مقالات خاصة بمجلة (( المنهل )) بجدة
الأسلوب وعناصره يقول النقاد الغربيون : (( الأسلوب هو الرجل )) .
ويقصدون بذلك أن لكل كاتب أو شاعر أو خطيب أو قاص ، أسلوبا خاصا به يكون على أدبه كالطابع المميز له من سائر الاساليب. ولا بد للصورة اللفظية - التى هى أول ما يصنع الاديب من الكلام - من أن تحيا في عالم المعنى ، لأن اللفظ وحده لا يحيا بصورة مستقلة وانما تحف به صورة معنوية تبرزه في الذهن . والتأليف بين اللفظ والمعنى هو من عمل الاسلوب .
ولهذا كانت الاساليب قد تختلف لأن قيام الصورة في الاذهان لابسة فيها الالفاظ أردية المعانى قد تختلف أيضا حسب التصور العنوي وقدرة الاديب على استعمال الالفاظ وتأليف التعابير .
فطريقة الكتابة وايراد الصور المعنوية باللفظ والجمل هو الاسلوب .
فأسلوب أبى تمام في صناعة الالفاظ وتهاويل المعانى أسلوب مفرد قلده فيه البحترى ، ولكن أسلوب أبى تمام بقى معروفا بطوابعه الفنية واللفظية ، وظل أسلوب البحترى مميزا بتزويقه اللفظي ووشيه وبمعانيه المستملحة التى جاور بها
أستاذه أبا تمام . وأسلوب المتنبى فى رثاء جدته غير أسلوب شوقى فى رثاء أمه ، وان قلد شوقى ، أبا الطيب المتنبى ، في قصيدته بالوزن والقافية الميمية . لأن مباسم المتنبى في أسلوبه معروفة لدارسيه وكذلك مباسم شوقى فى أسلوبه .
وعلى طالب الادب وفن الكتابة والشعر أن يتمرس بأساليب الصفوة المختارة من كتاب العرب في القديم والحديث ليجري قلمه ولسانه على غرارهم ، ولا بد له من قوة الادراك ويقظة الشعور وسلامة الذوق والمران الدائب وحفظ الكثير مما قال العرب المطبوعون ، ولا بد له من أمور أساسية لكي يكون ذا تعبير قويم أولها أن يكون اداؤه دقيقا وذلك بأن يحمل الالفاظ مقدار المعانى وألا يحيد عن قواعد النحو والبيان وأن يقصد الى السهولة دون الوعورة في التعبير .
والثانى أن يكون رهيف الحس عارفا بروح الكلمات وجدواها فينزل الكلام منازله من القوالب السليمة في لغة العرب ، ومتى تمكن من الاداء هان عليه الابداع في ايراد التعبير وفق فنه الخاص وأسلوبه الذى يملكه دون اخلال بطرق الاداء الموروثة التى هى عنصر لغتنا العربية ولحمها ودمها .
والثالث الملاءمة بين الصورة الصوتية للكلمات ومعانيها ، وههنا تجد الموسيقى اللفظية سبيلها الى التعبير الفنى ، فالسينات في قول البحترى بمطلع قصيدته في وصف ايوان كسرى :
صنت نفسى عما يدنس نفسى
وترفعت عن جدى كل جبس
رنات موسيقية مع ألحان لفظية مؤتلفة .
( عناصر الأسلوب ) تعمل في الاسلوب عناصر هى أركانه التى يقوم عليها بناؤه ونلخصها بعاملين أساسيين :
١ - الافكار وهى روح الالفاظ التى تدب فيها ، فبعد ان تكون الالفاظ منطرحة جامدة تدخل الافكار في أجسامها فتعطيها منحة الحياة وتتجول فيها حية خفاقة بالصور .
٢ - العبارات وهى الألفاظ وقوالب الجمل التى تنزل فيها المعانى فتؤلف بينها فتكون العبارة ، ولا بد من تصور المعنى لتصور اللفظ ، وكان اللفظ والمعنى معيار الروح الفنى في أدبنا العربى منذ كان اللفظ تابعا للمعنى وماشيا في طوعه فثمة يتألق الفن الادبى ، ويكون النقيض حين يسير اللفظ وخلفه المعنى كما يفعل النظامون للشعر وكما صنع كتاب المقامات والرسائل المسجوعة ، فان هؤلاء يتصورون اللفظ ثم يلزمونه المعنى .
ويرفد الأسلوب عاملان اضافيان هما :
١ - العاطفة : وهى تتعلق بالروح الصادقة أو الكاذبة في النص ، والأسلوب الذى يخلو من العاطفة الفنية يكون أسلوبا جافا كالارض اليابسة لا نبات فيها ولا ماء اذ لا بد للكاتب من أن يكون ذا عاطفة فنية تحنو على آثاره لتعطيها الندى والجمال .
