الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

أصداء الفكر

Share

. حل الاستاذ روبرت برنشفيك بتونس فى أوائل الشهر لالقاء دروس على طلبة الجامعة التونسية ودار المعلمين العليا ، وستمتد اقامة الاستاذ برنشفيك الى آخر شهر مارس يقدم أثناءها محاضرتين على منبر دار الثقافة عن ( المحاسبى ) و ( ابن رشد) .

. نظم معهد قرطاج سلسلة من المحاضرات الفلسفية طيلة شهر مارس افتتحها الاب جوليفى بمسامرات حول فلسفات جان بول سارتر ومرلو بنتى والبير كامو .

. أقام نادى أبى القاسم الشابى ندوة عن أبى القاسم الشابى يوم السبت 16 مارس بقاعة الافراح بالوردية شارك فيها جمع من آلادباء والشعراء

* بشرى للادباء

يقوم الاستاذ محمد المرزوقى هذه الايام بنشاط كبير ، فقد علم القراء ان الشاعر الاديب قدم للطبع ديوانه ( يقايا شباب ) وكتابا ضخما عن مدينة قابس ، وبشرنا الاستاذ المرزوقى انه على وشك طبع مجلد ضخم عن شاعر القيروان ( الحصرى ) : حياته - تراثه .

وقد حقق الاستاذ محمد المرزوقى بالاشتراك مع الاستاذ الجيلانى بالحاج يحيى ديوان الحصرى ( اقتراح القريح واجتراح الجريح ) وهو مرثية كبرى مرتبة على حروف الهجاء بكى فيها الشاعر ابنه عبد الغني - ولا يخفى على ألادباء ما ستحتله هذه المرثية من مكانة فى أدب الرثاء ، وها نحن نشوق القراء لكتاب الاستاذين المرزوقى وابن الحاج يحيى ونقدم لهم قطعة من رثاء الحصرى :

وفيت بعهدى والليالى  غوادر

         وجدت بنفسى والزمان بخيل

وآترك ديني واقتنعت بما كفى

           فعشت عزيزا والغريب ذليل

وما طمعي أن يعرف القوم همتي

              وسيان فضل عندهم وفضول

تظافرت الأيام حتى غلبنيي

               على واحدي والخطب فيه جليل

جرى دمعه حتى جرت فيه نفسه

                 وأقسم ظني أنه لقتيل

ومهجته من مهجتي فمدامعي

                 سلوهن أى المهجتين تسيل

عقيق جرى فى الدر حتى اذا محا

                  محاسنه عاد الهلال أفول

وفاة أستاذ الجيل . . . لطفى السيد

مات يوم الثلاثاء 5 مارس 1963 الاستاذ الجليل أحمد لطفى السيد الملقب باستاذ الجيل عن 91 عاما . وهو من كبار المفكرين فى العصر الحديث ومن ابرز الشخصيات العربية التى أسهمت فى مختلف الحركات القومية .

وقد ولد فى 15 نيسان سنة 1872 بقرية برقين مركز النسلاوين وتلقى تعليمه بمدارس المنصورة ثم دخل مدرسة الحقوق عام 1889 وتخرج منها سنة 1893 وسافر الى استانبول حيث تتلمذ على أيدى المصلح الشهير جمال الدين الافغانى . ثم عاد الى ارض بلاده لينادى بانشاء جامعة اهلية وقد عين وكيلا لهذه الجامعة عام 1908 ثم مديرا لها عام 1925 حتى شهر مارس من عام 1931 عندما استقال احتجاجا على اقالة زميله الدكتور طه حسين من عمادة كلية الآداب . والمعروف عن استاذ الجيل انه أول من نادى بدخول الفتاة الجامعة

ومما جاء فى تأبين طه حسين لاستاذه وزميله قوله " أما أنا فلم أجد الا شخصك الحبيب وحديثك العذب وصوتك الحلو ولكن روحك فى قلبى لا يفارقه وهل قلوب الناس الا قبور حية لامثالك من الاصدقاء والاحياء وعظام الرجال .

