قد يكون هناك من لم يقرأ عن هذا الشاعر الا النزر اليسير ، لان معظم انتاجه الشعرى لم يتسن له ان يجمع فى ديوان ويطبع ، كبقية الشعراء السعوديين الذين نقرأ لهم الشئ الكثير من واقع انتاجهم . واقول لو ان شاعرنا جمع انتاجه الشعرى وطبعه لكان فى ذلك خير له وللقراء ولا أخاله الا فاعلا ان شاء الله :
وفي تحليلنا هذا لبعض شعره دليل يعطي القارئ انموذجا حيا لشعراء الشباب السعوديين المغمورين في زحمة الشعر والشعراء الذين لم يتسن لهم البروز امام القراء للتعرف عليهم وعلى العالم العربي ان هناك شعراء من الشباب قد يكونون نسيا منسيا لا يعرف احد من القراء عنهم شيئا امثال شاعرنا لولا ان هناك مجلة عربية تعرف بالمنهل كان لها الفضل فى ابراز هذا الشاعر الى حيز الوجود . والفضل كل الفضل يعود الى مؤسسها ورئيس تحريرها اديبنا الكبير الاستاذ عبد القدوس الانصارى الذى ما يفتا منذ ثلاث وثلاثين عاما مضت خادما امينا يقيم صرحا شامخا للغة العربية وآدابها لطلابها فبارك الله فى جهوده ووفقه .
ولنعد الآن الى صلب الموضوع ، الى الشاعر الذى نحن بصدده من شعراء المملكة المجددين ) مفرج السيد ( . ان فى شعره اصالة وميزانا ، وهو على ما ذكرناه عنه ، مما
وصفه به اديبنا الكبير الاستاذ عبد القدوس الانصارى من انه كالبهاء زهير فى سلاسة شعره واسلوبه الرصين السهل الممتع . وانك لتقرأ شعره فتحس انه يحلق الى عالم من الجمال الأخاذ . لتقرأ بعض أبيات من قصيدته مع الحسناء التى رآها عند الغروب :
رأيتها والدنا تزدان بالشفق
فى روضة تجمع الازهار في طبق
كزهرة غضة فى الحقل باسمة
تفوح انفاسها من ثغرها العبق
وعينها عينها النجلاء شاخصة
الى الضحايا وكل السحر بالحدق
وشعرها الاشقر الوهاج منسدل
كأنه قطعة قدت من الشفق
عجبت من زهرة تجني صواحبها
بخاطر غير مشغول ولا قلق
وبعد ان ينتهى من هذا الوصف الممتع لحسنائه ، يهرع الى خادمها يرشوه على ان يخبره عنها بما يطئ لوعته :
وقلت للخادم الحاني بجانبها
وقد وهبت له شيئا من الورق
قل لى بربك يا مبروك صاحبنا
من هذه الغادة الحسناء كالالق
ولكنه يفاجأ بالخادم مبروك يحذره من الاقتراب من سيدته ، لان سيدته لا تعرف الحب فخير له ان يبتعد عنها :
فقال لى هذه حسناء ، سيدتي
لا تعرف الحب دعها عنك وانطلق
فقلت : ان اسمها وفق لصورتها
فانها كاسمها فى الخلق والخلق
وهكذا يخرج شاعرنا من هذه المعركة بخفى حنين .
ورغم كل ما لاقاه فهو لم ينثن عن تعشق الحسن والجمال ، فنراه فى قصيدة ثانية يقول مخاطبا احدى حسانه الكثيرات ، انه يتعشها بل يعشق كل شئ فيها فمن خدها النادى ، الى شعرها المسترسل على كتفها ، الى فمها ، الى عينيها السوداوين الخ ما فيها من مفاتن . ولكنها رغم كل هذه المغريات التى ذكرها لها لا تعطف عليه . انه لم يكن وحده المرهق بالحب ولكن قبله كثيرون سبقوه الى هذا الطريق الشائك فعلام هذا الجفاء له من هؤلاء الحسان ؟ انه لا يعلم ونحن كذلك لا نعلم :
ليس بدعا يا ملاكى
ان تعلقت هواك
ألف عذر لى وعذر
انثى أنس هواك
الى قوله :
ليس بدعا لك حبى
فتعالى يا ملاكي
ولكن شاعرنا هذه المرة وقع فى الشرك
حيث ان الحسناء التى عشقها من بني قومه :
سبتني في الهوى غادة
سليلة معشر سادة
فتاة من بني قومى
لها قتل الورى عادة
سبتني عندما خطرت
كغصن البان مياده
وصادتني بأعينها
وعين الظبي صيادة
فقلبي من صبابته
به النيران وقاده
ونفسى رغم عزنها
لأمر الحب منقاده
وبعد هذا الوصف الماتع لفتاة قومه نراه يتوسل اليها من أجل أن تعطف عليه وان لا تقسو على قلبه ، فهى غاية ما يتمناه فى هذه الحياة :
فيا روحي ويا املى
رعاك القلب يا زاده
فلا تقسى على قلب
مناه أنت يا غاده
ولا نعلم بعد ذلك ماذا جرى له مع فتاة بني قومه ؟ !
