الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

أصداءُ الفِكر

Share

* جائــــــزة الرئيس بورقيبـــة :

انتظم في السابع من شهر نوفمبر فى القصر الجمهورى بفرطاج حفل أسند فى وخامة الرئيس الحيمب بورقيبة جائزة لعلمين قدما خدمات جليلة بتآليفهما وهما الشيخ العلامة محمد الطاهر ابن عاشور والاستاذ المؤرخ حسن حسنى عبد الوهاب الذي حال المرض بينه وبين حضور الحفل والذى وافاه الاجل المحتوم بعد يومين فقط أى صبيحة التاسع من نوفمبر 1968 .

وقد ألقي الاستاذ الشاذلى القليبى فى حفل توزيع الجائزة كلمة بليغة نوردها بحذافيرها :

" فخامة الرئيس ،

يقول شوقي : " انما الامم الاخلاق ما بقيت . . . " هذه الحكمة التى جعلتموها مبدأ من مبادئ الإصلاح الذى شرعتم فيه منذ بعث الحركة الوطنية فى قصر هلال ، سنة 1934 ، يمكن ايضا ان نعبر عنها بقولنا " انما الامم الثقافة ما بقيت في ازدهار ونمو ، وهو الشعار الذي التزمتموه فى بناء الدولة وبعث هذه الامة بعد احقاب متوالية من الانحطاط والتفسخ والانغماس فى الجهالة

ذلك ان شؤون المجتمع فى نظركم لا تستقيم الا اذا كانت معتمدة على الاخلاق الحسنة والفكر النير معا ، لذلك ركزتم النهضة التى انتم بصدد نشرها فى البلاد على محورين اساسيين لا انفصام بينهما وهما النمو الاقتصادى والرقي الحضاري الذي من ضمنه تطور الثقافة وازدهار القيم الروحية والفكرية وعلو منزلة الانسان الذهنية والاجتماعية .

وانما اعتبارا لهذا الشمول الذى تتصف به حركة النهضة فى تونس . نعتز بانها تستوحى اهدافها وطرائق عملها من فلسفة روحية تجعل الانسان فى اعلى مراتب الوجود بوصفه خليفة الله فى ارضه قد تحمل الامانة العظمى ، وهي الاضطلاع بمسؤولية العقل والاهتداء بنور الضمير .

وحــدة فكـــريــــة وروحيـــــة :

لذلك نعبر ، نحن الجيل الذي كان له شرف المساهمة فى الكفاح او فى بناء الدولة ان الرئيس بورقيبة ليس فقط زععيما سياسيا من اكبر زعماء العصر ، بل انه لقائد ثورتنا الفكرية ايضا واحد رواد الفكر الحديث .

وان اعمالكم واقواكم لتؤلف وحدة فكرية وروحية مترابطة العناصر متماسكة الاركان حتى انه - رغم ما اكدتموه فى غير ما مرة من ابتعادكم عن المذاهب الفلسفية - لإمناص من الإقرار بان هذه الافعال والآراء تنبق منها فلسفة اصيلة تشمل الفكر والسلوك معا ، سنة اعاظم المفكرين الذين لا بفصلون بين الفعل والرأى فى حياتهم ابدا .

ذلك انه اجتمع لديكم الجوهران اللذان بهما يكون الفكر الحق والعمل الخلاق وهما حرية الرأي او ما كان يعبر عنه السلف الصالح بالاجتهاد ، ثم غزارة الايمان الذي هو منبع الحماس والاندفاع والتضحية .

مرد كل المعاني :

الى هذين المحورين مرد كل المعاني وكل المواقف التى عرفت بها البورقيبية ، باعتبارها طريقة كفاح ومذهبا اجتماعيا ونظرة عامة الى الانسان والحياة ، اى بعبارة جامعة ، باعتبارها جهادا بالفكر والعمل معا من اجل بعث انسان افضل تستقيم حياته بنور العقل وتزكو اراؤه بصلاح الفعال .

وانما صدورا عن هذين المنبعين الروحبين ظهرت البورقيية فى مظهر الحركة الدائبة الى التجديد دون توقف ولا جمود هدفها انتشال الانسان من الحضيض وتعزيز كرامته اكثر فاكثر وجعل حياته اعتدالا بين مختلف القوي والنزعات دون اى شطط .

واذ يعتز اهل الثقافة بهذه الرعاية السامية التى يوليهم اياها رئيس الدولة وقائد الامة ومنقذها من الإستعمار والتبعية فان اعتزازهم يتعاظم شعورا بان رجلا منهم والبهم يتولى قيادة السفينة ويجهد فى عزم وثبات ان يخرج المدنية الفاضلة من احلام الفلاسفة الى حيز الواقع فى هذه الرقعة من الارض .

أهميــــــة الثقــــــافـــة :

لذلك لا جرم ان توجهت العناية الرئاسية باهل الادب والفكر والفنون بهذه الجائزة الشرقية التى تفضلتم بتبنيها تأكيدا لاهمية الثقافة فى هذا النظام ولمنزلة رجالها العاملين فى مشاغل الدولة وحزب الامة .

وقد اردتموها جائزة تقديرية تتولون بنفسكم اسنادها ال احد رجالات الثقافة التونسية تقديرا لمجموع تآليفه فى ميدان من الميادين الاساسية بالنسبة الى نهضتنا وهى :

- الآداب واللغة . - والتاريخ . - والفلسفة والدراسات الاجتماعية والدينية . - والعلوم .

ولكنكم في هذه المرة الاولى أبيتم الا ان تسندوها الى علمين كبيرين كلاهما كرس حياته لخدمة الثقافة العربية فى الميدان الذي تمحض له وكلاهما ساهم فى توطيد اركانها وتوسيع آفاق البحث فى وجه ابنائها وكلاهما من رجال العلم والتعليم ، افادا عن طريق التأليف والتدريس مما جعلهما من اساطين شيوخ الثقافة فى تونس وخارجها .

اشرت بذلك الى الشيخ الاستاذ الطاهر ابن عاشور والى المؤرخ الاستاذ حسن حسني عبد الوهاب الذي اقعده المرض عن شرف حضور هذا الحفل بنفسه .

الثقــــــــافـــــة التقليديـــــة :

ومما يجدر ان نصرف اليه النظر فى اختياركم لهذين العالمين الجليلين ان احدهما يمثل الثقافة التقليدية فى انقى مظاهرها وامتن اصولها واشمل مغازيها ، تلك الثقافة التى نعتز جميعا بالانتساب اليها والنهل من مناهلها الصافية لنقدر على فهم تراثنا ونقوى على البر بماضينا وتحمل الرسالة الملقاة على عواتقنا في استئناف سير الحضارة الذي تجمد عندنا فترات طويلة من الزمن حتى اصبحت امجادنا نسبا بلا حسب .

ومن الانصاف ان نؤكد هنا ان الشيخ ابن عاشور يعتبر من بين انداده وزملائه من خريجى الزيتونة " نسيج وحده " اذ لم يكن من المقلدين لا فى دراساته الادبية ولا فى بحوثه الدينية على وجه الخصوص ، بل اشتهر بسعة

العلم مع اعمال الراي وبالاحاطة بمذاهب السنة مع ميل واضح الى الاجتهاد . وقد كان له فى مدة قيامه بالتدريس بالمدرسة الصادقية تأثير يذكره لحد اليوم نلاميذه فى وضع المسائل على نمط طريف تظهر فيه سعة الالمام مع حيوية الفكر الثاقب .

