تولى الرئيس الحبيب بورقيبة في حفل توزيع جوائز عكاظية 1973 تقليد الفائزين الأوائل الصنف الاول من وسام الاستحقاق الثقافي ، كما أهداهم صورته وسلم كل شاعر مبلغ ألف دينار .
وقد فضل الشاعر مفدى زكر باء اهداء مبلغ الجائزة إلى الاتحاد القومى للمكفوفين التونسيين ، وخاطب رئيس الدولة بقوله : " إنى تتبعت كفاحكم منذ أربعين سنة وأعتبر ان مشاعرى نحوكم ومشاعركم نحوى فوق الجوائز وان أثمن جائزة تلقيتها منكم منذ سنين حبكم الخالد ، هذا الحب الذي أضعه إلى جانب وسام الاستقلال الذى قلدتمونى إياه فى الماضي . وإني اتبرع بالجائزة المالية للاتحاد القومي للمكفوفين على يدى رئيسته الشرفية الماجدة حرمكم " .
ثم تولى رئيس الدولة تسليم بقية الجوائز وهى تتمثل فى مبلغ 500 دينار ، والصنف الثاني من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة الثانية من الفائزين . و600دينار والصنف الثاني من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة الثالثة من الفائزين ، و 500 دينار والصنف الثاني من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للجموعة الرابعة ، و 30 دينار والصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة الخامسة ، و 100 دينار والصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة السادسة و50 دينارا والصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة السابعة ، و 25 دينارا والصنف الرابع من وسام الاستحقاق الثقافي بالنسبة للمجموعة السابعة من الفائزين
كما قلد رئيس الدولة أعضاء لحنة التحكيم الصنف الثاني من وسام الاستحقاق الثقافي وهم السادة : الصادق مازيغ ، والهادى العبيدى ، ومحمد المرزوقي ، وعبد المجيد بن جدو ، ونور الدين صمود ، ومحمد النيفر وأسند لهم جوائز مالية .
* قبل الشروع فى توزيع الجوائز وقبل القاء الشاعر أحمد اللغمانى لقصيده توجه اليه فخامة الرئيس قائلا :
" السيد أحمد اللغمانى كان عضوا فى لجنة التحكيم ، ولم يول أهمية للجائزة المالية التى مقدارها الف دينار ، ولكنه قرر الانفصال عن لجنة التحكيم عندما بلغ لعلمه ان الهدايا تتضمن صورة تذكارية مذهبة تمثل رئيس الدولة وهي بمقدار عشرة دنانير وساهم فى العكاظية واحرز على المرتبة الاولى ، لكن اللغمانى يكفيه فخرا انه كان صاحب القصيدة الرائعة التى القاها عام 1964 وخاطب فيها " البرج " بمناسبة مرور ثلاثين سنة على اعتقالى ببرج البوف وقد اذنت بنقش القصيدة على الرخام حتى تبقى خالدة مدى الاجيال . اما هذه المرة فجادت قريحة الشاعر بقصيدة اخرى لا تقل روعة عن قصيد " البرج " . "
* وبعد القاء الشاعر أحمد اللغماني لقصيده توجه اليه فخامة الرئيس ثانية بقوله :
" ان ما سأقوله لك يهم البلاد ، ذلك انى احرص على الاستماع الى الاذاعة فى كل وقت والسيد أحمد اللغمانى يشغل فيها خطة مدير البرامج وقد لاحظت ان كل البرامج الاذاعية ، بدون استثناء لا تخلو من فائدة ومن عبر ومن مواضيع تهم الشعب ، ولذلك حرصت على ان يعجل بدعم الاجهزة الاذاعية حتى يتيسر تبليغ صوت تونس الى كل بلدان المعمورة ، خدمة لتونس ولمستمعي الاذاعة ومن بين البرامج الاذاعية ، برنامج لطيف جدا بعنوان " سؤال وجواب " وجه فيه سؤال للسيد أحمد اللغمانى صادر عن امرأة تنتمى الى سلك التعليم وتوجهت هذه المستمعة بانتقاد الى الاذاعة لان برامجها لا تتضمن احاديث حول الحركة الوطنية بما يشفى الغليل ، وخاطب السيد أحمد اللغمانى تلك المرأة داعيا اياها الى المساهمة بواسطة الاذاعة فى التعريف بالحركة اذا توفرت لديها