الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

أشياء باكية

Share

تذكرتك اليوم ، وتذكرتك أمس وتذكرتك أول أمس تذكرتك لان اليوم وأمس وأول أمس تذكرتك يا أبى لان العيد يذكرني بك ، يقربني اليك ، ، يجعلنا اصدقاء أنت رجل مثالى يا أبى عندما تكون صديقى فى العيد ، ، عندما تشاركني ابتسامتى ، وترد قبلتى ، ، وتقول : تعالى اجلسى

أحبك في العيد ، لانك رجل جديد فى العيد ، ، لان أيامى معك بغير العيد قليلة وقليلة جدا ، ، لان العيد بدونك يا أبى ليس عيدا

اني أتذكر كل مناسبة واحفظ كل تاريخ ، ، انى اكاد أعد هذه الايام يا ابي ، بل أحيانا ألعب مع نفسى فأخذ أصابع يدى وأعد تواريخ المناسبات

بدأت أعد أيامى معك ، بدأتها من ابهام يدى اليسرى الى خنصرها ثم من ابهام يدى اليمني الى سبابتها ، ، لم اتعجب حين وجدت عدد هذه الايام سبعة فقط ، ، سبعة ايام يتيمة فى سنوات كثيرة ، سنوات اكثر من العشرين

لم أتعحب لقلتها يا أبى لانك لم تكن لى وحدى ، ، كنا شركاء كثيرين ، ، وكان كل شريك يرغب في الحصول عليك بأكملك ، ولم تعجبني تصرفات وتفكير هؤلاء الشركاء فتنازلت عن حقى فيك لهم ، ، وتباعدنا اكثر يا ابى

كنت اذا رغبت منك شيئا كتبت لك وريقة صغيرة ودفعت بها لك مع اصغر  الشركاء ، ، اصغر الشركاء هذا يا أبى هو ، ، سفيان ، انه شعلة من الذكاء وحفنة من الحنان

منذ أيام جلست القرفصاء ابحث فى دفاترك عن اوراق ، ووجدت ورقة ، ، انها منك يا أبي ، انها وصيتك يا أبى ، ، انها لحمك ودمك وعواطفك يا أبى ، انها انت ايها الرجل البعيد .

لم أبك يا أبى عندما وجدتك ، عندما وجدت شيئا منك ، ، فقد جفت دموعي منذ اربعين يوما ، ، أنا أبكى يا أبى ، ، لا بدموعي ولكن بقلبى ، ، بغصة جافة ، بحزن عميق ، ، بشوق لم اعرف له طعاما من قبل

عندما كنت هنا ، ، فى هذه الدنيا ، ، كنت أنا شيئا آخر ، ، واحدة ككل  مثيلاتى ، ، لا تعطى وزنا لشئ ، يكفى ان لى غرفة وعالما خاصا بى وكفى لم أحاول أن أقتحم بابا آخر ، ، لم أحاول أن أطل على حياتك ولو من " الجانب الشفاف " ، ، ورغم هذا الاهمال يا أبى ، ، كنت أحس بك فى حالات ضعفي ، تكفيني ان اذكر كلمة " بابا " فتضاء الدنيا ، ، كنت يا أبى كعود ثقاب نادر الوجود ، ، أنير بك دنياى كلما اشتد سوادها ، ، ثم اختفيت يا أبى ، ، رحلت بعيدا ، ، ولم يعد لنا رجل فى البيت

بدأت أحس أكثر بخلاء البيت وخلاء نفسي ، وكبر شعورى بالوحدة ، بدأت افتقدك أكثر يا أبى ، ، أفتقدك في الشارع ، ، كان كل منا يعمل بادارة وكان كل منا يأخذ طريقا ، ، ثم نتقابل فى الشارع ، ، كنت بجبتك الانيقة  وقامتك الطويلة وكتفيك العريضين ووجهك الاسمر ، وأنا بثيابي الدكناء ،  لم أكن أنيقة فى شئ ، ، ولم تكن قامتى طويلة ، ، وكتفاى عريضتين ، ، كل ما  كان بيننا من شبه ناطق ، ، سمرة الوجه

كنا نلتقي صدفة ، ، فابتسم لك ابتسامة لا تشجعك على ردها ، ، وفعلا كنت لا تردها ، ، وأتألم لانك لا ترد ابتسامتى يا أبى

وحلت سنة جديدة .

ابتدأت هذه السنة وأنا انسان ضعيف ، حزين ، ، بقلبه فراغ ، ، ابتدأت هذه السنة وكل شئ ينقصني ، الحب ، ، والمشاعر الطيبة ، ، والدنيا السعيدة ، ابتدأت هذه السنة وكل شئ فى يبكى على الحب والمشاعر الطيبة والدنيا السعيدة ، ، كل شئ فى يبكى على ماض دهب  هكذا ، ، فسمى ماضيا لا يحمل شيئا ، ، غير احلام ، ، هى احلام وكفى

أحلامي ، يا أبى ، جافة ، ولكن فيها من الدموع ما يغسل الضباب ، ، ضباب الجفاف ، ضباب احلامي ، وجفاف حظي

أحلامي يا ابى صورة حلوة رافقتني وأنا لم أصل بعد الى سن الاحلام الحلوة ، رأيتك يا أبى تضع يدك فوق رأس أختى الكبرى وهي عروس جميلة

بلباس أبيض ، ، وأحببتك يا أبى ، ، أحببتك كثيرا وسرحت مع واحة احلام ، ، وكانت أمنيتى ، ، ان تضع يدك فوق رأسى وأنا عروس جميلة بلباس أبيض ورافقتني هذه الامنية وأنا فى هذه السن ، ، وفجعت فيك ، ، وتبخرت هذه الخرافة الكبيرة ، فتركت خطوطا سوداء على خدى ، ، وبحرا من الدموع ، وفراغا كبيرا طويل القامة ، ، عريض الكتفين ، اسمر الوجه ، ، هذا الفراغ يسمى انت يا أبى

ورحلت بعيدا يا أبى ، ، سافرت ولم تحمل معك اى زاد ، ، يؤلمني جدا يا أبي أن تسافر فارغ اليدين ، ، يؤلمني أن لا تحمل حقيبتك وجبتك وسجادتك يمزقني الألم وأنا أنظر إلى أشيائك الكبيرة والصغيرة وحيدة ، ، هكذا بدون رجل يتصرف فيها ، هذه الاشياء أحس انها فقدتك أكثر منى وأكثر مما فقدك  سفيان ، فقدتك لانها كانت أقرب الى جسمك وروحك وأيامك هذه الأشياء استأنست بك وأحببتها وأحبتك  و كانت بينها وبينك ألفة ، ، ومن العيب بل من السخط ان تبقى يتيمة .

أريد أن أكتب يا أبي ، ، أريد أن أحدثك عن كل شئ ، ، اريد ان احدثك  عن أيامى وعن أحلامي وعن سفيان وعن شجرة الاجاص التى غرستها ولم تذق ثمرتها وعن ورد الحديقة الذي رويته  

أريد أن أكتب وأكتب ، ، ستكون حياتى فى الكتابة ، ، ستكون دموعي فى الحروف ، ، وسيكون اشتياقى  فى النقط التى تفصل الكلمات

اشترك في نشرتنا البريدية