واليه يرجع الفضل الاكبر فى اصلاح التعليم الزيتونى فى عصر كانت الزيتونة فيه تعتبر معقلا من معاقل الذاتية التونسية وذودها عن الدين وحفاظها على اللغة القومية وابقاء الصلة المتينة بالتراث العربى الاسلامى .

تقريب الشقة بين الثقافات :

وقد كانت للشيخ ابن عاشور ولجمهرة من كبار أئمة العصر الايادى البيضاء في تلقين الثقافة العربية لتلاميذ المدرسية الصادقية وتقريب الشقة بين الثقافة الجديدة والقديمة وربط الصلة بين الاجيال المتخرجة من جامع الزيتونة والاجيال التى تلقت تكوينها فى المدرسية الصادقية ، التى اليها ينتسب الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب والمؤرخ التونسي ذائع الصيت فى المحافل العلمية بتونس وبمختلف الامصار العربية والافرنجية ، كتب باللغتين . وهو فى عصرنا أول مؤرخ تونسي توخي في ابحاثه الطرائق العلمية الجديدة فخطا بالدراسات التاريخية فى بلادنا اشواطا وجعلها من الدقة والإمانة والنفاذ الى جواهر الامور بحيث اصبحت تعتمد فى كافة الدوائر العالمية .

وقد تسنى له ذلك ، بفضل البحث المنظم والتنقيب المتواصل وبفضل ما نوفق اليه في طليعة المؤرخين العرب من ربط بين المعطيات الوثائقية والمعطيات الإثرية . وهي من الطرائق الحديثة التى مكنت المؤرخين من سبر اعماق الماضى بما يشبه الدقة العلمية .

وللاستاذ المؤرخ تأثير غير قليل فى توجيه عدد من الباحثين الناشئين سواء بكتبه وابحاثه او بتوجيهاته المباشرة التى لا يبخل بها حتى فى اوقات مرضه اذ هو معروف ليومنا هذا باكرام الوافدين على منزله وتمكينهم من ضالتهم بمدهم بالمعلومات أو اطلاعهم على نفائس المخطوطات ونادر التحف والاعلاق .

لذلك كان جمعكم بين هاتين الشخصيتين فى هذا الحفل الافتتاحى للجائزة التقديرية التى تحمل اسم فخامتكم ، محل ارتياح عامة المثقفين ممن تتلمذوا لهما او عرفوهما بالرفقة والمخالطة او استفادوا من مؤلفاتهما القيمة .

لا تناقض بين الحفــاظ والتجــديد :

ذلك ان ما تتفضلون به اليوم من تكريم لهما انما يتجه الى هذه الاجيال التراقبت على الزيتونة والصادقية وكان قبل تحملها المسؤوليات سواء في الحياة العمومية أو فى الكفاح القومى ، وان فى التفاتتكم هذه لاشارة إلى ايمان الامة ، دولة وشعيا وحزيا ، بان الحفاظ والتجديد ليس بينهما تناقض جوهرى إذا ما قدرت الإطارات العليا على تجاوز القشور وصهر المتناقضات فى لحمة حية بل ان بينهما عندئذ لتكاملا وتضامنا فى لب الامور التى تخص حياة الام ومصير الحضارات .

فالمحافظة والتجديد صنوان متلازمان فى حياة البشر لا غنى عن احدهما وان ما بينهما من نزاع انما هو بمثابة الثرى الطيب الذى بفضله تيننع القطوف ما دام الحوار متواصلا بينهما وما كان الحفاظ وفاء لتقاليد حية ومحبة لروح وقادة وضربا من الاجتهاد وما كان التجديد معتمدا على الروية متاصل الجذور متين الفروع .

وانما بسبب انفصام هذه اللحمة الطيبة بين قوى الحفاظ وقوى التجديد ظهرت عصور الركود والجمود التى كثيرا ما تعقبها طفرات انقلابية وتورات هوجاء ، وعصور الحمود هي التى حكمت على حضارتنا العربية الاسلامية بالتححر والإنحطاط والتدهور بينما فترات الانقلاب قليلا ما كان لها عندنا اثر ابحاث ذو بال . فعاش مجتمعنا تاريخا متقطع الاوصصال مليئا بالجلبة والضوضاء وليس من وراء ذلك ما يبقى ويفيد الناس الا فى القليل النادر .

فكانت ثقافتنا العربية الاسلامية ، بعد اشراقتها الاولى التى ملأت الدنيا ضياء وأملا ، تتردى هى ايضا بين الجمود وومضات الاجتهاد دون ما تكامل و تناسق ولا انسجام ، فكانت بدورها متقطعة الاوصصال ممزقة اللحام .

تحديد معاني المسؤولية الانسانية :

فمن واجبات جيلنا الحاضر العمل على رتق هذه الفتوق بين اشلاء الماضى بالدرس والتمحيص لايجاد وحدة عضوية حية بين مختلف اوصال الزمان وتجديد معاني المسؤولية الانسانية فى خلق التاريخ وصنع المصير فى ايمان وعزم ولكن دون صنف ولا زهو ، حتى تضطلع الاجيال جيلا بعد جيل ، على غرار ما تم في هذه الفترة الفريدة من تاريخ تونس فتكون بذلك قادرة على اقتحام سبل المستقبل وغزو آفاقه المغلقة .

وانها لمسؤولية كنا اضطلعنا بها فى الماضي وانتقل مشعلها من ايدينا الى غيرنا بدون رحعة ليومنا هذا . وانما افلت من ايدينا مشعل التقدم لاننا فقدنا تلك النظرة الى انفسنا والى شؤوننا الفكرية والروحية والاجتماعية التى تتصف بالشمول والتي هي نتيجة معرفة وتجربة واحساس ، منصهرة كلها فى عملية ادراك واحدة ، كتلك التى حدث بالزعيم الحبيب بورقيبة اذ تصدى للنضال لا من اجل تحرير رقعة من الارض اسمها تونس ولا جملة من الناس يسكنون على هذه الرقعة ، بل من اجل تحرير وطن وبناء امة واحياء ثقافة وتوجيه مصير .

ولئن كان التونسيون في الاعوام الثلاثين لا يؤلفون أمة بالمعنى الصحيح فان فكرة الامة كانت حاضرة في ذهن الزعيم الشاب نتيجة انصهار ما تعلمه وما استنبطه وما يجيش بصدره .

وبقدر ما كان الماضي منضدا منظما فى ذهن الزعيم بقدر ما كانت صورة المستقبل تتراءى له فى غير التباس ولا شك .

ذلك ان الاعمال الانسانية الجليلة لم تظهر قط عبر التاريخ الا على أساس فكرة شاملة " مصعدة " هى عصارة تاريخ وجماع تقاليد ، وهي فى الوقت نفسه مغامرة متجهة الى التحديد والخلق . وهو ما اشرتم اليه فى غير ما خطبة من خطبكم وبالوضوح الذى يمتاز به اسلوبكم اذ قلتم ان الثورات الانسانة الكبيرة انما هي نظرة جديدة الى واقع قديم .

معطيــــــات الثقـــــافـــــة :

لذلك نعتقد ان النهضة الثقافية التى تحتمل الآن في كافة المستويات قوامها ثالوث من الاعمال ينبغى ان تكون متكاتفة متضافرة وهي معرفة شاملة للتراث وتحليل ناصع للواقع وغزو فاتح لآفاق المستقبل .

ونجاح هذه الاعمال متوقف على توفر الموقف الذهنى المناسب لكل منها الكفيل بالابقاء على جذوة الطلب فيها .

اما معرفة التراث فتستلزم فكرا متحررا من ربقة التقليد الذى يعرض عن التمييز ولا يتكلف مشقة التمحيص .

