الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

أروقة الفشل

Share

- ليست الفوضى المنتشرة فى الوجود من اختراعي ، وفرصتنا  الوحيدة في التجدد أن نفتح أعيننا ونرى الفوضى ، تلك  الفوضى التى لا يستطيع انسان أن يتلمس أى معنى وراءها .

1

هللوا . .

" إن البنادير تدق للآذان المثقوبة - يا حضرة ال . . - عويل الفئران  وصخب الأمعاء المتضورة من أوج الجوع ، ، ولا تدع النسيم يلفح شعراتك  البيض الكاسحة ، لأنك ، تذكر جيدا وطء العذاب ، ، طنين العذاب ، ، حين  يدك جنبيك ، ثم تبقى وتبقى تدوى وتدوى بلا انقطاع . .

أن الفوضى تكتسح الوجود ، ، تريح الأشقياء وزر الاستقرار ، ، يخنقهم دخان الكون المعفن ، ، يغويهم عن شواغل الحياة ،  

كذلك ترسم الصورة لتعلق كذلك خلقت السيجارة لتحترق

وكذلك خلق الانسان ، ليعبث به ، ليزدرى به ، ليتطعم ضراوة العذاب ، ، وأى عذاب أهول من عذاب البنادير تقرعها أيادى الأبالسة فى ليلة من ليالي  الاسراف والاعراج ،

الرذاذ ، ، ما أروع الرذاذ يقرع صلعته العارية ، يثير داخل احساسه ثرثرة الجنون

وخبايا قضية لا تزال مدفونة وراء الفوضى ، ، وراء سدود الوعود الفانية ، ، تنخرها الديدان ، تثقبها ، تلقى بها . .

أمامه الطريق يمتد ، ، يمتد مقفرا ، ، تحفه زفرات البائسين ، وومضات  الجوع الخانق تزدرى بهم ، ، بأسمالهم ترتقها رقع الكلام الجاف القاتم ، فبئس الأجساد يعذبها الأمل اليائس فى قفص وهمى لا حرب فيه ولا سلم ،

كان عليه أن يراجع مبادئه بامعان ، باطالة النظر ، ،

وما عسى مراجعة فقدت قوامها فى نصف الطريق ، ، فى لا شئ من أشيائه ، ، وكان لا شيئا وسط أشياء ، ، ولا يزال كذلك لا شئ ، ، وها هو  الآن يعاني ازمات تفكيره الخاطئ ، ، ثم ، لا شئ يجدى ،

وغدت أحلامه كتلة هلام وغدا قاربا تائها بلا رب .

تمددت قدماه على ظهر الرصيف ، طويلة عريضة ، حجبته عن نشاز الدنيا غمامة الخريف البيضاء ، ، يشده هذيانه اليها ، تدعه يتمايل ، يترنح ينهار . . .

قطرات معفنة تبلل قاع الرصيف ، وكراس مبعثرة مجلوس فيها هؤلاء  وهؤلاء ، ، مخيم على رؤوسهم لوعة واكتئاب ، ، مكتظة بهم شوارع المدينة  القفراء ، ، هم الأشقاء تتداعي هامتهم أمام وابل الأفيون القاتل ، ، وشقاوتهم  لا تتجاوز دائرتهم الضيقة لمفهوم المعاش ، ، إن كل شقي يساهم فى بناء الخط يرسم خطوطا ملتوية لا تبتعد عن ضلالة الكافرين بالقيم ، أو عن كيفية تخلص الفأر من المصيدة ،

القضايا بطبيعتها تبقى ، وتبقى تدوى وتدوى ، بلا جدوى ،

تقزز ، ، امتعض ، تقيأ ، ، لعن الشيطان - في ما لايراه مجديا - ، ألف مرة ، ، لا شئ يعلن جدواه ،

لا نفاث العقد لا فتاح القبور أو متربص على رصيف يندب حقه .