٢ - الخيال : وهو استحضار الصور الغائبة بلمحات من الفن تغني الاسلوب فان الخيال يضفى على الاسلوب حياة الجمال كله حاضره وماضيه وآتيه ولولا هذا العنصر لما حلا الشعر ولا راقت القصة . والخيال أسطورة مجنحة ماثلة على الدوام في الهام الموهوبين من الشعراء والكتاب ، وبوساطتها
تحيا آثارهم وتعرف نضارتها على ان جنوح الخيال أمر لا يجوز ان يحكم الادب وانما ينبغي أن يجمله ويحسن اليه فحسب .
ولا بد في الاسلوب من الترتيب المنطقي والتسلسل في العرض والاداء ، وهذا الترتيب من عناصر الاساليب الادبية والعلمية على السواء وان كان ميزانا من موازين النقد .
( نقد الآثار الأدبية ) كان عبد القاهر الجرجانى مؤسس علم البيان ، قلما يلم دارس بكتابيه (( دلائل الاعجاز )) و (( أسرار البلاغة )) ، حتى يشهد بأنه هو الذى أقام النقد الادبى على أسس علمية وجعل له نظريات وقواعد وعنى به عناية جعلته فنا من أدق الفنون التى يعرف بها الابداع والجمال .
ويكاد النقد يكون علما لأن له قواعد ثابتة يجرى بها القياس وتفهم بوساطتها قيم الاعمال الادبية ، وهو الى ذلك فن من الفنون الجمالية لأنه يقصد الى بيان الملائح ويدل على الشوائب في الادب مستعينا بالذوق والشعور وهما عنصران كانا ميزانا شخصيا للآثار الفنية التى لا تخضع لميزان العقل وحده ، وانما تظل مترجمة فى أرجوحة الشعور والذوق .
فمن شأن النقد الادبى للنثر والشعر وموضوعات القصص والمسرحيات أن يقوم على صنع التقويم من النواحى الفنية وبيان القيم الموضوعية والنفسية للأثر الادبي وادراك الموازين التعبيرية والشعورية فيه . وبالنقد نتعرف مواضع الجدة فى الاعمال الادبية ، ومواطن القدم ، ونميز طوابع
الابتكار والاقتداء ومظاهر الابداع والتقليد، والاقتباس والتشويه ، وبالنقد نغوص الى أنفس الادباء والشعراء ونجول في حياة أهل الفنون لندرك أسباب الشعور وعوامل الاتجاه فى انتاجهم الادبى وعملهم الفنى والفكرى ،
ولا يستطيع النقد أن يؤدى لنا خدمة فنية أو علمية ما لم يسلك في طريقه ( منهجا ) الى الآثار التى يتناولها ، فالمنهج هو الميزان الذى يمسك به حكام الادب ، وهم النقاد ، ومتى كان لنقد منهج فقد سلم من العبث فلم يرتجف بأيدى العيارين ، ووضعت في كفتيه أعمال الادباء من كتاب وشعراء وقصاصين ومؤلفين مسرحيين فوزنت بالحق والقسطاس المستقيم ، وهذا المنهج هو السلوك الفنى للقواعد المرسومة والمتبعة التى وضعها الأئمة مثل : عبد القادر الجرجانى ، والقاضى الجرجانى ، صاحب الوساطة بين المتنبى وخصومه ، وابن رشيق صاحب العمدة في صناعة الشعر ونقده ، وأبى هلال العسكري مؤلف كتاب الصناعيين في النثر والشعر ، وقدامة ابن جعفر الذى عاش نقادا للنثر والشعر فوضع لتبيان قيمتهما الفنية أسسا وقواعد أتم بها ما صنع السابقون من النقاد .
وصنع نقاد الغرب قواعد لآثارهم الادبية والفنية كانوا فيها مجمعين على سلامة اللفظ والمعنى .
ولا ينبغى أن نجمد عند المناهج النقدية فان الجمود عليها مظلمة للآثار الادبية ، وخير ما يفعل الناقد هو أن يجمع بين اتباع القواعد العلمية وابداع الفن ، ساعيا جهده ليكون حكمه مجردا من الهوى والغرض ، فان الأهواء طالما أفسدت قيم النقد . والانسان وان كان حبيسا في قفص نفسه
كما يقول (( أناتول فرانس )) ، فانه يعمل جاهدا حين ينقد ، أن يطلق الطير الحبيس من قفصه ، تبتسم اجواء الحرية . ومتى انطلق الناقد من سجن التأثر النفسى فأصبح كالطائر الحر ، أمكن أن يحكم الحكم المجرد ويرى الى الأثر المنقود بعين واعية وقلب سليم وعقل رشيد .