واما الالمام بالواقع فيقتضى منا سيطرة على شؤون العصر فى مختلف ميادين الاجتماع والاقتصاد والصناعات والعلوم والفنون حتى لا تبقى ثقافتنا موصوفة بالقصور ولو فى واحد من هذه الميادين .

٥ها فتح الآفاق فلا بد ان ينبع من توق جامع الى النضال من اجل بصورات وقيم تخص الانسان وموقفه من الوجود ورغائبه المتصلة بما وراء الموجود .

اذا استطاع هذا الجبل ان يؤوصل في نفسه هذه المواقف فانه يضمن للامه اللحاق في اجال غير بعيدة بركب الحضارة الانسانية ويمكن نفاقتنا من ان نصبح مشاركة في عملية الانتاج والاكتشاف والاختراع وهو الشرط الاسمى لكرامة الامة وعزتها الحقيقية .

ذالك اننا فى عصر لم تعد فيه قوة الاهم تقاس بقيمة الثروات المادية التى تملكها ، بل بما لها من طاقات ذهنية وعلمية وفنية ، قادرة على التحويل والاستنباط والابتداع .

وقد قلنم في خطابكم الاخير بمدينة توزر ان تونس لئن كانت تعــوزها الثروات المنحمية الطائلة فان لها ان تعتد باطاراتها لما يمتازون به من استعداد فطرع لمواجهة الصعاب واقتدار على السيطرة على المشاكل بفضل صفاء القريحة ومتانة الوحدة القومية .

تلك هي الدعامة الإصلية لاستقلال الشعوب وبها ترتقى الى مصاف الامم الراشدة التى بيدها مصيرها ومصير الانسانية قاطبة " .

وبعد أن تلى الأمر الرئاسى القاضى باسناد الجائزة التقديرية الى العلامه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذى وسمه فخامة الرئيس الحبيب بورفيب ألقي بين يديه كلمة هذا نصها :

الحمد لله الذي هيا لمن شاء من عباده حسن العواقب وحباهم من فضله بأسنى المواهب الصلاة والسلام على من سمت بشرف مقامه المراتب ، وتظافرت على نصره الكتب والكتائب و على آله وصحبه نجوم الهدى الثواقب ، وسيوف الحق القاطعة المضارب .

اما بعد فان هزية العلم وشرف الانتساب اليه امر بلغ من اليقين والضرورة مبلغا يقصر عنه البيان وينقص قدره محاولة اقامة البرهان بعد ان توجه الله

تعالى الى نبيئه الكريم وهو الذي علمه ما لم يكن يعلم وزكاه بانه على خلق عظيم وعلى صراط مستقيم فقال : ربي زدني علما " قولا جعل طلب العلم والحرص عليه والاستزادة منه اعظم مطلوب لا شرف موجود وبذلك كان العلم ناج نبوءته وشعار ملته واني احمد الله على ان اودع فى محبة العلم والتوق الى تحصيله وتحريره والانس بدراسته ومطالعته سجية فطرت عليها فخالطت شيفاف قلبي ، وملأت مهجنى ولبى وغرزت في غريزة نمتها التربية القويمة التى اخذني بها مشائخ طيب الله تراهم وطهر ذكراهم ممن جمع ابوة النسب وابوة الروح او من اختص بالابوة الروحية وحدها ، حتى اصبحت لا اتعلق بشئ من المناصب والمراتب تعلقي بطلب العلم ، ولا انس برفقة ولا حديث انسي بمسامرة الاساتيذ والاخوان في دقائق العلم ورقائق الادب ، ولاحبب الى شئ ما حببت الى الخلوة الى الكتاب والقرطاس متنكبا كل ما يجرى حولي فمن المشاغل ، فلا تكاليف الحياة الخاصة ، ولا اعباء الامانات العامة التى حملتها فاحتملتها فى القضاء وادارة التعليم ، حالت بيني وبين انسي فى دروس تضئ منها بروكي والفهم الصائب بيني وبين ابنائي من الطلبة الذين مما كانوا لي الا قرة عين وعدة فخر ومنهم اليوم علماء بارزون او فى مطالعات وتحارير اخلص فيها نجيا الى الماضيين من العلماء والادباء الذين خلفوا لنا في آثارهم الجليلة ميادين فسيحة ركضنا فيها بالافهام والاقلام ومرامي بعيدة سددنا اليها صائب السهام ، فالحمد لله الذي بوانا بين الماضيين من اسلافنا والآتين من اخلافنا منزلة من تلقي الامانة فأداها ، وأوتى النعمة فشكرها ووفاها ، وها انتم اليوم يا صاحب الفخامة تنظرون الى هذه الحياة التى اساسها حب الدراسة وذروتها نتاج بارك الله فيه بفضله من كتب فى فنون العلم والادب فتقدرونها بعظيم همتكم قدرا اهلها فى نظركم لان تكون محل تشريف وتكريم نسندون الى الجائزة التقديرية اول انشائها ، وتضعونني في رأس القائمة التى سيتتابع عليها الفائزون بتقدير علمي سام ، يبقى لكم انشاؤه فخرا تالدا على مر الزمان .

فاذا كان الخليفة المأمون العباسي قد توجه الى ابى عثمان الجاحظ منوها بمنزلته وشاهدا لكتبه باحكام الصنعة وكثرة الفائدة وذلك الذى قدر به المأمون قدر الجاحظ ووفى حقه وعرف به الناس للمأمون انه كان ارفع مقاما واعظم سلطانا لمعرفته الفضل لذويه ، فان تقرير فخامتكم للجائزة التقديرية سيكون صلة بين شخصكم الكريم وبين الاجيال المتعاقبة على التهمم بالعلم والانتاج فيه وسيجعل لكم في العناية بالعلم واهله منزلة تقصر دونها منازل الذين سبقوا الى تكريم العلماء والتنويه بشأنهم واجزال الجوائز لهم ، اذ لم بتناول فضلهم الا رجالا معينين فى ازمان محدودة .

فطوبى لهذه الهمة الوثابة التى تتخطى رقاب القرون وشكرا فائقا للسيد كاتب الدولة للشؤون الثقافية على ما عدد من المزايا واثبت من السجايا عن حسن ظن منه وعظيم اعتناء منكم يا صاحب الفخامة .

اما انا فاعتبر هذا التقدير عائدا الى صفة حب العلم ينوه بها ويدفع اليها ثم عائدا على ذوى الاثار الباقية من اهل القرون الخالية حتى شيوخنا الاقربين واصحابنا الادنين الذين يحق للوفاء بما لهم علينا ان نتمثل بقول أبي العلاء في شيخه القاضي عبد الوهاب :

وما انا الا قطرة من سحابه    ولو اننى صنفت ألـــف كتاب

ثم تلى الأمر الرئاسى المتضمن لاسناد الجائزة التقديرية للأستاذ المؤرخ حسن حسنى عبد الوهاب فتولى الدكتور الصادق المقدم نيابة عنه تسلم الوسام وتلا كلمة المؤرخ التى نوردها كاملة :

" رب انعمت فزد "

فى هذا اليوم السعيد كنت اتمنى ان اعرب لفخامة رئيسنا المحبوب عن اجللالنا الدائم لذاته ، وعن اواصر محبتنا القلبية لشخصه وأبى الزمان الا ان يبلوني - منذ سنة - بداء عضال - ضيق التنفس - منعنى من اداء الشكر بلسانى ، لكن ان عجز لسانى عن القيام بهذا الواجب فان قلمي ليس بعاجز عن الدعاء - .