امض الآن الى جوار الله وسيصحبك قلبى وعقلى وضميرى وستبقى مائلا فى نفسى لا أنساك ولا يمكن انساك حتى القاك فى الدار التى سبقتني اليها ، واذن لى أن أستعير منك هذين البيتين أودعك بهما كما ودعت بهما أنت مصطفى كامل رحمه الله :

انا الى الله راجعون لقد

     أصبح حزنى عليك ألوانا

حزن اشتياق وحزن مرزئة

     اذا انقضى عاد كالذي كانا

وفى ذمة الله ايها الاب البر الشفيق وفى ذمة الله أيها الصديق الوفى الحميم وفي رضوان الله أيها الاستاذ العزيز الكريم "

* 000 والدكتور بشر فارس

كما توفى السكرتير العام للمجمع العلمى المصرى الدكتور بشر فارس عن 56 عاما . وهو من المهتمين بالفنون التشكيلية وله خاصة كتب فريدة فى نوعها فى التصوير الاسلامى تعتبر أحسن مرجع للمهتمين بالفنون الاسلامية ، كما له مسرحية بعنوان - مفرق الطريق - نالت شهرة فائقة ومثلت فى مسارح دول اوربا وله مسرحية اخرى اسمها - جبهة الغيب -  و تربط الفقيد بمدير هذه المجلة علاقة صداقة تمتنت عراها اثناء مؤتمرى الأدباء الثالث ( القاهرة 1957 ) والرابع ( الكويت 1958 ) وقد ارسل رحمه الله لمجلتنا نسخة من الرسالة المفتوحة التى توجه بها للرئيس السوفياتى خروتشوف والتى نشرت له فى مجلة آخر ساعة المصرية ونقلناها نزولا عند رغبته فى العدد 5 ( فيفرى 1963 صفحة 92 ) رحمة الله وعزاء للفكر والقلم .

0 محاضرة فلسفية 0 0 للدكتور ابوريده

حت أشراف كلية الشريعة واصول الدين القى ضيف تونس الدكتور عبد الهادى أبوريده بدار الثقافة محاضرة فلسفية هامة بعنوان - نقطة اتصال بين فلسفتين - استعرض فيها باسهاب أوجه المقارنة ما بين الفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية فى القرون الوسطى ومستشهدا على تأثر الاولى بالثانية بواسطة الترجمة التى حصلت عن طريق الاندلس وجنوب ايطالية . وقد كانت محاضرة قيمة جمعت بين المقارنة والاستشهاد والاستنتاج

* ٠٠٠٠ واخرى للاستاذ محمد ابراهيم

ومن نشاط الاستاذ محمد ابراهيم الخطاط العربى المعروف القاءه لمحاضرة تاريخية تحدث فيها عن صحة الرسالة المنسوبة الى النبى ( صلعم) والتى أرسلها الى المقوقس .

* التراث الثقافي فى اليمن

يتسأل عدد كبير من الادباء والباحثين عن مآل المخطوطات الكثيرة الموجودة فى مكتبات الامراء اليمنيين وزوايا المساجد بعد الثورة التى اكتسحت النظام القديم .

والمعلوم أن بعثة علمية كانت اوفدتها الجامعة العربية سنة 1951 برئاسة الدكتور خليل نامى لتدوين المخطوطات وتصويرها وتسجيلها وانها تمكنت من العثور على مخطوطات مالك بن أنس وأشعار المهلب بن أبى صفرة وتاريخ حروب بنى الاحمر وكذلك على " الايجاز لاسرار كتاب الطراز فى علوم البيان ومعرفة اعجاز القرأن " ودواوين للاعشى والاصمعى والحكيمى وكتاب " السياسة فى تدبير الرياسة المعروف بسبر الاسرار " المنسوب لارسطاطاليس ومخطوطات اخرى كثيرة . فهل سيعتنى بهذا التراث الثقافى العربى ؟ هذا ما نرجوه وما نعلق عليه

عريض الآمال لنستكمل معرفتنا فى خصوص الادب العربى وخاصة الطور الجاهلي منه .

* تبصرة وذكرى

مظاهر الحياة العقلية فى افريقية والمغرب

ذلك هو عنوان المقال الذي كتبه الاستاذ محمد الحبيب بلخوجة فى مجلة " اضواء " التى تصدر بباريس رأينا من المفيد نقله تتميما للفائدة مع شكر الصديق على عنايته بالتعريف بادبنا التونسى والمغربى الذى يكاد يكون مجهولا فى الشرق العربى

ان للمغرب العربى الكبير الذى يمتد من الضفة الغربية من وادى النيل الى ساحل المحيط الاطلسي في بلاد المغرب الاقصى فيشمل طرابلس وتونس والجزائر ومراكش حتى ينتهى فى بعض الحقب من تاريخه الى جنوبى أسبانيا فيضم اليها بلاد الاندلس ، تاريخا هائلا ، وادوارا فعالة في بقاء الحضارة الفكرية العربية الاسلامية .