المعلومات الكافية ، واريد ان اضيف الى هذه الاجابة كلمة اخرى فأقول ان اساتذة التاريخ يبحثون تاريخ الحركة الوطنية التونسية استنادا على المصادر والوثائق . ففي وسعهم ان يقصدوني ويستفسروني ما دمت حيا موجودا بينهم عن بدء الحركة الوطنية وليتأكدوا انهم سيحصلون منى على معلومات وحقائق لن يعثروا لها على اثر فى الكتب والوثائق لان هناك امورا لا يعرفها احد غيرى ، ومن ذلك انى كنت قبل برهة بصدد الاستماع لبرنامج يبث مباشرة من الاذاعة تناول موضوع الصحافة واشار الى انى بدأت العمل الصحافى فى صحيفة " لاكسيون تونيزيان " ) العمل التونسى ( بينما انا
بدأت في الواقع في صحيفة " ليتندار تونيزيان " ) العلم التونسي ( التى كان يديرها الشاذلى خير الله وكان اول فصل نشرته فيها يعالج مسألة الحجاب مما اثار مشادة بيني وبين المرحوم محمد نعمان . فليقصدني في اى وقت من يتوق إلى التعمق في جذور الحركة الوطنية وسيجد منى - انا رئيس الجمهورية الاستعداد الكامل للاجابة عن الاسئلة ، بل انا اكثر من ذلك مستعد لتخصيص ساعة او اثنتين اسبوعيا احاضر اثناءهما عن الحركة الوطنية والصحافة الوطنية ، فالاجدر بذلك هو من صنع التاريخ فى تونس واوجدها من العدم وبني اسسها حتى استقامت دولة منيعة خفق علمها فى ساحة " ليزنفاليد " فى باريس اثناء زيارتي الرسمية لفرنسا حيث ابتهجت الحكومة الفرنسية باستقبالى بصفة رسمية واعدت لى قصرا من قصور الجمهورية الفرنسية بينما كان نصيبى فى عهد الكفاح السجون الفرنسية التى قضيت فيها شبابى كسجن سان نيكولا وغيره .
ان حياتي مفعمة بالتناقضات والتقلبات الى درجة يستحيل معها وجود مثلها فى التاريخ منذ آلاف السنين ، فانا طفل فقير يتيم تقريبا كنت اصغر اخوتى وتمكنت بعد دورة الزمن من هدم الاستعمار الفرنسى وتقويض العرش الحسينى ، اصبحت رئيس الجمهورية فى تونس . فانا مصر على ان يدرك الشعب حقيقة الامور وجوهر الحقائق واردد القول انى مستعد فى اى وقت كان لتخصيص ساعة في الاسبوع استقبل خلالها كل الذين يريدون الاطلاع على كنه الامور واسبابها ومسبباتها فهذا الدماغ الذي سيصبح ترابا بعد عقود من السنين هو الذي انشأ استراتيجية تمكنت بفضلها وبفضل سواعد التونسيين وتضحياتهم من القضاء على الاستعمار وتحريرنا دون اعانة من اى كان وبعد ثلاثة اشهر من استقلال تونس اندلعت الثورة الجزائرية واخذت افريقيا طريقها للحرية بواسطة الاستفتاء بينما نحن قضينا فى تونس ربع قرن فى السجون والمنافى ومحاولات الاغتيال ، هذا ما اردت ذكره لكم بهذه المناسبة بحضور السيد احمد اللغمانى مدير البرامج الاذاعية
* علاوة عن الجوائز المالية التى منحت للفائزين قرر السيد رئيس الجمهورية أن تنحت قصائد الشعراء الستة الفائزين بالجائزة الاولى على الرخام وأن تحمل هذه القصائد الست تواقيع أصحابها وأسماء مدنهم أو قراهم وتحتها ما يلى : " قيلت هذه القصيدة بمناسبة العيد السبعين لميلاد الرئيس الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية أمامه فى قصر الرئاسة بالمنستير " ، وتعطي هذه اللوحات الرخامية لأصحاب القصائد كي توضع فى محلات عامة كالمساجد فى مدنهم أو قراهم
الدكتور طه حسين فى ذمة الله :
انتقل الى رحمة الله يوم الاحد الاخير من الشهر الماضى ( 28 أكتوبر ) الدكتور طه حسين ذلك الرجل الذي أعطى للادب العربى المعاصر نفسا جديدا وأبعادا عالمية . توفى طه حسين فهوى بموته طود شامخ واكب الحركة الفكرية والادبية العربية منذ بداية القرن العشرين وفتح لها نوافذ منعشة على روائع الفكر الغربى ، والفرنسى خاصة .