يا فخامة الرئيس ،

لقد شئتم ان تكرموا شخصا ضعيفا كرس حياته فى ذكر فضائل وطنه بين أمم هذا البحر المتوسط واجتهد فى ابراز مزاياه فى الغابر والحاضر ، وقد وجد فى هذا العمل غذاء روحيا يفوق اللذات البشرية فاننعزل عن المقاهي ومحلات الملاهى :

ومن وعي اخبار من قد مضي     اضاف اعمارا الى عمره

سيدى الرئيس ،

فى بداية الاستقلال تفضلتم بتشريفى لرعاية الاثار الوطنية وكان جانب عظيم منها لم يعره المحتل عناية ما :

متحكم يبغي الحياة باسرها         ويخال انا فى يديه نبال

جهل الحياة لكل شعب حقه      ورضا الشعوب بان تموت محال

فاجتهدت من يومئذ فى تشخيص محاسن هذا الجانب المهمل ، واظهار رموزه وخفاياه ، وبذلت ما كنت جمعته بنفسي لبني جنسى ، وحرصت على تجهيز خمسة متاحف : اربعة منها للاعلاق الاسلامية ، وواحد للآثار الكلاسيكية ، وانى ارجو الله ان يستفيد منها النشء الجديد الذي نبه فخامتكم اذهانهم ، ولقح افكارهم للمعرفة والتوعية ونكران الذات حتى يدركوا التقدم والرقى الانسانى .

واني اسأل الله الكريم ان يجعل هذه المؤسسات خالصة لتفانينا فى حب هذه الرقعة الصغيرة من الارض ، الكبيرة بماضيها وحاضرها ، الغنية بقيمها الروحية العالية .

سيدى الرئيس ،

أود أن أقول كلمة عن مكتبتي الخطية ، وقد سعيت طول حياتي في تكوينها ، واخشى ان تتلاشى بعدى ادراج الرياح ، وقد شملت مفرداتها الكثير من اخبار الاندلس والمغرب الكبير ويسعدني ان اجعلها مؤسسة خصوصية  (Fondotion) تلحق ب " دار الكتب " التونسية بسوق العطارين ، يشرف على نظامها وسيرها نخبة من ابنائى الروحيين :

 الدكتور الصادق المقدم ، والشاذ القليبي ، ومحمد مزالي ، وفضيلة مفتى الديار ، والامين الشابى وغيرهم من اهل الحفاظ والذوق .

ويبقى بعد ذلك تأليف الكبير المعنون العمر (كتاب العمر) افنيت فيه عمري ، واستنفدت صبرى ، اذ قضيت فى جمعه وتدوينه زهاء الستين عاما على الولاء ، وهو يخرج فى عدة اجزاء ، وينطوى على التعريف المفصل باكثر من ألف مؤلف تونسي في سائر العلوم والفنون .

وحيث تقدمت بى السن رجوت لهذا العمل المضنى من يقوم بانجازه ، فتكفل الابن الاديب ، والمفكر المصيب : العروسي المطوى بجمع ما انهيت من تراجم العلماء ، واتمام ما بقى جاهزا بلا انسجام فى تصنيف ينتفع به الباحثون عن مآثر بلادنا ، ان شاء الله تعالى .

   اما بقية تآليف - وقد بلغت الآن الثلاثين - فقد تكرر الطبع للبعض منها ، وتعهد جمع من الافاضل الاعزاء باعادة ما يستحق الاعادة وفي مقدمة المشجعين لى معالي كاتب الدولة للثقافة جازاه الله خيرا .

والى الله ابرا من العجب بالنفس ، والغرور بالعمل ، وما توفيقي الا بالله .

وبعد هذا كله ، لم يبق لى ما اتمناه الا ان اضرع للبارى - جل جلاله ، ان

يديم حياة رئيسنا الذي جادت به الايام على بخلها ( ان الزمان بمثله لبخيل ) فقد اعاد لوطننا ماضيه الناضر الباهر حتى عرف فضله الغائب والحاضر ، وبني حفظه الله بيده صرحه الشامخ لبنة لبنة حتى تكامل استقلاله والتا هيكله البديع :

حلف الزمان ليأتين بمثله       حنث يمينك يا زمان فكفر

وفق الله هذا البلد الامين الى بلوغ الغايات المأمولة من العزة والمنعة والمجد ، وجعله في يومه وفي غده كما كان في امسه ، منارا من من منارات الحضارة العربية ، وقاعدة ثابتة لعز الإسلام .

سيدى الرئيس ،

قلت في طالع كلمتى : ان فاتني تسجيل الثناء عليك بلسانى ، ولسان نعمتك التى قلدتني بالشكر ابلغ من لسان بياني فها أنا ذا أجدد لك صادق الشكر وأخلصه على صفحات التاريخ الكبير ، تاريخ الشرف والفخر ، فخر تونس العزيزة ، وشرفها الخالد " .

* وفاة المؤرخ الكبير حسن حسني عبد الوهاب :

لم يمض يومان على تكريم مؤرخنا ح . ح . عبد الوهاب (*) وتقدير الدولة لجملة ما أنتجه طيلة حياته حتى وافاه الأجل المحتوم صبيحة التاسع من نوفمبر 1968 عن أربع وثمانين سنة قضاها كلها فى البحث والتنقيب عن كل ما يتعلق بوطنه سواء فى التاريخ أو الادب . ورغم دأبه المتواصل فى التأليف فانه لم يقدر على إتمام مؤلفه الكبير " كتاب العمر " وها هو يخط بنفسه ترجمته :

" الاسم : حسن حسنى عبد الوهاب - وهو اللقب العائلي - نسبة الى جدى عبد الوهاب بن يوسف الصمادحى التجيبى الذى كان يدير الحرس الاهلي للبلاد وهم الحوانب ) ويراس التشريفات فى مدة البايات الحسينيين من عهد الباى محمود بن محمد الرشيد بن حسين بن على الى ايام المشير أحمد باي الاول .

وتقلب بعده ابنه والدى ( صالح بن عبد الوهاب ) فى عدة وظائف ، وكان فى عصره من الافراد التونسيين القلائل ، اذ انه تعلم العربية بجامع

الزيتونة ودرس بعد ذلك اللغة الفرنسية بمكتب الرهبان (Ecole des Fres) الواقع ينهج الزيتونة ( نهج الكنيسة سابقا ) حتى اتقنها جيدا ، فاضافه ( الفريق حسين ) وزير الخارجية اليه ، وصار الوالد يصاحبه كمترجم فى السفارات المتنقلة التى كانت ترسلها الدولة التونسية الى اروبا كلما حصل خلاف مع الممالك الإفر نحبة ( ايطاليا قبل الوحدة ، وفرنسا وانكلترا وغيرها ) فى عصر كانت رحلة التونسيين الى تلك البلاد قليلة جدا - من 1869 الى 1880 م - وكان الوالد المرحوم مولعا بفن التاريخ ( والعرق دساس كما فى الحديث النبوى ) وله تأليف فى اخبار مملكة المغرب الاقصى لم يطبع بعد .

وتقلب الوالد بعد الحماية في جملة وظائف منها عمل الاعراض ( قابس ) والمهدية وتوفى آخر سنة 1904 م .

اما ابنه حسن حسنى فانه ولد آخر شعبان 1301 ( 21 يونية 1884 ) منهج عبد الوهاب رقم 25 ، ووالدته ( حنيفة بنت على بن مصطفى آغة قيصرلى ) كان أبوها اكبر اعوان ( معين أول ) للوزير خير الدين باشا .

