ان أزمة الشباب الحاضرة لا تخفى على كل ذى لب فطن . وهى أزمة ان لم توجد لها الحلول الناجعة فانها ستهدد الوجود الوطنى عاجلا أو آجلا .
ذلك أن هذا الجيل يحس احساسا عميقا بشخصيته الذاتية ، وهو لا يتسامح مع التهاون الذى قد يحدث فى السلوك والممارسة على المستوى الاقتصادى والسياسى .
- أسباب الأزمة : اقتصادية واجتماعية وسياسية
1) الاسباب الاقتصادية : تظهر فى احساس الاجيال المعاصرة بالتفاوت الاقتصادى بين الفئات المحرومة من عمال وحرفيين وفلاحين صغار وبين فئات بيروقراطية وأرستقراطية وسماسرة وطفيليين أثروا على حساب الطبقات الفقيرة الكادحة باحتيالهم وسلوكهم طريقة ( الغاية تبرر الوسيلة ) ، فبنوا بذلك القصور وجمعوا الارصدة فى المصارف الداخلية والخارجية باستغلال الفرص ، وقبول الرشاوى من الشركات المتعددة الجنسيات وذلك مقابل اعطائها تسهيلات لتصدير صناعاتها الينا أو تصريف بعض شؤونها فى بلادنا . والغريب أن بعض هؤلاء يسلكون هذا السلوك فى الحرص على اللم والتوفير وجمع المال بكل حول وقوة فى الوقت الذى يقوم فيه بعضهم على شؤون الناس ويحتلون مواقع هامة وينادون بالمساواة والعدالة الاجتماعية ويحرضون على
كل هذا يحدث على مرأى ومسمع من هذا الجيل الواعى بقضاياه اسعاد الناس . حتى النخاع فتنمو فيه بذرة التمرد على الواقع . . وقد يؤول هذا الشعور - أحيانا - الى تيار كاسح من النقمة العارمة عند البعض من الشباب ، بحيث تدفع بهم الى النزوع منزع التحطيم والتدمير .
وهذا لا شك خطير جدا ، ولكنه لا يختص به الشباب التونسى وحده ، وانما هو نزعة عامة عند الشباب فى معظم أقطار العالم ناتجة عن وعى حضارى شامل بالوضع البشرى يعتمل فى وجدان الأجيال المعاصرة . ولذلك فان نزعة
النقمة هذه اذا وجدت اليد المساعدة ، والقيادة الرشيدة ، والسياسة العادلة ، والرؤية المستقبلية الواضحة ، والأرضية الممهدة ، والحرية الكافية المساعدة على تفتح كل الزهرات ، فانها سرعان ما تتحول إلى نزعة خير ، لأن هذه النقمة فى أعماق الشباب هى تعبير عن عدم شعورهم بالمساواة ، واحساسهم بمناقضة القول السياسى - أحيانا - للفعل والممارسة .
2) الاسباب الاجتماعية : وتتمثل فى نقطتين أساسيتين : ضعف سلطة الاسرة وتردى وسائل التربية .
أ- ضعف سلطة الاسرة : أدى ضعف السلطة الاسرية إلى تسيب الابناء ، ومسؤولية ذلك تحمل - فى مرحلة الطفولة خاصة - على عاتق الآباء الذين ينشغل بعضهم بانفسهم وشهواتهم ، دون النظر الى أبنائهم . فمن الآباء من يخرج فى الصباح ولا يعود الى بيته الا فى الليل ، لأنه بعد العمل - ان كان من العاملين - يقضى فراغه مع الاصحاب فى المقهى أو فى الحانة أو فى لعب الورق أو فى القمار أو غيرها . .
