الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

أربنا في مصر , كتاب... وكاتب... وعامل

Share

كنا نوهنا باننا سننشر تباعاً بعض ماوصلنا من مقالات وكلمات ، وعن الكتاب الأول من سلسلة " بناة العلم في الحجاز الحديث " مما دبجته أقلام أدبائنا المعروفين ، وها نحن الان ايقاءاً بالوعد نشر مبدئياً هذا المقال الذي وصليا من الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار وسنتبعه بغيره إن شاء الله

كان الاستاذ عبد القدوس الانصاري غير ذاهب في التفاؤل إلى حد كبير بأن ادبنا صالح للتصدير ، ولعله أفتى " بمحليته " إهابة بالأدباء أن يجودوا منتجاتهم الأدبية ، الا أنه رأى حينما كان فى مصر حفاوة زعماء الفكر بالادب السعودى وتقديرهم لشعر الحجاز وأدبه ماجعله يعتقد بصلاحه " للتصدير "

وكان كتابه الذي ألفه عن أحد بناة العلم فى هذه البلاد خير شاهد على مالأدبنا الجديد من أثر فى مصر التى تتزعم حركة الفكر والنشر .

وأشكر للاستاذ الانصارى أياديه على أدبنا ، فهو - بحق - قد أعلن عنه تشتى الوسائل ، بمجلته التى تحمل بماذج من الادب الجديد ، وبإتصاله بالصحف والمجلات ودور النشر ، وبكتابه الجديد وكتبه التى أصدرها من قبل ، وفي طلبتها كتاباه الممتازان " آثار المدينة " و اصلاحات فى لغة الكتابة والأدب " وبالاحتفاء الذي قويل به من أرباب القلم والبيان .

لم يكن لأدبنا ذكر فى تلك الديار ، ولكن الأستاذ الانصارى استطاع بتلك الوسائل أن يري مصر أن لدينا أدباً يستحق أن ياخذ مكانه فى " معرض الكتاب العربى " وفى المكتبة العربية .

ولقد أبصرت ما بذل هذا الكاتب القدير فى مصر من جهد ، مبارك في سبيل الدعاوة لمليكه ولبلاده وللادب في هذه البلاد التى رقدت ألف عام

وأ كثر ثم استيقظت على صوت العاهل الغلاب " جلالة الملك أبن سعود "

وأبصرت ما لقي الاستاذ الانصاري من الحفاوة والتكريم ما اثلج صدري لأن التقدير الذى ناله هو تقدير لكل سعودي وفخر لنا جميعاً ، وزاد من إعجابي أنه كان مثلا رفيعاً للخلق الحجازى النبيل .

وما أشك أن ظهور كتاب " السيد أحمد الفيض ابادى " للاستاذ الانصاري وديوان شعري " الهوى والشباب " وكتابي " الخرج والشرائع " ومحمد بن عبد الوهاب " واحلام الربيع للاستاذ طاهر زمخشرى ، ورحلة الربيع للاستاذ فؤاد شاكر ، والصبابة ورجالات الحجاز للاستاذ السيد إبراهيم هاشم فلالى أقوى دعاوة لتقدم هذه البلاد فكرياً .

أما هذا الفصل فقد كسرته على الكتابة بايجاز - عن مؤلف كاتبنا المرموق الاستاذ الانضارى آملا أن أجد من الفراغ مايتيح لي الكتابة عن المؤلفات التى سردت أسماءها .

" بناة العلم في الحجاز "

هذا عنوان جد ضخم ، وكنت قد سمعت به قبل أعوام من الاستاذ الانصارى ، وكنت أظن أن المبالغة تأخذ نصيبها حتى إذا رأيت آثار هذا " الباني " الكبير أيقنت بعظمته التى صورها المؤلف فأتقن التصوير .

إن هذا الرجل الكريم وقف كل جهده وكل ماله ، وأسرته فى سبيل إنقاذ المدينة المنورة من الجهل ، ووفق فى ذلك أعظم التوفيق ، وكان بعيداً عن الدعاية " المسرحية " لنفسه والتطبيل لأعماله لأنه رجل مفطور على الخير وعلى الاحسان فى السر ، ولأنه لا يريد إلا وجه الله وحده ، حتى إذا مات ورأى الأستاذ الانصارى أن مواطنيه من الكتاب نسوا الرجل الذي خدم الدين وخدم العلم والصناعة والفن الخدمة الصادقة التى لم يرج بها الاالله ، قام - وحده - بتسجيل مفاخر هذا الرجل الكبير وتحليل شخصيته ، فكان هذا الكتاب القيم الذي نتاوه فنتلو الجمال والفن والعذوبة فيه .

وقرأت الكتاب فألقيت أن مؤلفه قد أجاد فيه لأنه عني - إلى جانب عنايته بسرد السيرة والحوادث والارقام - بتصوير الشخصية حتى لكان القارئ يرى صاحبها وقد القى ظله أمامه .

ان المكتبة العربية - ولا أقول الحجازية لأنه لم تعد لنا مكتبة لها أثرها حتى الآن - فقيرة إلى كتب التراجم ، وكتاب الاستاذ الانصاري في المكتبة العربية بارز مشهور لأسباب أعظمها أنه من الحجاز الذي بدأ يرقي " سلم " الحضارة والعلم والأدب منذ أعوام ، وإن كاتبه وفق في التأليف توفيق كتاب مصر الافذاذ .