واول دراستى فى كتاب بنهج سيدي الموحد - بين نهج الوادى ونهج بوخريص حسب العادة المتبعة حينئذ لصغار التونسيين ثم تحولت الى المدرسة الابتدائية بالمهدية وتلقيت هناك حفظ الربع الاخير من القرآن الكريم ، كما ابتدأت تعلم اللغة الفرنسية . .

ولما انتقل الوالد من المهدية الى تونس دخلت اول مكتب فرنسى لائكى بالحاضرة ) نهج السويد ( ونلت شهادة العلم الابتدائية 1899 فالتحقت درسة الصادقية ( وزاولت بها العربية والترجمة ثم قصدت باريس وانتظمت فى سلك تلاميذ ) مدرسة العلوم السياسية ( وتابعت التعلم بها . ومن اساتذتي بها ) ده منتاي -  De Monteil  ) وفي الاثناء كنت احضر محاضرات الحكيم ) شاركو - Charcot ) فى تحليل الاخلاق والنحائز والطبائع .

وتوفى الوالد آخر سنة 1904 فعدت الى البيت فى حضيرة تونس ، وانخرطت بعد فى سلك موظفى ( ادارة الفلاحة والتجارة ) فى قسم " املاك الدولة " اخر سنة 1905 - وبعد خمس سنين عينت رئيسا لإدارة ( غابة الزياتين للشمال التونسي ) سنة 1910 .

وفى اثناء الحرب الكبرى الاولى التحقت بادارة المصالح الاقتصادية . . ( Services Economiques ) في سنة 1916 بصفة رئيس قسم ، وفارقتها لرئاسة

( خزنة المحفوظات التونسية Archives generles  ) فى سنة 1920 ، وقد استفدت كثيرا من هذا العمل حيث اتيح لى الاطلاع على مجرى احداث التاريخ التونسي منذ الفتح التركى وبعده - ولا يخفى ان خزنة المكاتيب الدولية - كما كانت تسمى - هي من محاسن مؤسسات الوزير خير الدين حين مباشرته لشؤون الدولة التونسية اهم عمل قمت به هناك هو اني وضعت لها جهاز تاما لفهرست محتوياتها فى جذاذات محفوظة فى صندوق خاص ( Fichers ) وهو المعمول به الى الآن ، ولم يكن ذلك موجودا بها .

وفي سنة 1925 عينت عاملا ( واليا ) على المثاليث ، ومقر الادارة " بجبنيانة " وكانت تلك الناحية تابعة لولاية صفاقس ، ولم يعتن بمصالحها منذ احقاب نوالت عليها ، فسعب جهدى فى اقرار اهاليها بالارض لتعميرها وبايجاد عدة مكاتب ابتدائية واحداث طرقات معبدة ، وتزويد القرى بالماء الصالح للشراب وتنوير مركز العمل ليلا .

وفي آخر سنة 1928 نقلت واليا الى المهدية الفاطمية فاجتهدت فى نشر التعليم في القرى والمداشر وكنت القى فى كل اسبوع محاضرات فى التاريخ الاسلامى وبخاصة فى أحداث تلك الجهة فى محل ناديها ونادى الشبيبة ، واوقفت كتبا كثيرة على مكتبات المدينة الفاطمية .

وفي سنة 1935 سميت واليا ( عاملا ) على الوطن القبلى ( نابل وناحيتها ) فاهتممت بمصالح العمومية بقدر الجهد ، واوقفت كذلك من الكتب العربية كثيرا على مركز الولاية وعلى القرى الكبيرة والصغيرة .

وفي سنة 1939 عدت للحضرة التونسية بصفة وكيل ( للادارة المحلية والجهوية ) يعنى شؤون الادارة الداخلية للبلاد ، وفي اثناء مباشرتى لهذا المنصب على التقاعد لبلوغي السن القانونية - بعد أربع وثلاثين عاما من العمل المنهك - لكن الإدارة المركزية أبت إلا ان تعينني رئيسا  (لمصلحة الاوقاف) فاجتهدت في الذب عن مصالحها ومنع ايدى الطمع من الامتداد الى املاك الاوقاف واراضيها الخصبة .

وبمجرد انتهاء الحرب الكبرى الثانية من البلاد التونسية انتخبت وزيرا ( للقلم ) وهو وظيف يشمل الاشراف على ادارة الشؤون الداخلية للبلاد ، والقيام بتحرير المهم من المكاتيب الدولية ومخاطبة ملوك الخارج وذلك فى 3 ماى سنة 1943 ، فشغلت هذا المنصب مع اخر البايات الحسينيين : محمد الامين .

وتخليت عن هذا المنصب نهائيا فى شهر يولية سنة 1947 ، ومن ذلك الحبن انقطعت عن الاشغال الادارية واقبلت على العمل فى تأليف الكبير " كتاب العمر " وكذلك السفر الى الاقطار الشرقية والغربية .

ولما نالت البلاد التونسية الاستقلال وفارق الموظفون الفرنسيون المصالح الادارية دعيت من جانب الحكومة التونسية الجديدة لرئاسة ما سمى ( بالمعهد القومي للآثار والفنون ) .

وفي سنة 1957 باشرت هذه المهمة الى عام 1962 ، فاقبلت على العمل بها بجد نادر مدة خمس سنوات متوالية ، وقد هيات بعض الشباب للمعاضدة حيث لو يبق من الموظفين الفرنسيين السابقين احد ، ويسر الله فى تلك الفينة ان نقلت مصلحة الإثار من محلها القديم ( ساباط سوق الفكة الى دار حسين ) الفريق التى كانت مقرا لقائد الجيش الفرنسى ولاركان حربه بساحة القصر وبعد ترميم الدار كما يحب ، اتخذت بقسمها الا على مكاتب الادارة وبقسمها الإسفل متحفا للفنون الإسلامية . ولم يكن لهذه الفنون ادنى حظ بين الاثار التونسية .

ومن من الله ان أسست في مدة رئاستي للآثار خمسة متاحف منها اربعة للاعلاق الاسلامية ( متحف على بورقيبة ) فى رباط المنستير ومتحف اسد ابن الفرات برباط سوسة - ومتحف ابراهيم بن الأغلب فى القيروان - ومتحف دار حسين الاسلامى المتقدم الذكر - ثم مستودع للاثار الكلاسيكية ( Antiqurium )بقرطاجنة في نفس بيت احد اعيان الرومان

  وقد زودت المتاحف العربية السالفة الذكر بكل ما جمعته خاصة نفسى منذ الصغر من الاعلاق النفيسة والتحف الاسلامية النادرة سواء اكانت مقتناة من تونس أم مشتراة من المشرق ومن عواصم أروبا .

  وفي تلك المدة نشرت في مختلف الجرائد والمجلات فصولا كثيرة وحرضت الباحثين عن الاثار لاخراج ما كتبوه بالعربية والفرنسية ، كما قدمت لصنفاتهم ببعض تمهيدات تاريخية وفلسفية وبمقدمات مناسبة ، وهى نحو العشرة مؤلفات فى شتى الاغراض الاثرية . اما الحياة العملية :

فقد تم لى المشاركة فى غالب " مؤتمرات المستشرفين " ابتداء من عام 1905 بعاصمة الجزائر وقدمت فيه بحثا عن " الاستيلاء العربى لصقلية "

وتعرفت هناك بثلة من العلماء المشاركين عربا كانوا او افرنجا ، فهم ) محمد فريد بك ( رئيس الحزب الوطني المصري اذ ذاك ، والشيخ ) عبد العزيز شاويش ( المشهور ، وهو تونسى الاصل ، وصارا من حينئذ من اكبر الاصدقا و ( حورج براون ) الانكليزى ، وكذلك المستر ( بيفن BIVAN )  و امروروز  Amerdros  ) و ( فولارس ( و ) نلدكى ( الالمانى ، و (كوديرا ) و (ريبييرا  Ribera ) وميقال آسين بالثيوس وثلاثتهم من اسبانيا - و ( لويس مسينيوس ) و ( وليم مرسى ( وصديقى المرحوم ( محمد بن ابي الشنب ( وغيرهم كثير جدا - وامتدت علاقتى بجميعهم بعد ذلك .