والام عندما يثقل عليها الحمل - ان كانت صالحة - تحاول أن تقاوم ولكن فى الغالب ينفلت منها الابناء - اذا تعددوا - فيتخلقون بأخلاق الشارع . ومن الامهات من يفعلن ما يفعله الآباء فيلقين الحبل على الغارب ، وينطلقن ليحيين حياتهن ، دون النظر الى مصير الاولاد . والابناء فى مرحلة الطفولة والمراهقة يحتاجون الى عطف ورعاية من أبويهم حتى تستقيم نفوسهم وتخلو من العقد وتشب طبائعهم على الخير وحب الآخرين . فأزمة الأسرة من ناحية أخرى ناتجة عن ضعف الوازع الدينى فيها وهذا أدى الى ضعف الوازع الاخلاقى .
والرأى عندى أن هذا الوازع يمكن أن يترسخ من جديد إذا عمل المسؤولون فى بلادنا على اعادة المدارس القرآنية وتشجيعها من جديد لتعليم الاطفال القرآن فى مرحلة ما قبل الابتدائى ، وذلك حفظا لهم من أخطار الشارع وأوبائه من ناحية ، وترسيخا للأخلاق العربية الاسلامية فى نفوسهم منذ البداية ، ذلك لأن التربية الأصيلة هى التى تتكون فى الست سنوات الاولى من عمر الطفل ، لأن هذه السنوات هى التى تقرر مصيره فى بقية حياته ، وتقرر الكيفية التى ستكون عليها علاقاته الغيرية فى مستقبل أيامه .
وعندما أذكر باعادة المدارس القرآنية من جديد ، فانما أذكر كذلك بضرورة ايجاد دوافع مادية ومعنوية تعين على ابراز هذه المدارس وتعين على ايجاد ضوابط لها وقائمين عليها ، وتشجع من يحفظ القرآن من الكبار والصغار حتى يتلهى
الناس بمثل أعلى رفيع يبعدهم عن صغائر الامور ، يغرس فى نفوسهم التسامح والاخاء ، ويصفى قلوبهم من الحقد والضغينة ، ويطهر سراويلهم ونفوسهم من الادران . ولا يقولن لى قائل : إن المسابقات القرآنية التى تقوم من حين لآخر فى بعض أنحاء البلاد ، أو ما تقوم به ادارة الشعائر الدينية من بعض المبادرات كافية فى هذا المجال . والواقع ان هذا صورة مظهرية لا ترسخ أخلاق القرآن بين الشباب ، وانما الذى يرسخ الاخلاق هو ما ذكرت سابقا ، وبدون هذا الحل فأن الذى يتحدث عن الاخلاق فى زمن كهذا اتصفت فيه الاكثرية بالجشع والتمرد والتمسك بالاثرة والابتعاد عن الايثار ، فانما يكون كمن يصيح فى صحراء .
الحل السابق يمكن أن يرجع للأسرة اعتبارها ، ويركز الأخلاق العربية الاسلامية الاصيلة فى مجتمعنا ، فيحترم على أساس ذلك الصغار الكبار ، وتترابط اللحمة أكثر بين أفراد الاسرة الواحدة ، فينمو بذلك احساس الابوين بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم باعتبارهم رعاة لأبنائهم ، وكل راع مسؤول عن رعيته .
وهذه التربية الاسلامية الاصيلة - اذا قدر لها ان تعود - سوف يكون لها أثر ممتاز على الحياة الاقتصادية ، وذلك يكون بتنقيصها لجشع الناس ، وبذر القناعة فى نفوسهم ، وابعاد التكالب المادى المبالغ فيه ، مما أدى ببعضهم الى اهمال تربية أبنائهم ، والتضحية بهم فى سبيل التحصيل والوفرة .
