من المآخذ التى يوجهها فى هذه الأيام عدد كبير من رجال التعليم وقادة الأحزاب السياسية والطلبة والمفكرون ، للمشروع الجديد الذي قدمه وزير التربية الفرنسية قصد اصلاح النظام التربوى المكبل براسخ التقاليد والعادات ، والذي عجز وزراء كثيرون من قبله على تغيير ما به وتخليصه مما يشكوه من سلبيات تعوقه عن مسايرة مقتضيات العصر الحاضر ، عزمه على تجريد مادة الفلسفة مما لم تزل تتمتع به منذ زمن بعيد من كبير الحظوة بالنسبة لكافة المواد التعليمية الأخرى ، إذ هي تستأثر بالسنة السابعة والأخيرة للتعليم الثانوى ويكاد يتوقف نجاح التلامذة المنتمين لشعبة الآداب فى امتحان الباكالوريا على تفوقهم فيها .
فالسيد " هابي " يدعو إلى التنقيص من عدد ساعات الفلسفة ويريد أن يجعل منها مادة آختيارية كاللغات الحية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاقتصاد ، مما سيؤول - حسب رأى المناوئين لمشروع الاصلاح - إلى تقلصها ثم زوالها ، إذ لن يقبل عليها - في نظرهم - سوى التلامذة الذين ينوون التخصص فيها أثناء دراساتهم العالية ثم احتراف تدريسها ، ولن يكون عددهم كبيرا نظرا إلى أن جل الشبان يختارون من المواد أقربها للحياة العملية وأضمنها للفوز بالشغل المناسب وأقدرها على تحقيق بلوغ المنزلة الاجتماعية المرموقة ، فى هذا العصر الذي أصبح فيه معيار القدرة الذاتية والقيمة الاجتماعية إنما يقاس بالنجاح والنجاعة والنتائج المرقمة وحجم المكافآت المالية . . .
ونحن إذ نتعرض الى ما يشغل بالي المنتمين الى دنيا التعليم والمشتغلين بالسياسة التربوية في فرنسا ، فليس ذلك منا تدخلا في شؤون الغير إذ أهل مكة أدرى بشعابها وأقدر فى هذا الصدد على ملاءمة نظامها التربوى مع مقتضيات العصر ، ولا بحثا عن " العصمة " الثقافية على نحو ما يفعل بعض يتامي الثقافة في العالم الثالث عندما يلتمسون الحقيقة من البلاد التى استقلوا عنها سياسيا أو بالأحرى استقلت بلادهم عنها - ولكنهم ظلوا هم موالين لها روحيا ومرتبطين بها ثقافيا ، فتراهم يسارعون الى تبني كل اصلاح أو تحوير جديد في الدول التى استعمرتهم لأنهم فى الواقع ضحايا الدول الاستعمارية التى شوهت شخصيتهم وكادت أن تمسخهم مسخا . . . وجردتهم من هذا الحد الأدنى من الثقة فى النفس والإيمان بالذات الذي من دونه لا يقدم المربى أو المثقف على أى عمل ثقافى ثورى بحق ولا يستسيغ من النظريات والمذاهب إلا ما نودى به واستقر عليه الرأى فى تلك الدول ، حتى إذا ما عزف عنه القوم واعترفوا بتهافته او تفاهته ، أسقط في أيديهم وظلوا هائمين على وجوههم الى أن يأتيهم الوحى من الخارج وتجود عليهم قرائح الغير بالنظرية
البديل فيحمدون الله الذي خلقهم في أرض . . . الانفتاح وجنبهم مغبة الوطنية الضيقة وعار التعصب للفكر القومى ٠٠٠
إنما يهمنا بمناسبة ما يثار من جدل حول الفلسفة فى هذه الأيام وقبل أن يسارع بعض " المنفتحين " من أهل الاختصاص عندنا بالدعوة إلى جعل هذه المادة اختيارية - أسوة بغيرنا ! - والتنقيص من عدد ساعات تدريسها ، أن نؤكد على ضرورة الفلسفة بمعناها السليم وبعيد أثرها فى تكوين الشباب ورياضتهم على التفكير النير المستقيم والنقد الرصين البصير ، واستعدادهم للتمييز بين الخير والشر وسعيهم إلى الظفر بسلم قيم وجملة مبادئ يهتدون بهديها فى الحياة الدنيا ويحلو لهم العيش بعضهم مع بعض على أساسها .
إن الفلسفة ليست - كما كان يظن مؤسسوها اليونانيون - منذ خمسة وعشرين قرنا - علم الموجود بما هو موجود ، أى معرفة الجوهر الذي لا يستخلص من المحسوسات ، ولا البحث عن الثابت وراء المتغير واستشفاف الوحدة من خلال الكثرة ، وليست - كما ذهب الى ذلك فلاسفة القرون الوسطى - النظر فى الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع ، ولا هى نسق شامل للعالم كله معتبرا فى ثنايا صورة ذهنية كما لم يزل يؤكده بعضهم حتى مطلع القرن العشرين .
إن الفلسفة - خلافا لما يدعيه اليوم أسرى المذاهب الجاهزة ! - موقف في الحياة وحرية وجرأة على التفكير فى كل المواضيع وإعادة النظر فى كل " الحقائق " ونقد جميع النظريات والمذاهب ، وهي استعداد متواصل للحوار وميل إلى الانضباط والدقة وتعلق باستقلال الرأي وقدرة على الازدراء بكل من يقدر نفسه فوق قدرها ، ويدعي انه يملك الحقيقة التى لا حقيقة بعدها .
