الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

أريحية

Share

هذه هي المرة الثانية التى يريد التخلف فيها عن " نوبته " فى العمل ان رئيسه على جانب من العطف والدعة ودماثة الخلق والرأفة ، ولكن يجب عليه ان يتبع المثل العامى القائل " ان كان حبيبك عسل لا تلحسه كله " ثم بأي وجه يطلب الترخيص لهذه الليلة ايضا . . فهو قد استرخص فى " النوبة " الماضية على أمل أن يأتى الضيف المنتظر . . ياه من ضيف ممل ان زوجته أم الضيف الجنين قد عانت الف مشقة ومشقة ، كابدت آلاما ممضة ، وعلى الرغم من كل تلك لما يقدم . . مسكينة تلك الزوج ، فقد سهرت خمس ليال سمعت فيها أذان الصبح كما سمعت أذان المغرب ، ولكن لابد مما لابد منه ، ولعل وقت ظهوره الى هذه الدنيا لم يحن بعد ، ثم لا يدرى ماذا ينتظره فى هذه الدنيا من آلام ومتاعب ومصاعب . . تبا لها من دنيا غادرة لا تترك سبيل احد من بنيها دون ان تذيقه كأسا من صابها . . من ذا كان يفكر ان سمير بن عبد الرحمن التاجر " القوميسونجى " المشهور سيصبح يوما ما فراشا فى شركة اهلية . . فراشا يكنس الغرف ويزيل الاغبرة والاتربة من على المكاتب . . ويقف طول النهار ليحنى قامته تبجيلا لرؤسائه الموظفين كلما اومأ احدهم ايماءة تحمل معنى طلب

ما ولو كان كاسا من الماء . . يالها من سخرية يمنيه بها القدر . .

مرت كل هذه الخواطر فى ذهن سمير سراعا وهو واقف على قيد خطوات من مكتبة مديره ، وما انتبه لنفسه الا عندما سمع رئيسه يقول :

- ما بالك ياسمير ؟ . . - لا شئ . . أنما الضيف . . الضيف . . لما يشرفنا بعد يا سعادة الرئيس .

- أى ضيف تعنى ؟ . . هل هناك من وعدك بالحضور لمقابلتى ؟ . .

- لا . . لا . . اقصد المولود المنتظر قدومه فى دارى . .

- آه . . فهمت الآن انك تريد اليوم فكاكا من النوبة . . ولا بأس من ذلك . . ولكن دع سليمان زميلك يقوم مقامك

- أمرك يا سيدى . . لا حرمنا الله عطفك وحفظك لنا ولانجالك . .

وفي آخر النهار عاد سمير الى داره فوجد زوجه على فراشها تئن وتتألم ووجد جارتها السيدة أم حموده قابعة عندها تنتظره لتنصرف لشئونها ، وما كاد يدخل حتى وقفت تودعه كعادتها بسيل من الكلمات التى لا تخلو من بعض التذمر ، ومن بعض التمنى ومن بعض الثرثرة . ثم تركته وغادرت الدار ، ولكنه استوقفها

ورجاها في ان تعمل لزوجه شيئا من شراب " اليانسون " كاليلة الماضية ، وان لا تنسى الحضور فى الصباح لتكون بجوارها حتى اوبته من العمل

جلس سمير غير بعيد من زوجه واخذ يمرر كفه عليها ويدعوها فى حنان بالغ بذلك الاسم الحنون الذي اطلقه عليها ، وهي لا تجيب . . بل ظلت كمخمورة الانفاس ، ولولا بعض الشهقات التى تطلقها بين الفنية والاخرى لما ميز بينها وبين الموتى .. لقد تعبت المسكينة كثيرا . . ولكن ما عسى ان يعمل لها سمير ليخفف عنها هذا الالم ، سوى كوب " اليانسون " الذي رجا ام حموده ان تعمله . . انه يود ان يعرضها على طبيب .. اختصاصى . . أو حتى غير اختصاصى ولكن الطبيب يحتاج الى عشرة ريالات " قدمية " ولابد هناك من بعض منصرفات للعلاج ولو اراد أن يحملها الى الصحة فلابد من سيارة تنقلها ولا تقل اجرة السيارة عن " قدمية " الطبيب وكيفما كان فانه لا يملك سوى خمسة ريالات هى كل ما بقى معه لنفقات سبعة ايام

قد كان راتبه يكفيه لآخر الشهر كفاية قانع بما يأكل ويشرب ويلبس ولكنه انفق فى هذا الشهر تسعة ريالات زيادة عن المقرر فى شراء بعض فواكه لامرأته ، انه ما زال يجد لذة حبة الموز التى اختلسها مما ابتاعه لزوجته ، وكأن طعمها ما زال باقيا على طرف لسانه حتى الساعة . وكم ود لو انه يملك ما يشترى به موزا كل يوم ، ولولا خشيته من الجوع الذي سيتعرض له وتتعرض له زوجه لما توانى فى شراء الموز بما بقى معه من النقود . .