ولا أنسى وأنا أتحدث عن اعادة المدارس القرآنية وترسيخ التربية الاسلامية الاصيلة ما سيبديه بعضهم من احترازات ، لأن ترسيخ التربية الاصيلة سيقوى من التيار الاسلامى ، وهذا فيه خطر عليهم وعلى مواقعهم . الواقع ان الذين يطعنون فى هذا الاسلوب من التربية أو يحترزون منه هم كالعور يرون الحقيقة من جهة واحدة ، لأنهم يتناسون ذلك التيار الاحمر الذى كان بروزه واضحا يوم ثلاثة جانفى I984 م ، والذى اذا تنامى أكثر سوف لا يبقى ولا يذر . ولكى نسد الباب دون هذا التيار المهدد للوجود الوطنى علينا أن نشجع التيار الاصيل فلئن نتخاصم مع أناس يأمروننا بالمعروف وينهوننا عن المنكر لهو أحسن بكثير من أن نتقاتل مع أناس يرون فى كل من يلبس كساء جديدا أو يركب سيارة جديدة " برجوازيا قذرا " لا يستحق الا القتل . انى أجيب هؤلاء المحترزين والمتخوفين والمنكمشين خوفا على مواقعهم بما أجاب به المعتمد بن عباد بعض ناصحيه : " لأن أرعى الجمال ليوسف بن تاشفين أحسن بكثير من أن أرعى الخنازير للاسبان " .
ب - تردى وسائل التربية : من أول أسباب هذا التردى التخلى عن العقوبات الرادعة للمذنبين من التلاميذ فى مدارسنا ومعاهدنا بالخصوص ، والاقتصار فى هذه العقوبات على الملاحظات والانذارات مما جعل التلاميذ يستهينون بمثل هذه الطرق ، ويستهينون بالاستاذ وبالادارة أحيانا ، وهو ما جعل مهمة التعليم عسيرة وستكون أعسر فى المستقبل اذا استمر أسلوب الردع على هذا النمط الرخو اللين طيب النية .
وأخشى ما نخشاه ألا نجد - فى المستقبل - اطارات تتجه للتعليم ، وذلك لما أصبح يحس به المعلم والاستاذ من شعور بالمعاناة المستمرة ، الشئ الذى نتج عنه مرضان خطيران شائعان بين المربين وهما : ارتفاع ضغط الدم ومرض السكر عافاكم الله ، وهما نتيجة مباشرة للارهاق الدائم والانفعالات المستمرة .
فالرأى عندى أن أسلوب العقوبة الوحيد الرادع هو المتمثل فى الرجوع الى العقوبة البدنية ، وذلك كأن يقرر الاستاذ عقاب التلميذ (أ) أو (ب) بعشر ضربات على رجليه أو بعشرين حسب ما يقترفه من جرم ويكون ذلك " بالفلقة " (I) على أن لا يقوم بتنفيذ العقوبة الاستاذ بالقسم ، وانما يقوم بالتنفيذ قيمون باشراف مدير المعهد أو المدرسة . ولا بد كذلك أن يكون لهذا العقاب من ضوابط يحددها المعنيون بالأمر .
الحل الاول . وما أظنه الا نافعا ناجعا ! إن الأسلوب الأول فى عقوبة التلاميذ بالمدارس والمعاهد هو أسلوب أصيل رسخ فى تقاليدنا التربوية منذ القديم ، وطبق فى الكتاتيب والمدارس النظامية والجوامع ، وعلينا اذا أردنا النجاح فى مسيرتنا التربوية أن نرجعه ثانيا بدون أن نشعر بالحرج ، لأنه يمثل جزءا من أصالتنا التربوية من ناحية ، ومن ناحية أخرى نجد أنجلترا فى الوقت الحاضر تطبقه فى معاهدها ، وهى ما هى عليه من الحضارة . . ولعلها أخذته منا .
وقد خصصت المعاهد الانجليزية يوما فى الاسبوع تعاقب فيه المذنبين من التلاميذ عقابا بدنيا " بالفلقة " علنا وفى ساحة عامة أمام زملائهم . وقد انتقد البعض هذا الاسلوب المتبع عند البريطانيين فى التربية ، فأجابوا بأنه يمثل جزءا من شخصيتهم وأصالتهم ولذلك فهم متمسكون به ولا يحيدون عنه .