تمادى به التفكير الى ما على الرصيف من أشياء ، ، صوت متعب يهزج له أنماط الأمل الزائف ،

محقون هؤلاء متعبون ، ومتعب بينهم كالشراع يتقاذفه الموج والأنواء تصفر فيه ، ثم على الصخور المشرئة الاعناق تلقي بقاياه ،

ابتلعه هجير الرصيف حتى الأعناق ، ، لم يك نوتيا ولا سباحا ، ، حاول التعالى حاول التحدى ، ، فعجز ، ولم يعد فى وسعه مجابهة الأحداث بسرعتها الزمنية المفرطة ، بغموضها المقلق ، ، تراخت هامته ، ، ثملته مغبة الاخفاق ، ، ولم يضرب المواعيد مع الفشل ، بل ينتصب أمامه بلا سابق انذار ، فتنصفق  من أمامه الأبواب وتنهار قواه أمام متابعة الجنون ، أمام تعنت الفوضى ، ،

قطعا ، لم يساهم فى بناء الخط المرسوم ، ، بل يسعى الى تحقيق ما يدعى برغبة انسانية سمحة ،

الحظ ، ، أبدا يستطيع معرفة ما معناه ، ، بل يمقت هذه الأسماء ، ، ما أقساه ، كل شئ يعامل فى هذه الحياة ، حتى الحظ يعامل الأشقاء برسومه الملتوية ، المشتبكة فيضاعف تحميض معاشهم وتنكيده ،

فكر يبسط مشاكله على النحو الجدى ، سوى انه يعبث بالجدية ، ، وتواطأ الآن على وضع كل ما بيده للرياح ، وأذعن مليا لفوضوية الطريق الممتد أمامه ، لجلبة الجاحدين على الرصيف ، ، لكل هؤلاء وهؤلاء ، وفظاعة مساعيه تبهره بصدق الاخفاق ،

وكان لا شيئا ، ، ولا يزال لا شيئا ، وغدا مجموعة ثقب  ثم غدا كافرا لا يؤمن بالعقد وأتعبه ذلك .

على الرصيف بائعو الكلام ، ، ماسحو الأحذية ، ومتسول عنيد ، ولا حاجة لهم سوى المال ، لا تنى عيونهم عن رمق الجيوب المورمة ، ، كذلك تشاء أو لا  تشاء فلا شئ يضاهى المال بدعة وروعة ،

وانساب بائع الكلام يرزح تحت وطأة كبريات العناوين ، - آغتيال خمسة عشر شخصا ، فى حالة غامضة الأسباب : مجهولة

" من الطبيعى - يا حضرة ال . . - ان يجرجر الجمل ، لأن لدى الجمل كلثوم وكلثومها يخدر ، ، ولا فائدة كى تلقى الشتائم على الأرض لأنك ستؤوب إليها يوما ما ، ، ولا يهمك ان تعرف متى ذلك . . " .

تجرع الكأس دفعة واحدة ، ، أيقظت عروقه الفيروزية النافرة ، ، جعلته يطالب بثانية ، بثالثة ، ، ثم عقبتها أخر ، ، جميع هذه الكؤوس تنضم مع عجزه على إزاحة شبح الفوضى عن عينيه ، ، وأى حقيقة فى امكانها ان تكون حقا حقيقة ما دامت تحول حوله الشوائب ، ما دام يهتك به الذباب يحيله الى حطام ، الى أشلاء ، والغمامة الخريفية البيضاء تبلد آراءه ، ، تجعله يخط خطا أفقيا عبر الفوضى ، ، والتصق خياله باندفاعه المستميت لمعرفة أى شئ واضح خال من الشوائب بعيدا عن الفوضى التى لا نعرف عنها شيئا ، ،

وأعلن ماسح الأحذية :

- الصمود بدعة من بدعات حياتنا الزاخرة بأكاليل الاخفاق ، يدفعنا قسرا لمتابعة المسح والتنظيف لأحذية العظماء ، ، وعلاوة على ما نشعر به من  جهد ومشقة تدحضنا آخر الأمر أنوف الأحذية القرمزية الفخمة  

منافق ، قاصر ، كهؤلاء الذين يتابعون الرقص على نغمات الطبول المستوردة " .

تلاشت آراؤه حيث لا يعلم ، ولن يعلم قط شيئا ما يبلور له العلامات

المتضاربة على الطريق ، فى منعرج يمتد الى ما وراء الطبيعة ، ، الى ما وراء العالم الآخر ، ، وراعه منظر الحنايا تستحم فيها الجرذان القذرة ، على شكل منسجم ، ، ما أروع اللا إدراك ، مع الغريزة الميتة فى عالم الفطرة ، ، مع  السجايا الممنوعة من تعقيد الانسان ، من خلقه الفوضى ، ، ثم تذكر انه لا يضاهى هذا العالم في شئ سوى انه يطفح فى خلايا عالم ميت .