فالاعمال الادبية التي قام بها أدباؤنا المحدثون ، وبحثنا في النقد وتطبيقه يتناول أدب العصر الحديث - هى شعر الشعراء ونثر الكتاب وآثار الفن القصص في القصص والمسرحيات والرسائل ومواقف الخطابة والتحدث والمحاضرة وغير ذلك يعبر به الاديب عن مواجده وتأثره ويعرض بوساطته على الناس انماطا من تفكيره وشعوره .
فلكي ننظر في أنماط من التعبير صنعها كتاب وشعراء محدثون ومعاصرون ينبغي لنا أن نتفهم مواضع الأثر الفنى لديهم في الصنعة والاسلوب وفي المعانى والافكار ، وقد أثرت فيهم الثقافة التى نالها كل منهم ، والبيئة التى عاشوا فيها والأصول الدموية والعرقية التى قد تكون ذات أثر بعيد في تمييز آثار بعضهم عن بعض . وطالما عول النقاد الغربيون على العناصر الثلاثة المؤثرة فى الاديب وهى الثقافة والبيئة والدم .
وقد نشط النقد في عصرنا الحديث بما صنعه الدكتور طه حسين والاستاذ عباس محود العقاد والاستاذ ابراهيم المازنى وغيرهم ، وكان هؤلاء الثلاثة قد أخضعوا نقدهم الى المنهج النفسى الذى يصدر من الناقد تحت تأثره بالأثر الفنى .
وقد نقد طه حسين مسرحيات شوقى بأنها لا تصلح للتمثيل ، وانما هى تصلح للغناء
فحسب ولسنا معه في نظرته هذه فان هو موقف قيس . اذا أحسنا تمثله ، رأينا فيه ذاك الفتى المعمود الذى هذه الوجد بليلى ، لا يقول شعرا فحسب - وهو واقف على خشبة المسرح - وانما يصاعد بنا الخيال حتى نقف على الصحراء العربية نفسها حيث وقف قيس بناحية من جبل (( التوباد )) عند قبر ليلى وانسرحت أمامه السفوح التى تنام عند مهادها مضارب بنى عامر قبيلة ليلى العامرية ، وقد خلت تلك المضارب من الفتاة التى كانت تبعث الحياة حلوة ومرة فوق تلك الرمال الميثاء .
وعلى أجنحة ذلك الخيال الصاعد بنا ، نحس أن قيسا لا يقول شعرا ، وانما يفيض روحا منسوجة بكلام تنسكب منه الذكريات المريرة والصور الاخاذة من حياة مخلوقين جاءا الى الدنيا ليسعدا فشقيا بضروب من الآلام ثم فرق بينهما الردى .
وعلى أنغام هذا الشعر يلوح لنا قيس بعباءته وعقاله وكوفيته (١) تأخذه الرياح،على جبل التوباد ، وهو يندب الفتاة التى خلدها - شوقي - بشعره .
ويتناول النقد الفنى هذا الموقف فيرى ان شوقى لم يحد فيه عن قواعد الفن التي تطالب شاعرا هلكت محبوبته فوقف يرثيها
ويندب حظه وحظها ، انه ليعدد مراتع حبه ومرابع وجده وانه ليصور بأطياف الذكرى ذلك الهوى العنيف الذى كان مسرحه البيداء بوجه الشمس تحت السماء وفوق الربى الفيح ، وكانت تسعى ليلى في مهاده صغيرة قبل أن تشب وتعرف الحب .
واذا عرضنا هذه القطعة التمثيلية على النقد التعبيرى وجدنا :
١ - الشعر يصلح للغناء لأنه من بحر الرمل وهو ثلاثى التفاعل ذو وتيرة غنائية وجاءت القافية العينية المطلقة في نغمات الروي ، بحرف العين ، حيث يمتد اللحن مليا غير حبيس .
٢ - في البيت الاول يستغل شوقي الجناس بين الفعل والاسم ( حياك الحيا ) والجناس فى الشعر موسيقى لفظية تتلاءم مع الغناء .
٣ - تكاد تخفى مواضع الصناعة اللفظية في هذه القطعة فينساب الفكر مع التصور
والشعور غير متعثر بالمزاوجات المعنوية بين صدور الابيات واعجازها في : ناغينا ، ورضعنا وحدونا وبكرنا - وعشنا، ورعينا- وكانت ملعبا وكانت مرتعا - ..
٤ - حط شوقى قرارة القطعة على حكمة فكانت صدى الكلام الذى قبلها كلها :
٥ - بيرا شوقى في هذه القطعة من عثراته التى ترى في بعض شعره حين لا يصعد الشعر من النفس الهفهافة الصافية وانما تظهر عليه بعض الكلفة وتثقله الصنعة .
٦ - الصورة التى لونها شوقى في هذه القطعة صورة بدوية حقا من حياة سكان البيداء تموج بالشمس والرمل والغنم ، ولم تنقصها الا المضارب والخيام .
٧ - حوت هذه القطعة جمال التعبير ، وحسن الاداء ، واتساق المعنى والتصوير .
( دمشق )