ان التخلى عن الاسلوب الرادع فى العقوبة البدنية فى معاهدنا الثانوية بالخصوص أوجد تسيبا خطيرا لا يبشر بخير ، ولا يجعلنا نتفاءل بمستقبل التربية والتعليم فى بلادنا . أما العقوبات التى أراها ضرورية فى الجامعة هى العقوبات المدنية ، كأن يعاقب الطالب بالسجن اذا أدين بجرم ما . لأن الطالب فى الجامعة أصبح راشدا وهو بذلك مسؤول عما يفعل .
3) أسباب سياسية : ان ما يحدث من عنف وتسيب فى الجامعة انما هو افراز للتسيب والعنف فى المرحلتين الابتدائية والثانوية بالخصوص .
أضف الى ذلك كثرة التجارب التربوية التى طبقت فى بلادنا من عهد الاستقلال الى اليوم والتى خلقت أجيالا من الشباب متنافرة أحيانا فى السلوك والمنطلق والهدف .
وقد زاد فى سوء الاحوال بالجامعة خاصة ما قامت به بعض الاوساط السياسية فى أوائل السبعينات من تشجيع التيار الاسلامى بالجامعة ليكون العصا الغليظة التى بها يضرب التيار اليسارى المتنامي بين الطلبة والذى كان نتيجة من نتائج التجربة الاشتراكية فى مرحلة الستينات . ولكن هذه الاوساط السياسية نفسها عملت - فيما بعد - على تشجيع التيار اليسارى وتحديد أنيابه عندما رأت أن التيار الاسلامى قد قوى فى الجامعات ، والذى كان نتيجة من نتائج فشل جميع الاطروحات على الساحة العربية . فماذا كانت النتيجة ؟ كانت المواجهة كثيرا ما تحدث بين التيارين فى حرم الجامعة ، وذلك بعد أن تندس بعض العناصر المشبوهة بين صفوف التيارين لتشعل الشرارة الاولى بينهما حتى يتوفر المبرر للقبض على بعض العناصر من هؤلاء أو أولئك .
وقد خلقت المواجهات العنيفة بين الطلبة واقعا متشرذما فى الجامعة والمجتمع على السواء ، لما للجامعة من تأثير على الحياة العامة سلبا أو ايجابا ، وقد أدى ذلك كله الى ايجاد فئوية مذهبية لا تسامح - فى الفكر - بينها ، ولا اطمئنان الى المستقبل المشترك الذى ترجوه
وبهذه البلبلة ربحت السياسة وخسر العلم ، لأن العلم كالعبادة يتطلب التصوف والانقطاع ويتطلب خلو الذهن من كل المشاكل ماعدا مشكلة البحث ، وهو يتطلب التركيز ، والتركيز لا يكون الا بالمشاعر الهادئة ، وأنى يكون هذا اذا أدخلت السياسة أنفها ؟
- حلول للأزمة الراهنة : الحلول التى أراها تتمثل فى النقاط التالية :
1- ضرورة أن يعطى المسؤول - مهما كان موقعه - المثل الأعلى للشباب ، وذلك فى نظافة اليد والالتزام بالقول والفعل . 2 - العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية بكل حول وقوة ، لأنه بالعدالة تهدأ الخواطر ، وتستقيم الاحوال والاخلاق وينعدم العنف .
3- ايجاد سلطة قوية داخل الاسرة ، تستطيع بها أن تكون المدرسة الاولى للأبناء ، وذلك لا يكون الا بتقوية الوازع الدينى فيها . 4 - ابعاد الجامعة عن التسييس حتى يتوفر المناخ الكافى للبحث والاستنباط
5 - توفير مواطن الشغل القارة للخريجين من الشعب المهنية ، وللعاطلين من الشاب والمنقطعين عن التعليم فى كافة مراحلة ، وذلك يكون مثلا بتمكينهم من قطع أرض من أراضى الدولة ومن جرارات يعملون بها فى هذه الارض ، فتسد بهذا ثغرة البطالة - التى هى سبيل للشغب والعنف - ويستفيد الوطن من طاقات هؤلاء الشبان وامكانياتهم .