ولئن تهيا للمشرق بحث ما جد فى القديم والحديث فى اصقاع الشام وربوع العراق وأطراف البلاد المصرية من روائع فكرية وأدبية خالدة فان مثل ذلك لم يتهيأ بوجه عملى مطرد فى بلاد المغرب وتلاشت بسبب ذلك حلقات هامة من تاريخ الفكر والبيان العربيين ، وتدعو فى كثير من الاحيان الى الوقوف عليها حاجة الدرس وطبيعة البحث وضرورة تتبع الاشخاص والمذاهب في نشأتها واختلاف اتجاهاتها في تنقلاتها واطوارها

وقد يقال ان ما فى الموسوعات والمعالم الشرقية يفى بذلك ويسد الثلمة والثغرة ولكنها الترجمات المقتضبة والكلمات المختصرة والانقال والروايات التى لا تدل على كبير معنى و تهدى الباحثين الى ما يطمحون اليه ويصبون من تحقيقات ووقوف على الاثار ومعرفة تام بالظروف والاحوال المحيطة بالاشخاص او المذاهب .

لذلك اصبح لزاما ، لخدمة الفكر والادب المغربيين اللذين يمثلان تلكم الحلاقات المفقودة من التاريخ العام للادب العربي ، أن تتجه العناية الفائقة من الحكومات والمؤسسات والباحثين المؤرخين والعلماء والنقاد والادباء الى التراث المغربي . فتجليه وتوضح معالمه وتبسط قضات وتعرف به اتم تعريف وأكمله . وفي حسبي ان هذا واجب محتم يدعونا الى استدراك ما فات الباحثين والمؤرخين قبل . فالمقرى وابن سعيد والفتح بن خاقان وابن بشكوال وابن الابار وابن بسام وأمثالهم لم يلموا بكل شئ فيما دبجوا او صنفوا عن الاندلس والمغرب الاقصى . فقدتها يبحث شخصية علميمة أدبية بارزة في القرن الثامن مثل شخصية الاستاذ العلامة الغافقي الذي كان شيخ الترسل والكتابة في عصره فلا تجد حوله غير كلمة اوردها ابن حجر فى الدرر الكامنة وجاءت بنصها تقريبا وبالحرف الواحد في نفح الطيب ، وتبقى متلهفا للوقوف عل مصادر اخرى فلا تجد شيئا لان ما كتب عن العصر المريني ما زال اكثره مهملا محفوظا فى دور الكتب الخاصة والعامة لم تمتد اليه يد الباحثين ولا تناوله النشر الى الآن .

ويدعونا هذا الوضع الى العناية بصفة أكيدة جدا بنشر وتحقيق كل المخطوطات التى لدينا . وهذا العمل لا تقدر أهميته ولا بصور نفعه اذ هو أساس المعرفة الحقيقية بتراثنا وطريق استكمال الجوانب التى تلاش او نفدت منه ، وسبيل التوصل الى تشذيص الحياة الفكرية والادبية في بلادنا مختلف العصور والاطوار مع بعضها ونقدها بوجه علمى صحيح لا يقوم على الحدس والتخمين ولا ينبني على الظن والوهم . ولو بذلت الجهود لتحقيق هذه الغاية الشريفة لتسنى لنا نكامل السهولة واليسر أن نعيد الى الاذهان تاريخ الحياة الفكرية العلمية والادبية في بلادنا يبحث الاتجاهات التى نشأت بها او تطورت فيها وبتصوير مراكز الحياة العقلية لدينا فى مختلف العصور وفبط ادوارها في سبتة وفارس ومراكش وتلمسان وبجاية والقيروان والمهدية وتونس وطرابلس

ولو نشرت المدارك للقاضى رياض والرسائل لخلف بن عبد العزيز الغافقي والدواوين لكثير من الشعراء فى المغرب الاقصى أو بالجزائر كابن الفكون واضرابه ، أو بطرابلس كؤلئك الذين ذكرهم عرضا فى رحلته التيجاني عند تقلبه فى البلاد وذهابه مع اميره اللحياني . لتصورنا عن طريق هؤلاء العلماء والمؤرخين والكتاب والشعراء ماضيا مجيدا وادبا وريا .