ولنعد الى احدى قصائده ، لنعطى القارىء نموذجا آخر من درر شاعرنا العاطفى صاحب الوصف الجميل . ان شاعرنا هذه المرة ليس كالمرات السابقة انه يريد من حبيبته التى عودته ان يراها دائما من شباك بيت أهلها ان تطل عليه كعادتها ، بعد أن اختفت عنه ، ليشاهد ذلكم الجمال الذى اخذ بلبه ومشاعره فلنر ما حصل له من خلال شعره :
أطلى كعادتك السابقة
أطلى أيا شمسى الشارقة
أطلى فانى هنا جالس
وعينى بمنزلكم عالقة
وان جارتى طرقت بابكم
تمنيت لو جئت للطارقة
لعلى ارى منك لو بسمة
تهدئ انفاسى الخانقة
غير ان جارته أو محبوبته لم تخرج فالشبابيك هذا اليوم قد اوصدت ، هو لا يعلم ولا نحن نعلم ماذا اصابها . فلنتركه فى حيرته وتساؤله :
فما للشبابيك قد غلقت
واضحت بجدرانها لاصقة
وماذا بك اليوم لم تخرجى
أعاقتك يا منيتى عائقة ؟
ولنأت الى ذكريات شاعرنا الكثيرة مع حسانه ، وفتيات احلامه ، لنسمع ) شريط الفكريات ( وهذا عنوان لاحدى قصائده . وماذا دون فى شريط الذكريات من ذكريات ؟
كيف انساك انت يا أحلامي
انت يا قصتى وحبى السامى
وليالي اللقاء تلك الليالي
تتراءى بيقظتى ومنامى
وبعد ان نتركه فى تخيلاته وذكرياته للماضى البعيد نعود الى ما يجول فى خاطره من ذكريات قضياها معا ، هو وحبيبته ) منى ( . انه يذكرها حينما تقدم له الشاعر المنعنع فى ذلك الصباح الجميل التى بدت له فيه كالمها ، لا بل كالاطفال فى برائتهم وطهرهم . انها تبتسم له كلما رآها ، فهذا هو طبعها عندما تشاهده وهذا سر محبته لها . وكذلك هو فى الليل تمر به ذكرى ) منى ( ولكنها بعيدة عنه كل البعد
فاجتماعه السابق بها كان كالاحلام فمن اين له ان ينسى ذكرياته الحلوة وهى تقول له عند الوداع :
ان تناسيت انثى لست انسى
انت حبى وقصتى يا سامي
ومن كل هذا وذاك يظهر ان شاعرنا قد مل الحسان وجمالهن المكشوف بعد ما لاقى منهن من شقاء وعنت ، وآلمته كثيرا الوجوه السافرة من الحسان فهو فى قصيدته : ) غاية الحسن ( قد كفر بالجمال أمام اغراء احدى الحسان له ، بأن جمالها المكشوف خير من الجمال المستور تحت البراقع ، أو قل انه قد تنسك . فاحب الملبس الضافي ، والوجه المستور ، ورأى ان الحسن كل الحسن فى الشرف والعفة ، وفي القلب النقى الطاهر . . لا كما تدعى حسناؤه المتبرجة فهل تعقل دعواها ؟ ربما !
قالت الحسناء لي يا شاعر
هل ترى حسنى ووجهى سافر
ان حسنى لوحة خالدة
صباغها مبدع خلق ماهر
صاغ لى خدين من لؤلؤة
فيهما ورد كثير نافر
الى ان يقول :
قلت يا حسناء لا سترسلى
فأنا بالحسن هذا كافر
غاية الحسن انا اعرفها
شرف عف وقلب طاهر
وبهذا القدر نكتفى ليجمعنا لقاء آخر مع شاعرنا فى " باقات " شاعريته العطرة ان شاء الله .
المهد (

