الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

أزمة المثقفين العرب

Share

ان الحديث عن وضعية المثقف التونسى لا يخلو من ملابسات تجعل تعريفه تعريفا اجتماعيا يعسر الى حد الاستحالة . اذ التعريف في هذه الحال لا يقف عند ذات المثقف بل يتجاوزها - حتما - ليمس أعراضها كظاهرة من ظواهر المجتمع المتكامل . ليقيس ويقيم شدة الروابط التى تشدها الى المجتمع كنسيج متشابك معقد . ليلمس اخيرا مدى تأثيرها فى الهيكل الاجتماعى وتأثرها به . فالثقافة - والمثقف لا يمكن تجريد مفهومهما . بل التجريد نفسه - ولو فى الرسم - يرفض معنى السلبية الاجتماعية . لان الرسام - وهذا لا يقطع الحوار مع الجمهور . فهو شاعر دوما ولو ساعة الخلق والغيبوبة انه يرسم للناس ، وان خلقه الحق لن يتم الا بهم . كذا الشأن الادب : فليس الكاتب كاتبا الا بالنسبة للغير وفي نظر الغير .

يعسر تعريف المثقف التونسى لضآلة أثره وتأثيره . فهو انفصالى حتى الان ، يفضل الا ينتمى . ولكنه لا يميل الى ذلك . لماذا يفضل ذاك دون ميل اليه . ذاك صلب القضية ، ولكم نتمنى ان تعرج دراساتنا الاجتماعية النفسية على تحليل وضعية الكاتب او وضعه فى بلادنا ، ولعلها بذلك تكتشف عقدة هى ابعد مما رمى اليه احد اساتذة علم الاجتماع بعد اقامة فى تونس ، عند ما ارتأى ان القضية قضية خبز . فالكاتب - أينما كان - ظاهرة اجتماعية " كلية " تتحكم فيها عوامل متعددة اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية وتاريخية الى غير ذلك من العوامل التى تمسه من قريب او بعيد .

وأول ما يمكن الجزم به اعتمادا على ما ذهبنا اليه ان وجود المثقفين فى بلادنا لم ينتج عنه بصورة واضحة جو ثقافى تسوده روح ثقافية جماعية او " ضمير " بالمعنى الاجتماعى . فى حين نجد روحا عملية تجعل العامل يحس احساسا شديدا بانتمائه الى صنف معين . يتفاعل معه ويتحمس له ويدافع عنه تلقائيا ليحمى ذاته المنصهرة فيه بدافع حياتى . وهو بذلك يثبت الجدلية الاجتماعية التى لم تعد محل نقاش . على ان هذه الجدلية يجب ان يخضعها المثقفون عامة - والكتاب خاصة - لاسلوب الحوار الجماعى الذي يتجاوز ابعاد " النخبة المثقفة " الضيقة . اذ " النخبة " مفهوم محدود الزمان يطابق فترة معينة تمر بها المجتمعات حين تبدو الصراعات فيها غير قابلة للاخمار .

بقى ان نتساءل اليوم - وقد بدأ الموقف العربى يتغير تغييرا واضحا - :

ماذا يترقب المثقفون ليجابهوا المركبات التاريخية ويقتحموا الحياة النابضة الحق . ليشدوا الصلة بينهم وبين المجموعة ليتحاوروا معها . ليروا افكارهم حية . تمشى على الارض . فتلك ساعة الخلق : ان تصبح الفكرة عملا . قوة حافزة محركة ؟

ماذا يترقب المثقفون ، وهم يدركون ان هوة لا تزال تباعد بينهم وبين أثرى موضوع واصدق مرجع ؟ أليست هذه الهوة مأتى غربتهم وقلقهم ؟ ثم أليست الهزيمة ان يجد الممثل نفسه وحيدا على الركح وقد ولى المتفرجون ؟ ولكن ألا يعنى ذلك ايضا ان الطرفين لم يتفقا على الموضوع وان لا اتفاق الا بالتفاوض ، بالحوار وبالمعايشة ؟

على ان الذين يرفضون التفاوض لا يمكن البت فى شرح نفسياتهم . ولكن أغرب أرائهم ان يكون مجتمعهم غير أهل لافكارهم وكأنهم " خلقوا لزمن غير زمنهم " . وكل ما فى الامر انهم لا يقدرون على التلاؤم لاسباب موضوعة فتستروا بالصمت . والصمت - كما نعلم طريقة مغرية . قناع مفضل .