هذا وقد كانت تونس بحكم موقعها وبحكم الظروف التى لابست الحياة الفكرية فيها من عصر الفتح الى الآن نقطة وصل بين المشرق والمغرب ومركز انبعاث للحياتين العلمية والادبية . وفيما بقى عن رجالها وتوارثته الاجيال عن الاجيال بالرغم عن المحن والظروف القاسية وعوادى الزمان واحداثه شاهد لها بقدم الصدق وبالدور الجليل الذي اضطلعت به في مختلف ميادين النشاط الفكرى والادبي . ففي رسالة ابن الربيب المثبتة بنفح الطيب مثلا ما يدل على فضلها ويشهد ببارع آثارها وروائع فرائدها . وفي الرسالة التى تلقفتها القيروان عن مراكز الحياة العقلية بالمشرق واخذتها منها المهدية برهة من الزمان لتعيدها اليها عند ذهاب الدولة العلوية . افريقية وفيما اخذته عاصمة الحفصين تونس عن أختها وسابقتها في المجد كعبة افريقية عاصمة الاغالبة القيروان ، وفيما شرعته مدينة أبي زكرياء والمستنصر من بعده من مناهل معرفة ورائق آداب ، براهين ناطقة بما لافريقية من تاريخ عزيز فى الميدان العقلي تفيا ظلاله سكان هذه البلاد والمهاجرون اليها من اطراف البلاد العربية ومن الاندلس ايام محنتها

وكيف نستطيع ان نتصور دور افريقية الفكرى والادبى بين البلاد العربية حتى تكون آثارها ما بين مدرسة عدا عليها الزمان ومهملة مضاعة لا يخف الناس الى نشرها ولا الى التعريف به

واذا كان المشرق قد ذكر تونس بابن ابى زيد القيروانى صاحب الرسالة واسد بن الفرات صاحب الاسدية وسحنون صاحب المدونة وبن عرفة صاحب الحدود والتفسير والابى تلميذه وأبى الحسن القابسي صاحب الاسانيد ، وغيرهم من الفقهاء والايمة وعرفها في شخص ابن خلدون المهاجر اليه منها بتاريخه وفلسفته الاجتماعية وابن رشيق بعمدته والحصرى بزهر آدابه وغيرهم فان لها آثارا لو اذاعتها ونشرتها لرفعت حكما ووضعا وشرعت سبيلا ومناهج واضافت معرفة وأشادت بناء . وهل يغنى احد من المؤرخين والمتأدبين ممن تهمه اخبار هذه البلاد عن كتاب سمط اللآلئ لابن رشيق او عن التاريخ الباشى لابن عبد العزيز أو عن كتاب التراجم للشيخ بيرم لرابع أو عن الكناش الصغير للشيخ محمد بن الخوجة أو كتاب التاريخ وذيله فى التراجم لابن ابي الضياف أو عن التاريخ الاحمدى لابن سلامة او مسامرات الظرين للشيخ محمد السنوسى او مجمع الدواوين في التراجم له .

وقد كان من ابناء تونس لغويون وعلماء . فقد ترك القزاز القيروانى كتاب الجامع فى اللغة وكتابا آخر سلمه التعريض ، وصنف ابن ابي طالب القيسى من القيروان ايضا كتابا فى معاني القرآن أسماه الهداية الى بلوغ النهاية . وفي القراءات منتخب الحجة والتبصرة . وفي الاحكام المأثور عن مالك وفي التفسير 10 اجزاء وفي الاصول كتاب الايضاح في الناسخ والمنسوخ . وجاء الشيخ ابن ابى الصلت المهدوى فوضع رسالة فى العمل بلا طرب ووضع كتاب الوجيز في الهياة والف في والمنطق تقويم الذهن .

ولم يقعد من الفقهاء السابقين احد عن تحرير الرسائل والأقضية والفتاوى . هذا الى ما كان يكتب من تعاليق ويدون من ملاحظات حول تقريرات الشيوخ السابقين عليهم

وظهر مترسلون مثل المناعى فاجاد وابدع وترك من تآليفه لونا فريدا لم يجاره فيه أحد . وفى كل عصر من عهد الولاة زمن الفتح الى اليوم اسواق للشعر نافقة نستطيع ان نذكر فيمن نذكر من زعمائها ابا الحسن الحصرى صاحب العثرات وابن سعيد وابا عثور والورغي وابن عبد لعزيز وماضورا والطوير والشافعي والغراب وقابدو وابن عاشور والمسعودي . ونحوهم غير قليل . فلو ان هبة من الاريحية هزت الهمم لرفعت الستائر عن غنائم وخرج المغرب العربي من وراء الحجب بوجهه الحقيقي مكلل الهام ، وبيده سرج ومصابيح الهداية .