وفي سنة 1908 شاركت في مؤتمر ( كبنهاكن ) عاصمة الدنمارك ، ومن وجوه العلماء الذين تعرفت بهم هناك : اولا : جلالة الملك ( قستاف ادولف ) والبارون ) ماكس اوبنهائم ) الالماني وقولد زيهر ( Goldziher ) العالم النمساوى المشهور ، والاب ( لامنس ) لويس شيخو ( اليسوعيين وقد قمت بمعارضتهما فيما قدما من البحث حيث وصفا النبييء العربى الكريا بما لا يليق وافتريا عليه ، والملاحظ اني كنت المسلم الوحيد فى حضور هذا المؤتمر ، ولذا تجاسرا بابداء الطعن على الاسلام جهاز الذى عزمت على تقديمه هناك باللغة الفرنسية : ) مختلف العناصر التى يتكون منها الشعب التونسي ( وقد طبع بعد ذلك بتونس سنة 1917 فعدلت عر القاء بحثي لمعارضتهما وكان لمعارضتى للراهبين المتقدمين رنة كبيرة بين المؤتمرين وتأييد من جانب عظيم منهم .

وفي عام 1922 شاركت في مؤتمر باريس للمستشرقين الفرنسيين ، ثم المؤتمر المنعقد برباط الفتح بالمغرب سنة 1927 ثم مؤتمر كمبريتج بانكلترا ، واسطنبول ومونيخ في المانيا ، وفي جميعها كنت النائب عن الحكومة التونسية ودعت لحضور الندوات العلمية التى دارت بالبندقية ( فى معهد Comte Cini) وكذا ملتقى فيورينسة ) بايطاليا ( للتقارب بين المدنيات والاديان برئاسة الامير الحسن المغربي الشرفى ، وغير ذلك مما يطول تعداده .

ونبت عن الحكومة التونسية فى ( مؤتمر الموسيقى الشرقية ) المنعقد بالقاهرة فى افريل سنة 1932 ، وقد كنت تعرفت قبل ذلك فى سنة 1914 بالامير أحمد فؤاد نجل الخديوى اسماعيل فى نابلى بايطاليا قبل ان يصير ملكا لمصر .

وفي نظري ان الملك فؤاد كان - بلا نزاع - من اجل ملوك المسلمين ومن

اقواهم عزيمة وحيا لجمع كلمة العروبة والرغبة الصادقة فى الدفاع عن الحضارة الاسلامية مع الذكاء الوقاد الذي خصه الله به ، والثقافة الواسعة ، ٥ يخفى انه من حين استقرابوه اسماعيل باشا بلاد ايطاليا بعد التنازل عن الملك ، انخرط البرنس ) احمد فؤاد ( فى المدارس الحربية هناك ودرس بها إلى ان نال بكد يمينه رتبة اهبر الاى ( Colonel ) فى الخيالة ، بلا محاباة ولا مراعاة لإصالته ، وكان يحسن اللغة الايطالية كاحد ابنائها ، وكذا اللسان الفرنسي مع نبرة ايطالية واضحة للسامع .

وقد سألني - مرة تعمده الله برحمته - ونحن نتغدى على مائدته بقصر القبة بمحضر وزيره الاكبر ( محمد محمود ) عن حالة المغرب وتقسيماته ونظامه الإداري ، فاخذت في الوصف بما يناسب المقام ، واشتغلت بالكلام عن الطعام فالتفت الى وقال : حملتك مشقة الكلام كثيرا فلم تأكل الا قليلا .

فأجبته بقول :

يا افندينا . موائد الملوك انما هي للشرف لا للعلف فانبسط منها كثيرا . وسألني مرة اخرى : - كيف وجدت مصر ؟ فكان جوابى :

- يا افندينا . سئل أبو العباس المقرى المغربي مصنف كتاب - نفح الطيب - مما شاهده بمصر حين زارها فأجاب : ) من لم يزر مصر لا يعرف عز الاسلام وانا اقول بقوله ولا احييد عنه . ولا ننسى ان الملك فؤاد كانت له مواقف حاسمة للحصول على الاستقلال بمصر وكذا فى الدفاع عن العروبة جملة وليس ، هنا محل بسطها وشرحها ، رحمة الله عليه وجزاه الجزاء الاوفى ، وفى المثل المطروق : ( النار تترك الرماد ) .

وهو الذي عينني عضوا دائما فى ( مجمع اللغة العربية ) لاول تأسيسه آخر سنة 1932 ، وانا اليوم آخر من بقى من الاعضاء الاولين للمجمع ، وكنا فى البداية عشرين عضوا لا غير ، عشرة من المصريين ، وخمسة من الشرقيين وخمسة من المستشرقين . وقد شاركت بقدر الاستطاعة فى الابحاث والمناقشات الدائرة فى المجمع منذ التأسيس ، ولا سيما عندما اثيرت الدعوة لابدال الحروف العربية بغيرها .

اما اللغات التى احسنها فهي اولا وبالذات العربية لغة اهل وقومي ثم الفرنسية ، وقليلا من الايطالية ، وكذا من التركية .

أما عنابتي بالثقافة وبث وسائلها داخل البلاد التونسية ، فقد درست

التاريخ العام وخاصة التونسي في الخلدونية من سنة 1905 الى سنة 1924 بعد المرحوم البشير صفر ، وكذا فى المدرسة العليا للغة والاداب العربية ( بسوق العطارين ) من سنة 1913 إلى آخر 1924 ) .

ومنحتنى جامعة العلوم بالقاهرة لقب الدكتوراه الفخرية فى سنة 1950 كما منحت ذلك اللقب من العلوم العلوم الجزائرية ( ودعيت للحضور بنفسى سنة 1960 فلم احب حيث كانت حرب التحرير قائمة على ساق حينئذ .

وسميت عضوا مشاركا في ) المجمع الفرنسي للنقائش والفنون الجميلة منذ سنة ، وكذا فى المعهد المصرى وعضوا مراسلا ( للمعهد التاريخ الاساني ) منذ اربعين عاما وعضوا فى كل من ( المجمع العلمي العربى بدمشق ) منذ تأسيسه ، وكذا فى ( المجمع العلمي العراقي ) فى بغداد ، وغير ذلك .

اما اسفارى :

فالى جميع القارة الاروبية بادخال البلاد الروسية حيث دعيت من مجمعها العلمى ، فزرت علاوة عن موسكو جمهورية الازبكستان ( تاشقند وهي بلاد الشاش قديما وسمرقند حيث ضريح الصحابي الفاتح ( قنم بن العباس بن كبد المطلب ) ابن عم الرسول و ( بخارى ) حيث ضريح الامام محمد بن اسماعيل البخارى .

وفيما عدا ذلك تجولت في ممالك الشرق الادنى فى سائر اقطار اروبا جنوبا وشمالا وشرقا وغربيا . كما طفت بجميع اقطار شمال افريقية من المحيط الاطلنطي الى قناة السويس .