الكتاب جيد ومفيد يجد فيه الأديب متعته ، كما يلقي به العالم طلابه ، لأن المؤلف وفق في كتابه هذا توفيقاً كبيراً ، أما أسلوبه فقد كان كثير الرواء ، بادى البهجة والفتنة والرشاقة ، وهأ نذا أنقل فقرات منه من غير إنتقاء للتدليل :

جاء فى ص ٢ : " كان الفتى قد بلغ السادسة عشرة من عمره ، وكانت الاحلام المعسولة تتراقص أمامه كما تتراقص مياه الغدير الصافي للظمآن فى الفيافى الجرداء وكانت الحياة فى نظره رؤى وأحلاماً فيها الكثير من الغموض والاظلام ، وقد أكسبته الحوادث والاحداث الجسام التى مرت عليه قطعانها وهو ناعم الاظفار مرونة محددة " .

وجاء في ص ١٣ : " وكان فى عزوق اليتيم دماء الاسلاف ، وقد صرخت هذه الدماء فى شرايينه ".

وفي ص ٣٧ : " جلس السيد أحمد وراء منضدته الممتدة عرضا في أحد حوانب غرفة الادارة يستعرض ما يستمرض من شؤون الادارة ، فهو حينا منهمك في قراءة رسائل البريد الخارجي ؛ وحينا مسترسل في تلاوة رسائل البريد الداخلى ، وفي اثناء ذلك كان يجيب عما يستدعي الاجابة من تلك الرسائل ويتجه بعض الاحان الى هؤلاء المراجعين الواقفين أمامه من الطلبة والمدرسين فيصغى بقلبه وسمعه إلى آراء هؤلاء ومطالبهم " .

وفي ص ٤٩ : " وهذه المدينة النبوية هي القلب الروحي لعالم الإسلام فمنها نتشرت أنوار المعرفة والهداية والاصلاح إلى أرجاء العمورة ، وفي احياء العلم بها بعد خموله ، إحياء ضمني للعالم الاسلامي في شتى شعوبه وأقوامه ، والقلب اذا صلح صلح سائر الجسد وابتسمت الصحة للحياة " .

وهذه الفقرات تدل على رشاقة الإسلام وسلامته وجماله ، أما الفكرة وقوتها ونضجها وابرازها فى ثوب أنيق فيدل عليها الكتاب .

وأنا أعتقد أن لدينا فريقاً من الأدباء يؤلمه تقدم غيره مسيقابل هذا الكتاب - وكل كتاب لأديب سعودي - بغير ما يستحق من التقدير والتكريم ، ولكن هذا لن يؤثر في صديقنا المؤلف المعروف بقوته ومتانته وعدم مبالاته الاحقاد والذحول .

نعم ، إن لدينا فريقا من الأدباء - لا أسميه - يغضبه أن يبرز غيره وينال من السمعة الحسنة والصوت البعيد ما يمهد لأدبنا أن يأخذ طريقه إلى الظهور لانه شديد الحسد لكل نجاح يصيب سواه ، وقد نالني - أنا نفسي - منه ما أكره ، ولكنى ثبت- والحمد لله - ومازلت في سبيلى الذى رسمت وشققت

وقد لقي الأستاذ الانصاري من الجحود والنكران من هذا الفريق ما لا يطاق ولكنه استدبره ومشي في طريقه بين هتاف المعجب وتصفيق المقدر ، وحسبه أن يجد من مواطنية المنصفين ومن زعماء الأدب في مصر والشرق العربى التقدير الذى لامزيد عليه ، وأقرب دليل على لون من ألوان هذا التقدير ما أذاعته محطتا الاذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية والشرق الأدنى ، وماكتبت

الصحف فى البلدان العربية وما تكتب ، وكلها دليل على مالقى المؤلف وكتابه الجديد والأدب السعودي من التقدير والاعجاب والرضا .

واني أهنئ الصديق الانصاري بكتابه القيم وأقول مع الاستاذ الزيات : " إنه الكتاب الذي يمثل مبادئ اليقظة العلمية الحديثة لمهد العروبة والأسلام فى العصر الحديث بأسلوب يجمع بين متعة الفن القصصي وعمق البحث العلمى "

وأقول فى صراحة وصدق : لو لم يكن لنا " انصاري " لمتنينا أن يكون لنا " أنصارى " يرينا آثار المدينة ويصلح لنا الأخطاء التى شاعت على الاقلام ويصور لنا شخصية عالم جليل هو من بناة العلم فى الحجاز ، ألا وهو السيد أحمد الذي لوكان فى غير هذا البلد لكان له ذكر مرفوع ومقام سامق الذرى

أن الانصاري أديب فذ يستحق التقدير والثناء لاخلاصه لوطنه ، ولتدينه ولغزارة علمه ، وسمو آدبه ، ورجاحة عقله ، وسماحة نفسه ، ومتانة أخلاقه ، وبعده عن السفاسف .

وبعض هذا يكفى للتمجيد فكيف وقد أجتمع لانسان .

ضيف القاهرة ١٠ رمضان ١٣٦٥

اشترك في نشرتنا البريدية