الصمت قناع المثقف يحمى به ليطمئن على شخصه او على شخصيته وهو بذلك يتحاشى ان يبدو لنا على حقيقته مشروح الصدر ، منحل العقدة واضح العقيدة . فاذا هو ممثل يقبل طوعا أن يقوم بأدوار الاخرين . وليس لمجتمعه اذ ذاك الا ان يعرض عليه أقنعة تختلف شكلا وتعبيرا ، وجلها بقايا " تاريخ عبء " أو من صنع مجتمعات ليست لها نفس المعطيات . يشعر الصامت بالاطمئنان لانه يخطىء - قطعا - فى تقييم التطور الحديث ويرى مجتمعه فى قرار ثابت لا يختلف نضجا عما كان عليه قبلا . وبالتالي فهو يطالب بان يحترم صمته وان لا يرى فيه ضرب من العجز . بل ضرورة دعت اليها عدة ملابسات غامضة فى ذهنه غموضها فى ذهن الاخرين .

على ان دور المثقفين - وخاصة الكتاب منهم - يكاد يكون واحدا فى العالم العربى . فأغلب الكتاب العرب لم تواز مسيرتهم مسيرة البلدان العربية وما كان يرجى منهم أبعد بكثير مما حققوه وليس تجنيا او تحاملا ما ذهب اليه الاستاذ المغربي " عبد الله العروى " فى كتابه الجرىء " الايديولوجيا العربية الحديثة " حين ارتأى ان لا موقف للكاتب العربي لانه فى عزلته يسمع حوارا مجردا من الخارج . وذاك ما يجعله يعمد في شىء من فتور الى عربية كلاسيكية او الى لغة أجنبية . اذ هو لا يخاطب الا نفسه او " اخوانه " المثقفين

    الا يحق لنا - والحال هذه - ان نشير الى " بورجوازية فكرية " تجعل من المثقفين - ومن الكتاب خاصة - اقرب الناس الى " الرجعية " فى فترة حاسمة لا يحتاج فيها العالم العربى الى مراجعة تاريخه فحسب بل الى نفيه ليكتب من جديد ؟

الا يجدر بالادباء ان يقلقهم مصير ادبهم وقد جردوه من وظيفته الاجتماعية ؟ فجل قصصهم وأشعارهم لا يسأل ولا يجيب ولا يدعو الى تغيير فهو فى منتهى السلبية حائر بين أسطورتين : الحنين والغرب . لذاك فمشهد المأساة قاس مؤلم . لان للزمن مفهوما جديدا هو أبرز مفاهيم هذا العصر فقد اصبح للزمن بعد واحد هو المستقبل وهو ما غاب عن جل الكتاب العرب وعن " أهل الكهف " ايضا . لقد غاب عنهم ان العالم العربى لا يزال مشروعا كما ثبت أخيرا . وان أوكد أدوارهم ادارة الوجوه الى المستقبل والهاب النفوس بقول كالسياط والصواعق لتهتز اهتزازا وتمضى قدما تدوس " الخبز والحشيش والقمر " !

لقد غاب عنهم - وتلك مأساتهم - أنهم ان لم يقووا اليوم على تمزيق الاقنعة ، ولم يشاركوا فى حركات شعوبهم نحو المصير الافضل فسوف يكتشفون قريبا ان " بقاء الاصلح ! و " تلاءم او زل " من واقع الادب والفن وان سرعة التطور فى هذه الفترة بالذات ستجعل منهم ضحايا تجاوزتهم الاحداث فماتوا قبل اجالهم . ولن يعرف أهل الفكر حظا أنكد من هذا الحظ ولا مصيرا اكثر مرارة من هذا المصير

اشترك في نشرتنا البريدية