وححت ثلاث ححات ، اولها سنة 1935 ، وتعرفت مليا بالملك المرحوم عبد العزيز آل سعود وقد انابت فى المرة الثانية الدولة التونسية لتقدم رسالة من الباى أحمد الثاني مع أوسمة مرصعة بالحجارة الكريمة وهدايا اهلية معتبرة ، فقبلني بحفاوة زائدة واقمت ضيفا على السعودية واستفدت من محادثات الملك بكثير من اخباره وقيامه بالدعوة لاسرته وفتوحه وتوحيد للمملكة العربية الشمالية وكانت حجتي الاخيرة فى خلال سنة 1950 ( وانا رئيس للاوقاف فى تونس ) .

وفي اثناء احدى تلك الحجج تعرفت بالمستعرب الانكليزى المسلمانى ( عبد الله فيلبى ) ولا انسى انه كان افادني كثيرا عن جولته العلمية فى الربع الخالي والاحقاف من الجزيرة العربية تلك الجولة التى قطع معظمها فى سارة وعلى الحمال ، وقد ادرج فيها كتابا مفيدا جدا ، هو عمدة الباحثين عن خفايا الجزيرة وجهاتها المجهولة .

وانى لاعتذر كثيرا اذ انى اطلت فى ذكر حياتي وملابساتها ، وما هى باحسن من غيرها .

ولكن البلاد اذا اقشعرت وصوح نبتها رعي الهشيم ويعلم الله كم يخجلني ان اكون مثل بعض الإحباب وهو الان من الاموات كان يكتب على بطاقة زيارته اسماء كل الجمعيات التى كان مشتركا فيها ، ويرسم بآخر البطاقة ( انظر محوله ) لان وجه الورقة غير كاف لاحتواء جميع الجمعيات والمؤسسات التى هو عضو فيها ، ولو اردت احصاء احبابي فى الشرق والغرب للزمنى دفتر خاص ذو صفحات عديدة ، وفيما ذكرت كفاية ، بل ربما كان من التطويل الممل .

  وما أنزه نفسي فان النفس امارة بالسوء ، واليه سبحانه اضرع ان يتغمدنى برحمة منه ، وان يستر عيوبى ما ظهر منها وما بطن ، بفضله تعالى وكرمه .

مؤلفات باللغة العربية :

( العقيق ، فى حضارة القيروان وشاعرها ابن رشيق ) طبع تونس 1912 ) خلاصة تاريخ تونس ( طبعة اولى : تونس 1918 - وثانية 1930 وثالثة بتونس سنة 1953 .

( المنتخب المدرسي من الادب التونسي ) ط اولى 1908 بتونس : وثانية فى المطبعة الاميرية المصرية سنة 1944

( الارشاد الى قواعد الاقتصاد ) طبعة تونس 1919

( شهيرات التونسيات ) - تونس ط اولى 1934 - وثانية بتونس 1966

(الامام المازري ( ترجمة حياته م بحث عن تسلسل السند العلمي في تونس منذ الفتح العربى ) طبعة تونس  1955

) ورقات عن الحضارة العربية بافريقية التونسية جزء أول ط تونس 1965 ورقات عن الحضارة العربية التونسية جزء ثان ( ط تونس 1966

نشريات محققة :

الانتقاد مقامات فى النقد الادبي ( لمحمد بن شرف القيروانى ، طبع دمشق 1912

( ملقى السبيل  ) (فى الوعظ والحكم ) لابى العلاء المعرى

  ( اعمال الاعلام ) ( قسم تاريخ افريقية وصقلية ) لابن الخطيب الاندلسى طبع بلرمو بصقلية 1910

  ( وصف افريقيا والاندلس ) الآبن فضل الله العمري طبع تونس سنة 1920

كتاب ( يقعول ) بحث لغوى للصاغاني ، طبع تونس سنة 1924

  ( التبصر بالتحارة ) للحاحظ - ط ٩ بدمشق 1933-٥ و ثانية بمصر 1935 - وثالثة ببيروت 1966

  (الجمانة فى ازالة الرطانة ) (فى اللهجة الاندلسية والتونسية ) لمجهول ، ط المعهد العلمي بمصر

( اداب المعلمين ) هو ما دون محمد بن سحنون عن أبيه - ط تونس 1934 ( 1350 )

( رحلة التجاني ) ( فى البلاد التونسية وطرابلس ) لعبد الله التحاني ط تونس 1958

مصنفات وابحاث باللغة الفرنسية :

( الاستيلاء الاسلامي على صقلية ) ط تونس 1905 ( امتزاج العناصر التى يتألف منها الشعب التونسي - ط تونس 1917 تقدم الموسيقى العربية بالمشرق والمغرب والاندلس ط تونس 1918 ( مشاهد عيان لفتح الاندلس - ط تونس 1932 منعرج في تاريخ الاغالبة ( ثورة الطنبذى ) ط تونس 1937 بحث دينارين نرمانيين ضربا بالمهدية - ط تونس 1930 مدائن اضمحلت من البلاد التونسية - ط باريس الجهة الوسطى من البلاد التونسية ( قمودة ) فى القرون الوسطى - ط تونس

تابين الاستاذ وليم مرسى بتونس ط - تونس

هذا عد ما نشر من الفصول فى ( دائرة المعارف الاسلامية ) بالفرنسية وكذا من الابحاث فى المجلات العلمية والادبية فى المغرب والمشرق وفي اروبا "

* ما نشرته للمؤرخ الفقيد حسن حسنى عبد الوهاب :

* جائــــــزة الرئيس بورقيبـــة :

العمران العربي في افريقية التونسية ( السنة الثانية - العدد 6 - ص 2 ) رواة اللغة والأدب بافريقية فى العصر العربى الأول ( السنة الثانية - العدد 8 - ص 37 )

- الطب العربي في افريقية ( السنة الثالثة - العدد 10 - ص 7 ) - التفاشي القفصى ( السنة الرابعة - العدد 9 - ص 4 ) - النهشلي ( السنة الرابعة - العدد 10 - ص 5 ) - المصاهرات بين افريقية والعراق ( السنة السابعة - العدد 4 - ص 2 ) - مذاهب الشعر فى كلام الأعراب - 1 - ( السنة الثامنة - العدد 10 - ص 19 - مذاهب الشعر في كلام الأعراب - 2 - ( السنة التاسعة - العدد 1 - ص 7 ) - مكني أم مكنيني ( السنة التاسعة - العدد 2 - ص 10 ) - شهامة النساء القيروانيات ( السنة الثالثة عشرة - العدد 1 - ص 3 )

رحم الله الفقيد ورزق أهله والعائلة الثقافية الصبر والسلوان . وأسرة الفكر ، إذ تعزي نفسها وقد كان الفقيد عضوا من أعضائها لا ينقطع عن المساهمة بمقالاته ودراساته منذ تأسيس المجلة ، فهى عازمة على أن توفى المؤرخ حسن حسنى عبد الوهاب حقه من التعريف والدرس .

. الاستاذ بلات في تونس :

زار المستشرق الكبير شارل بلات تونس فى الايام الاخيرة . وهو الاستاذ والباحث الفرنسي الذي عرفه أهل العربية بدراساته حول الجاحظ وتحقيقاته آثاره .

وقد أجرت صفحة أدب وثقافة من جريدة العمل الصادرة يوم الجمعة 25 اكتوبر 1968 حديثا مع المستشرق الكبير تناول مواضيع عديدة منها الجامعة والطلبة ومشاكل العربية وخصائص الادب النسائى والادب الجزائرى . كما نفضل الاستاذ بابداء رأيه فى الادب التونسى فقال :

" إن مجلة الفكر قد أصبحت بحق الممثلة الاولى للادب التونسى وهى على مستوى مشرف ولأعبر لك عن شدة تعلقى بها أعلمك بأنى وافقت على موضوع بحث جامعي سحاول صاحبه أن يحدد فية الاتجاهات الشعرية خلال السنوات العشرة الاولى من حياة " الفكر " " .