ولد الدكتور طه حسين بصعيد مصر فى أول سنة 1880 لأسرة فقيرة رزقت سبعة أبناء كان هو أصغرهم سنا . وأصيب فى الثالثة من عمره بفقد بصره فأصبح كفيفا ، وهو لم ير بعد من الدنيا الا صورا بسيطة ساذجة
التحق منذ شبابه بالازهر حيث برزت ملكاته ومواهبه ، وما كاد يخرج من أروقة الازهر حتى كانت عقليته قد أخذت في التمرد على التقاليد والأوضاع المتوارثة وأساليب الحياة النقلية العتيقة ، فاشتهر بأنه داعية التجديد وزعيم المتمردين على القديم البالي
ن المجالات التى امتد اليها نشاط طه حسين فى الخمسين سنة الماضية صعبة الحصر ، إنما تكفى الاشارة الى انه تولى رئاسة اللجنة الدائمة للثقافة فى الجامعة العربية ورئاسة التحرير فى جريدة الجمهورية ، وعضوية مجمع اللغة العربية ثم رئاسة المجمع حتى الآن ، ثم عضوية عدة لجان فى المجلس الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية ، وهكذا لم يترك مجالا للعمل فى الحياة الادبية والثقافية فى مصر الا وكان له فيه أثر خالد .
هذا وإن الباحث فى حياه طه حسين والمستعرض لأعماله الفكرية والمتقصى لأثره فى حياة مصر والبلاد العربية يجد فيها الرمز الذى يجسد الصورة الكاملة للأديب الناضج والمفكر الحر المؤثر في بيئته ، والذي ساهم بكتاباته فى فتح الآفاق الواسعة أمام الناس ووضع الاساس للحضارة والبناء فى هذه الرقعة الهامة والحيوية من العالم
* وفاة الباحث التونسي الدكتور الطاهر الخميري :
توفى يوم الاحد الاخير من الشهر الماضى ( 28 أكتوبر ) الباحث التونسى والاديب المعروف الدكتور الطاهر الخميرى بعد أن قضى سنوات كلها جد وعمل مثمر في خدمة الثقافة التونسية خاصة والآداب العربية على العموم .
والدكتور الخميري من مواليد عاصمة تونس في 25 ديسمبر 1904 . أما دراسته فكانت باحدى المدارس القرآنية ثم بجامع الزيتونة والخلدونية
وتحول بعد ذلك الى بريطانيا لتوسيع معارفه ، ومنها الى المانيا حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة همبورغ سنة 1936 ، وأحرز فى العام الموالي على شهادة الاستاذية فى العلوم الحية من نفس الجامعة .
ويجيد الدكتور الخميري زيادة عن اللغة العربية ثمانى لغات هى : العبرية ، واليونانية ، واللاتينية ، والتركية ، والانقليزية ، والالمانية ، والفارسيه ، والاشورية . وقد درس بالجامعة الاميركية بالقاهرة ( من 1926 الى 1930 ) ، وعين محاضرا بجامعة همبورغ ( من 1930 الى 1937 ) ثم كلف سنه 1950 بادارة قسم شمال افريقيا فى المكتب العربي بلندن . وقام على إثر ذلك برحلات دراسية الى كل من الشرق الاقصى وشمال افريقية .
قام بتدريس اللغة الانقليزية فترة بتونس الى جانب نشاطه الادبي في ميدان التأليف والترجمة والانتاج الاذاعي ، وقد تألق بانتاجه المسرحي الذي نذكر منه بالخصوص ترجمة ( هاملت ) لويليام شكسبير ، كما اشتهرت حصصه الاذاعية وبحوثه فى ميدان الامثال الشعبية .
وقد ترك الفقيد عددا من المؤلفات - بالانقليزية والالمانية على الخصوص - وجملة من البحوث والمقالات سواء منها ما نشره فى مجلة " الفكر " - وقد كتب فيها منذ إنشائها - أو ما نشره فى مختلف الصحف والمجلات التونسية .