وأدرك المتسول أصحاب الكلام :

- قيمتنا - أيها الرفاق فى الشقاء - هنا فى هذا الفلس المثقوب ، وهل يوجد ما يتجاوزه قيمة ونشوة ، ، أبدا ، لا شئ ، لا شئ .

يعدون ويعدون ، فوق رصيف مائج ، ، أتعبهم المسير على الحصاة الناتئة ، أرقهم البحث عن جدوى الصمود ، جدوى الحياة بغير انسجام ، ، وأيقن بعد أن أيقنوا أن لا شئ يتعب الفكر اكثر من التنقيب عن الاستقرار ، ، ثم لماذا هذه الفوضى ، ، الآمال تنساب رائقة ممطوطة تخمش الصلابة ، ، الجياع يحتجون ، يولولون والموتى يردمون تحت أمطار القنابل ونيران الانسان الثائر ، ،

وليتك يا عامل الأهواء ترتد ، ، ترتد باغرائك أدراجا ، وتنبذ العالم  وما فيه .

ما قيمة الانسان ؟ ما قيمة العلم ؟ ما قيمة المحافل الأممية تدعو ، التعاون تدعو السلام ؟

" إن القيم - يا حضرة ال ٠٠ - كلمات تقرأ فى الكتب ، تطالب بها المنظمات الخيرية ، أو تعبث بأشكالها الأقلام ، ، أو تتمسك بها الكلاب : تنبح ، ، على طائرة - فنتوم - تسقي الجياع من الأرض ، سيولا من النار والنابالم . .

ضجيج وفوضى كلها الحياة ، فما من راغب في ازدياد ، ولا فلسفة نفعت  الجياع ، ولا نفعت الجثث المحروقة من سيول النار ، ، سوى أنها تبين أن  ذلك - لا انسانيا - فلتهذى حتى الموت على أنها لا انسانية ولكنها تبقى وتبقى تدوى وتدوى بلا انقطاع ،

سأقرئكم الانسان ، الانسان الذي يتلو على لسان بائع الكلام سورة يس " احتجاجا على لا انسانيته ،

" إلى الذين يحملون في قلوبهم لوعة ، إلى الذين يرزحون تحت ضغط العذاب ، لا شئ يثنيهم عن الثورة ، عن مجابهة العنف ، عن الاضطهاد ، وكيفما تكون صورة العالم ، بجنونها ، بعفونتها ، بضلالتها ،

هى ، أنتم ، وهؤلاء ، تجابهون ظل المأساة قبل أن يخيل على الدرب ، ، ويا ليلة الأحلام طوبى ،  

طوبى للذين يقتلون الفئران عذابا ، ، حرام على الذين يقولون دائما حرام ، ، حرام معذبة فى القاموس ، مشنوقة من جفونها ، لا تعرف طعم النوم طعم  اللذاذة فى الحرام ، ، " .

التزم السائل العنيد وماسح الأحذية بالصمت ، ، نادى أيا ليله ، أيا عينه ، ، قرع الحاضرون كؤوسهم على نخب نضالهم فى سبيل أشياء لم يتبينوا  منها بعد ، ،

أدركوا قائلين ، - الفيتناميون لا يضعون حدا للارهابية المعادية - فلسطين لم تعد إلا صورة لماض لم يكن - ٠٠ وأسيادنا على نخب تحريرها يقرعون الكؤوس مثلنا ، مساكين مساكين ، ،

انكفأ على وجهه ، الارهاب ثم الفوضى ، ، والفوضى تعلل الارهاب ، ، تعلل الاجرام ، ولكنها لا تعلل الانسانية الجافة الحمقاء ، توهجت أحشاؤه قفل راجعا الى ذكراه ، ، حملق بعينيه ، لم يتبين شيئا ، ، لم يفهم شيئا من اشيائه ، وهؤلاء تتردد بينهم قوارير - العرقوب - بانتظام ويعلو ضحكهم وقهقهاتهم ، ،

عبثا حاول ايجاد معنى لبائع الكلام ، ، لماسح الأحذية الذليل وخرقه المتماسكة بالأوساخ ، وأى اتجاه يتجهه المتسول العنيد يتربع على عرش  الفلس المثقوب ، ، وآن له ان يعلن علانية لا جدوى مساعيه لفهم الجديد فى الفوضى ، ، ويفتح المجال شاسعا أمام الأوراق المبعثرة بالمداد الأبيض ، ، أمام طنين الذباب وعرقلة الغمامة الخريفية البيضاء ،

اشترك في نشرتنا البريدية