفاؤله يدعم كفاحه - " سأحاول ان شاء الله أن أعثر على دكان صغير فى المدينة - " الله يعاونك . " ودعته بعد ان اخذت منه الحذاء . رفض أن يتسلم مني ثمنه . ولكنى ألححت عليه فقبل فى نوع من الخيبة..

صادفته بغتة فى أحد ممرات كلية الحقوق . . البرميل الصغير أصبح رجلا متين البنية فارع القامة وسيم الملامح ، يرتدى بدله أنيقة جدا ، تحجب عينيه نظارة ذات اطار ذهبي توحي بالاحترام . كنت أظهر امامه قزما عجوزا . انحنى قليلا ليصافحنى:

- " كيف الحال ، مسيو الحسنى ؟ . . خاطبني بفرنسية ملتوغة . ليس فى نظرته سوى فضول عادى جدا. " - "الحمد لله . . وانت يا عبد الرفيع - " تو فا بيان . مرسى - " انت طالب هنا بلا شك - " نعم . بقيت لى سنة واتخرج كان واثقا من نفسه . وكان لقاؤنا خاطفا . ودعنى بسرعه مثل رجل تنتظره مهمة كبيرة . ابتسمت وسرت فى طريقى..

- 11 - مرة أخرى تاهت بي الدوامة داخل المقاهى التى تفوح منها رائحة الجعة والسمك . لا ضبط للزمن قبل منتصف الليل ولا بعده . الزمن يذوب فى الكأس التي تفرغ لتمتلىء من حديد . . ضحك وترثرة طول المتكأ واختلاط . . ومن حين لآخر تسترعى انتباهك كلمة او جملة تطيل فيها التفكير وتتبعها مثل جرذان تتيه فى سراديب بعيدة . . سمعت فجأة :

- " تورنى جينيرال ! " من يكون هذا الطائي الذي يريد ان يربح كل الجيوب ثمن كأس . رفعت عين الى المرآة الكبيرة مستطلعا . اشتبكت عيوننا . عرفنى وعرفته . للصدفة قوانينها . لم يكن صاحب " التورنى جينيرال " غير بوشعيب . . هرع نحوى عانقني وهو مخمور :

- " الله ، الله يا رب . أهلا بأستاذى . . أستاذ الاساتذة تعيش وتربى الريش ! - " الله يبارك فيك . أين أنت ؟ - " فى الدنيا . . جرسون هات نشرب . جذب من دون كلفة مقعدا محدثا ضجيجا وجلس بجانبي . عضلاته طاغية يبرز تفاصيلها قميص النيلون الانيق . تراه أين يشتغل ؟ . . خمنت وارتابت نفسي . شعرت بشفقة وخوف كأنني ازاء حيوان مطارد صحت فيه - " انت مجنون أو أبله . . "

اغرورقت عيناه . كان يحاول بكل قواه أن يبرر موقفه . أجبته مشفقا صادقا : - " ليست الدنيا فوضى . . ابحث لك عن خبز حلال . . " ضرب قبضته بقوة على المتكأ وجلجل صوته ضاحكا . . لما وجدت نفسي فى الشارع وحيدا كان يخيل الى اننى استيقظ من كابوس مخيف أو اخرج لتوى من قاعة سينما . .

12 - فى صيف هذه السنة وجدته هنالك في إفران كان مأخوذا بالجو الجميل ويتأمل الاسد الحجرى ، لما ابصرني تقدم نحوى فى تعثر واحمر وجهه . طالت قامته ، ولكنه مازال نحيفا تبدو على وجهه كآبة غامضة واجهاد . كان لباسه أنيقا وكانت بجانبه امرأة أوروبية تبدو أكبر منه سنا : - " أهلا . . أهلا . . أستاذى العزيز . . أقدم لك زوجتى

- " متشرف . . مبروك يا عبد الله . . تزوجت خلاص احمر وجهه مرة اخرى . لقد خمن دهشتى لفارق السن - " أين تعمل الآن . . " فى بلجيكا . . ضمن اليد العاملة . . أقضى اجازتى الان فى المغرب . . شعرت بابرة حادة تنغرز فى شغاف قلبي ، قسوة القدر . لو كان على الاقل متبن البنية . . لو كان مثل حركات . . ولكنه كان مهيأ لعمل شيء احر غير استخراج الفحم فى مناجم بلد أجنبى - أنت راضى عن نفسك ؟ . . هذا هو المهم

- " والحمد لله . . كلامه مقتضب ، ما زال يحتفظ بسره ، رغم الحياة فى أوروبا ما زال كبير الخجل . لن أعرف عنه أكثر من هذا أردت أن أودعه ولكنه هم بأن يقول لى شيئا . أطرقت برأسي لكى أربكه . جاء صوته خافتا مترددا: أمازلت تذكر يا ستاذ يوم سألتنا بماذا كنا نحلم ونرى المستقبل ؟ . . - بلى . وأذكر انك لم تقل شيئا . . " ابتسم وأضاف : - " كنت . . كنت أريد أن أصير شاعرا . . "

اشترك في نشرتنا البريدية