. وزير الشؤون الثقافية يؤبن الدكتور الخميري الدكتور الخميري :
شيعت جنازة الفقيد الدكتور الطاهر الخميرى الى مقبرة الزلاج فى موكب خاشع حضره السيد الشاذلى القليبى وزير الشؤون الثقافية والسيد محمد مزالى وزير الصحة العمومية ومدير مجلة " الفكر " ورئيس اتحاد الكتاب التونسيين وجمع غفير من رجال الفكر والعلم والادب .
وألقى السيد الشاذلى القليبي كلمة أبن فيها الفقيد ، هذا نصها :
هذا علم آخر من أعلام تونس الافذاذ ينتقل الى دار الخلد بعد حياة مليئة بالعمل والجهد والكد لم ين فيها ولم يستسلم للدعة ولم يخلد للراحة وهو الدكتور الطاهر الخميري تقبله الله برحمته وغفرانه .
لقد كان الدكتور الخميرى شخصية فريدة اعتمدت فيها مؤثرات مختلفة فتآلفت حتى انصهرت فاخرجت انموذجا من التفكير له من طرافة الحس ودقة النظر ولطف الخاطر ما بوأه مكانة ممتازة فى أدبنا التونسي .
كان شرقيا فى احساسه غربيا فى معالجته للامور دون ان تشعر بان بين هذه وذاك قطيعة ذلك ان الدكتور الخميرى وفق الى ابعد حد فيما فشل فيه
الكثير من أمثاله وهو التوفيق بين ما تغذى به من ثقافة عربية منذ نعومة اظافره وبين ما تلقاه فى الخلدونية ثم فى اوروبا من تكوين غير وجهة نظره الى الاشياء ومكنه من سلاح ذهنى سوف يكون له أبلغ الاثر فى تكييف أبحاثه اللغوية وتوجيه دراساته الاجتماعية .
ولا اظن انه من المبالغة فى شئ ان نقول عن الدكتور الخميري انه فى كل تلك الابحاث والدراسات كان مفكرا من اولئك الذين اذا ارادوا تحليل مشكل من المشاكل صوروا مظاهره واحاطوا بها من كل جانب دون تصريح برأى مباشر او عرض لنظرية مجردة وانما هى الصورة تلو الصورة كلمسات فنان يعالج الظاهرة فيستكنه منها الباطن في موضوعية وتجرد وفي نفاذ وعمق معا .
واول ما اشتهر به الفقيد بعد رجوعه الى الوطن معالجته لبعض مشاكلنا الاجتماعية فاذا هي تلوح لنا من خلال كتاباته من زاوية لم نتعود النظر منها اليها من قبل وإذا نظرنا إلى ما الفناه من عادات وتقاليد إذا نظرنا اليها جديد واذا هي غريبة عنا كاننا فى عهدنا بها قبل ذلك كنا ننظر اليها ولا نراها ونمارسها ولا نفقهها ثم من اهم ما اهتم به الدكتور الخميرى دراسة اللهجة التونسية فى صيغها وامثالها غيرة على لغة هي من اقرب اللهجات العربية الى الفصحى ولكنها فى طريق التلاشى بسبب ما دخلها من عجمة وما اصابها من تشويه فاذا هي تفقد طلاوتها وحتى من قدرتها على التعبير والافصاح
وللدكتور الخميري زيادة عن كل ذلك اشغال جارية تحتاج الآن الى من يواصلها بعده حتى لا تضيع ثمرة جهود استغرقت عقودا من حياة عالم من اقدر علمائنا على البحث والتنقيب .
ثم ان للفقيد فضلا على المسرح التونسي الجديد لا بد من ذكره هنا والاشادة به حق قدره فقد تولى بطلب من المرحوم على بن عياد تعريب عدد غير قليل من المسرحيات من اللسان الانقليزى اغلبها لشكسبير فكانت لغة الخميرى فى ادائه لهذه النصوص رائعة دقيقة سلسلة متينة وهي خصال قل ان اجتمعت لمعرب غيره .
هذا وهل يمكن ان نغفل ناحية من شخصية الدكتور الطاهر الخميرى لعلها كانت اكثر اشتهارا واعلق بقلوب الكثيرين
فقد كان طيب النفس طيب الحديث حسن المعاشرة يتناقل عنه الناس نوادره التى يرويها فى اسماره ولطائفه التى يمزج بها محاوراته فكان يتجلى من ظرفه وخفة روحه ما يزيد فى جاذبية المفكر ورغبة الناس فى لقائه .
ندعو الله عز وجل ان يتقبله بعفوه وغفرانه وان يدخله فى رحمته انه على كل شئ قدير .