وتحدث المستشرق شارل بلات عن الكتب فى تونس فقال : " إنه ينتظر رائعة أدبية " .

ونحن لا يسعنا إلا أن نشكر الاستاذ على حسن ظنه بالعمل الذى تقوم به مجلة " الفكر " لتمثيل الادب التونسي وإظهاره حيا ناميا فى اطراد كما أننا نشكره على تفاؤله وإيمانه بأن هذه التربة قادرة على أن تنبت الروائع .

* مجلة اللقاء " :

ورد علينا من المغرب الاقصى عددان من مجلة " اللقاء " التى تصدرها وزارة الدولة بالمملكة المغربية وهما حافلان بالدراسات والمقالات حول التاريخ والادب والاجتماع والاقتصاد والفلسفة والسياسة والتربية .

* مجلة " جوهر الاسلام "

صدر العدد الرابع من محلة " جوهر الاسلام " التى يديرها الاستاذ الشيخ الحبيب المستاوى . وهذا العدد حافل مثل الاعداد التى سبقته بالمقالات فى الدين والادب . نتمنى للمجلة النمو وطول العمر .

* منزلة الشاعر العربى المعاصر :

كتب الاديب المعروف زكى المحاسني مقالا بمجلة " الكتاب العراقية " العدد لثاني من السنة الرابعة تحت عنوان : " قيمة الشعر المعاصر " فأثار مسألة همال الشعراء المعاصرين وتنكر الجمهور لهم فى بلاده فقال :

وتمضى ديار الشام بسوق الادب فى همة وتحفز وأسال نفسي أين دواوين شعرائنا الافذاذ ؟ ان بعضا منهم نشروا طوائف من شعرهم فبذلوا فى

نشرها مالهم . ولم يتقدم اليهم وسيط ينسيهم تعب السنين فى صوغ ذلك الشعر الجميل . وظل الآخرون وقد اسن منهم من اسن . وكاد يجتاز الكهولة من يتهيأ لها ، وليس لاحد منهم ديوان شعر مطبوع . ولو جئت تسألهم عن شعرهم لحبروك ثم احزنوك فان فريقا منهم لا يعرف اين مصير شعره . انه موزع في الصحف والمجلات . وآخر جمع منه قصاصات ضاع أكثرها ، وثالث طلع على الناس بشعر رائق ثم جفاه واطرحه ، ورابع راح يبحث عن شعره الضائع وليس عند احد منهم مجموع مرتب حسب السنين ينام فى مخطوطة فهو ينتظر يوما تطلع عليه فيه شمس المطبعة . ولا كتب احد منهم تاريخ حياته بقلمه ، ولا كتبها له احد ، ولست ادرى ما ينتظر هؤلاء من ضيعة الآثار وتشتت الاخبار . ولولا ان بعضا منهم قد كتب لهم ان تطبع بعد موتهم آثارهم لما وجدت فيهم عزاء .

وانى لعذيرهم ، فلقد أحس جراحهم ، وأعرف مواجعهم جميعا ، أن قولتهم الواحدة هي هذه الكلمة ، هات من يقدر الادب .

كذلك انطوى شعراؤنا على انفسهم ينفسون كرهم بين عام وعام بقصيدة أو بتأليف كتاب فى الادب ، أو نشر مقالات فى الفن أو بعث مخطوط من سباته العميق . ويظل الناس على جنوحهم فى الانصراف عن ادب المعاصرين الى آثار الاقدمين . فهم ابدا ينظرون الى الوراء ، وينتظرون ان يطبق الموت جفن الاديب المعاصر ليضموه الى اسماء الغابرين ، وحين ذلك يقبلون على أثاره ، ويبحثون فى اخباره ، وليس له من ذنب ، وليس لهم من عذر الا ان الموت طبع على اسمه بميسم الرصاص الخالد ، وكم كنت اتمنى ان اعلل هذه الظاهرة النفسية حتى اهتديت الى تعليل لست ادرى ان كان علماء النفس سيقروننى عليه أو يخالفون عن تفكيرى فيه وهو ان الاحياء متحاسدون فالاديب يحسد مثيله والشاعر ينفس على ضريعه سعادته ولو نال مثلها - وكم برن فى سمعى صوت آت الى من اعماق العصور هو صوت أبى الطيب المتنبى حيث يقول :

ولو انى حسدت على نفس        لجدت به لذى الجد العثور

ولكنى حسدت على حياتي        وما خير الحياة بلا سرور

وكيف بالاحياء الحاسدين ان يكرموا المحسود الحي . لكنه اذا مات وصار رهن العدم اقبلوا على تكريمه بين محب ومبغض لان الموت يغسل الادران ويطهر الانسان .

وكم يشوقنى ان يحظى العباقرة بتكريم آثارهم وهم احياء يرزقون .

* جولة الفكر :

جاء فى جريدة " الاخبار " القاهرة الصادرة فى 9 نوفمبر 1968 عرض لمحلات عربية ثلاث ( البيان الكويتية والمعرفة السورية والفكر التونسيه ) بقلم : نعمان عاشور .

احبينا ان ننقل فى هذا الركن لقرائنا القسم الخاص بمجلة الفكر :

هذا عرض لثلاث مجلات ادبية . . تصدر فى بلاد عربية مختلفة ، ولكنها ذات طابع واحد . . لان كلا منها على قدر ما وعيت . . هي المنبر الذى يعبر عن ادياء كل بلد ، وهي تشبه فى عمومها . . مجلة الرسالة او الفكر المعاصر . .  وربما محلة المحلة . . وذلك من ناحية الاهتمامات وربما الى حد كبير اختيار الموضوعات . . والمتحه . . وأيضا التويب . . وتختص جميعا . . بنشر المقالات التوجيهية عن الأدب . . والنقد الادبي . . ومختارات من احدث قصائد الشعر . . والقصة . . والمسرحية . . ثم الدراسات والبحوث النظرية . وعرض للكتب الجديدة وهكذا . .

ومجلة الفكر تمتاز بانها منسقة فى تبويبها وتغطى الكثير من الابواب الادبية . . لكنها لا تتمسك بالطابع الادبي الخالص . . وانما تجنح الى المجال الثقافي العام . . وفيها ابواب للشعر والقصة والنقد . . ومقالات متعددة فى موضوعات التعليم والآثار وعلم النفس والتاريخ ، وتهتم كالمعرفة .

هذه صورة مبسطة للاعداد الاخيرة من المجلات العربية الثلاث التى أتيح لى قراءتها . . وكم اتمنى لو اهتم اخواننا الادباء والشعراء والخالقون بتتبعها كمنابر حية معبرة عما يعتمد داخل أوطاننا العربية من تفتح ادبى وفكرى . . ثم لماذا لا تحرص جمعية الادباء عندنا على خلق صلات دائمة مع مثل هذه لمجلات تحقيقا لما رسمه مؤتمر الادباء الاخير المنعقد فى القاهرة . . وما اصدره من بيانات اظنها لا تزال حبرا على ورق . . حتى ولو كانت قد طبعت . .

" الفكر " :

نشكر الزميل على هذه المشاعر ونشاطره اقتراحاته ونرجو أن يولى الادباء فى المشرق - وخاصة فى الشقيقة مصر - كل عنايتهم بما ينشر بتونس ونحن لا نزال حريصين على توثيق الصلة بين الادباء التونسيين وبين اخوانهم فى كافة البلاد العربية خدمة للفكر العربى .

اشترك في نشرتنا البريدية