وفجأة قفزت الى ذهنه أفكار اخرى . . ان هذا الجنين المنتظر قدما سوف يحتاج الى منصرفات لا رصيد لها فى حسابه وفي وارداته واول ما يحتاج اليه نفقات القابلة ومنصرفات الولادة وقيمة بعض الالبسة له . . من اين يارب يدبرها ؟ انه لا يستطيع ان يوفر قرشا واحدا من مرتبه فى الشهر ، ولم يسبق قط ان طرق باب احد مقترضا ، ولو فرض انه اقترض شيئا كيف يا ترى يسدده لا . . لا يريد ان يقترض ولكن . . . ولكن الخمسة ريالات لا تكفي لكل هذه النفقات ثم لو فرض انها تكفى فبماذا يتقوت هو وزوجه حتى نهاية الشهر واما الجنين فهو خارج من قائمة القوت لان لبن والدته سيغنيه عنه مدة كبيرة واذا . . وتبلبلت عند هذه الاداة الشرطية أفكاره ، واخذ يقول بصوت مسموع كمن يهجس من الحمى واذا واذا ماذا ؟ . . واذا ضن الثدى باللبن الا يحتاج الطفل على الاقل الى علبة من اللبن الجاف شهريا . . آه . .؟

هنا سمع صرخة لم يتبين مصدرها واغلب الظن انها صدرت من هذه التى بين يديه ، ولكنها اعادت اليه وعيه ففرك عينيه بيديه ودنا منها مناديا باسمها ، ولكن لا حياة لمن تنادى ورأى على وجهها سحابة زرقاء فمشت فى اوصاله رعشة كرعشة الموت الرهيب ، واستدار يتجه نحو الباب ولا يدرى اين يتجه واين يقصد ؟ . . وماذا يعمل وبمن يستعين ؟ . . ولمح ام حمودة قادمة وفي يدها كوب اليانسون فهرع اليها وتناوله منها دون ان ينس بكلمة ثم انبرى داخلا

الى حيث كانت زوجه فالفاها جالسة على فراشها كأن لم يكن هناك الم .. فسألها عن حالها فقالت لا شى سوى ما ترى . . والالم قد زال والحمد لله بعد تلك الصرخة ثم مدت يدها وتناولت منه كوب اليانسون ودفعت به الى جوفها فى عدة جرعات ، وقامت من موضعها تمشى فى الغرفة . . جيئة وذهوبا

وفي الليلة التى تلتها قام سمير بالنوبة عن العم سليمان . وكان عليه ان يحرس الشركة ، فاغلق ابواب غرفها جميعا وخرج الى خارج الباب تتنازعه شتى الهواجس ، ويلم بذهنه الكثير من الخواطر فاستسلم لها واخذ يمشى فى بطء على مقربة من الشركة ولكنه ما كاد يسترسل فى هواجسه حتى سمع نحيبا عاليا من احدى الدور المتواضعة بجوار الشركة فاندفع يستقصى الخبر ، والانسان بطبيعته مشغوف الى استكناه كل ما يسمع ويرى واقترب سمير من الدار التى انبعث

منها ذلك النحيب وسمع امرأة تقول انه طفل جميل يأخذ كل سمات ابيه وملامحه رحم الله اباه . . وسمع اخرى تجيبها . . لا تهمنى ملامحه ، ولا يهمنى سمته ، ولكن يهمنى هذا الفقر المدقع الذى سوف يرزح تحت عواديه ، ليته لم ير نور الحياة ، وليته لم يخرج الى هذه الدنيا . . لقد كان لى فى السابق هم واحد وهو هم نفسى وفقرى ، والآن اصبح همى همين ، رباه ماذا افعل بهذا الطفل ؟ . . مات ابوه فقيرا معدما وترك هذه الضريرة العمياء وفي احشائها هذا الطفل ، ولم يترك لها شيئا من طعام الدنيا تتعهد به هذا الطفل وتربيه . .

ثم انفجرت المرأة مولولة باكية . . هنا امتدت يد سمير بغير وعيه الى داخل جيبه واخرجت منه اللفافة التى تحوى ريالاته الخمسة ، وتقدم نحو الكوة التى تطل من الدار الشبيهة بالكهف والقى باللفافة الى داخلها وقفل راجعا . .

اشترك في نشرتنا البريدية