وإذا ما آتصف استاذ الفلسفة بالموضوعية ونحا منحى سقراط في الأخذ بيد التلامذة فأعانهم على النظر السديد والتحليل الصائب ونبههم إلى مواطن الزلل والتناقض والتعصب واليقين الساذج . . . فانه يعينهم على تكوين شخصيتهم ويعدهم الى اقتحام الحياة والتلاؤم مع البيئة والقدرة على التأثير فيها .
ولئن حل اليقين اليوم بأنه لا يوحد يقين سابق وحقيقة جاهزة ، وإنما هو البحث الدائم والاستقصاء المتواصل لخصائص الواقع المادي والبشرى المتغير ، فان تعليم الفلسفة كفيل باعداد الشباب إلى التحمس لرسالة مقدسة فى الوجود يعتنقونها بعد تجربة ذاتية وممارسة للحياة شخصية ، وإرهاف ضميرهم بحيث يستعذبون البذل من أجل الغير والتضحية فى سبيل المبدإ.
تلك غاية الفلسفة ولكنها غاية أخذت من سوء الحظ تتوارى اليوم فى بعض الجامعات وأوساط المدرسين المتمذهبين لأن الكثير من الأساتذة أصبحوا دعاة لنظريات آمنوا بها إيمانا أعمى ، ومبشرين بافكار يحسبونها تقدمية وتحررية ولكنهم فى الواقع سجناء سجانون فى آن واحد كالغريق يستنجد بقايا طاقاته لاغراق من حوله .
إن هؤلاء المربين لم تحرى تونس من مريدين لهم والحمد لله يعتنقون مذهبا ويتعصبون له ويؤوالون كل ما يكتب وينشر أو يعيدون قراءة أمهات المراجع كما يقولون ، ليقيموا الدليل على أن المفتاح الذي يفتح كل أبواب
المعرفة موجود فى الماركسية أو الهيكلية أو الألسنية أو علم النفس التحليلى ، وان ما عدا ذلك رجعية و" مثالية " بورجوازية وضباب إيديولوجى ! ( 1 )
وهكذا يقع الثلاثة الأبرياء في قبضة هؤلاء الارهابين المذهبيين ، فيتجمد تفكير التلامذة والطلبة ، عوض أن ينشط ، ويخمد تطلعهم الى المعرفة عوض ان يستيقظ ، ويحيون في عالم اصطناعي مانوى ، ويصيبهم داء العجز عن فهم الواقع الحي المتغير المحيط بهم ، والاستعداد النفسي للتأثير عليه .
وهذا معناه أن تدريس الفلسفة سلاح ذو حدين فاذا سمع صوت المفكرين الأحرار وفرض الأساتذة الشرفاء أنفسهم استطاعت الفلسفة أن تؤدى وظيفتها السامية في اعداد الشباب إلى الحياة ، أما إذا طغى التعصب وعم التمذهب الأعمى واقتنعت الأجيال الصاعدة بأنه لا شئ اصح مما نادى به الشيخ ماركس أو العبقرى فرود أو النابغة ماركوس . . . فان العبودية للكلام ستدمغ كل محاولة لتحرير الشبان الذين سيضطرون فى اخر المطاف إلى أن يمشوا مشية القهقرى أو إلى أن يفلتوا من واقعهم المر بالركون إلى العنف أو الاستهتار أو الشك وترديد قول الشاعر :
لا حق الا أنه لا حق في الدنيا يرام !
لذلك يعلل بعض الملاحظين إقدام الحكومة الفرنسية على التنقيص من شأن الفلسفة فى برامج التعليم بحرصها على صيانة الناشئة من مفعول نفر من الأساتذة اتخذوا المدرسة منطلقا للتبشير بما آمنوا به من مذاهب والدعوة إلى ما تبنوه من آراء .
أما نحن فلا نزال نؤمن برسالة الفلسفة وبعيد آثرها فى خلق أجيال حرة فى تفكيرها مستقلة بآرائها متهيئة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها فى المجتمع. ولكن ذلك لن يتم الا إذا عزمنا وقدرنا على اتخاذ الاجراءات الكفيلة بصيانتها من بعض السدنة والقساوسة وتجار الأوهام الذين لا يترددون - بدعوى حصانة الجامعة وحرمة الدرس والمدرس وفي ظل الحرية التى وفرها لهم هذا النظام الذي يصفونه رغم ذلك بالجور والسيطرة . . . - فى الاعتداء بالفاحشة الإيديولوجية على أبنائنا وبناة مستقبلنا ويفرضون عليهم محتوى عقائديا يطبعهم بطابع الانتساب الآلى والتصديق الساذج ويملأ قلوبهم حقدا على كل الآراء المغايرة ويجعل منهم في آخر المطاف ضحايا على أهبة للسير وراء كل مغامر متقنع بقناع ايديولوجى مستورد ظاهره التحرر والتقدم والتقدمية وباطنه النيل من أعز مقومات هذا الوطن والقضاء على شخصيته والوقوع به فى استعمار جديد أين منه الاستعمار الذي قاومناه وانتصرنا عليه ؟
فهل ندرك أبعاد هذه القضية ونتفق على خطة للرجوع بدروس الفلسفة إلى ما جعلت له ؟