* تكريم  0 0 0 وتغريم

أشاعت مجلة " المصور " القاهرة أن مصلحة الضرايب بالجمهورية العربية المتحدة حجزت أثاث الأديب الكبير المأسوف عليه بيرم التونسى لان أولاده لم يتمكنوا من دفع الضريبة الواجبة !

والغريب أن هذه الاجراءات تقرر فى نفس الوقت الذى تحى فيه الدولة ذكرى بيرم التونسى ويعلن عن اقامة تمثال له باحدى الساحات العمومية

وهكذا يكرم بيرم التونسى ويغرم فى نفس الوقت ، يكرم أدبه وفنه ويغرم ذووه وورثته

فهل كتب على هذا ألاديب ألفذ أن يكون " فنان الغلبة " بحق ، فى حياته وبعد مماته !

ان القانون لا يخلو من قساوة 000 ولكنه القانون ! 0000 طبعا

* حركة النشر بالمغرب الأقصى

أفادت الزميلة " دعوة الحق " الفيحاء أنه صدر عن مطبعة القصر الملكى الجزء الثاني من كتاب " العز والصولة ، فى معالم نظم الدولة " تأليف مولاى عبد الرحمان بن زيدان حققه وعلق عليه الاستاذ عبد الوهاب بن منصور السكرتير الخاص لملك المغرب ، كما شرعت المطبعة الملكية فى طبع كتاب " نظم السلوك ، فى الانبياء والخلفاء والملوك " للشاعر المرينى أبى فارس عبد العزيز الملزوزى ويحقق الكتاب الاستاذ عبد الوهاب بن منصور

* الجامعى

اتصلنا بالعدد الاول من مجلة " الجامعى " لسان فرع الاتحاد العام لطلبة تونس ببيروت . وقد وفق أخواننا الطلبة الى حد بعيد فى اخراج هذه المحاولة الاولى المعبرة اصدق تعبير عن نضجهم واستقامة اتجاههم ورفعة مستواهم وعلو هممهم وأصالة وطنيتهم

أما المواضيع فقد كانت متنوعة تناولت احياء الاعياد الوطنية ودراسة الحضارة التونسية وآثارها ومعالجة القضايا الاجتماعية ولم تهمل القصة ولا الشعر وتجلت الروح الطالبية المرحة السمحة فيما ورد بأخر العدد من نكت ومداعبات 0

وتعريفا بهذا المجهود وتشجيعا نورد فيما يلى الافتتاحية التى صدرت بها اسرة " الجامعى " العدد الاول

" الى براعم بلادى المثورة سوسنا على بطاح لبنان ، هنا فى ضمير آسيا . . لتنبت نبتا جديدا . . لتتفق بالضوء والشعاع . . لتمتد فوق الفوق بعدما ترتكز تحت التحت . .

ألا خطوا على جبهتى أحرف الحق بسائل من قلوبكم ، خطوها بأقلام بريت من ضلوع اجيال ، فتتدفق من بين الاصابع العيون . . . ويزرع فى التربة المحال ، فتتنهد بأعراف زيتون توزع البركة والحب والجمال

نصبوا على صدرى صوارى لا تنهار ، متكأ لسماء بلادى ، صوارى تتحدى دورة الافلاك ، لا تثيرها الهزات ولا تفزعها البراكين ، لانها من صوان عربى لانها منكم . "

ونرجو فى الختام دوام الحياة للجامعى ولطلبتنا حياة جامعية موفقة .

* الموسيقى التونسية

نشرت " المعرفة " الغراء الصادرة بدمشق عن وزارة الثقافة والارشاد القومى مقالا عن الموسيقى التونسية فى عددها الثاني عشر ( فيفرى 1963 ) بعنوان : " الموسيقى التونسية : لمحات عن تاريخها وصلتها بالموسيقى الشرقية " بقلم نجاة قصاب حسن . كما وردت فى نفس العدد اشارة الى المقال الذى نشرناه للاستاذ مصطفى الفارسي حول " اللاقصة "

* الجنس اللطيف يقسو على نفسه

فى رسالة الى " حوار " ( العدد الثاني ) قدمت الدكتورة سهير القلماوى عرضا لمهرجان الشعر الذي نظمه المجلس الاعلى لرعاية الفنون والاداب بالجمهورية العربية المتحدة - وكنا رددنا شيئا من اصدائه فى اعداد سابقة - وفى سياق الحديث عن الشعراء الذين شاركوا فى هذا المهرجان وتقييم انتاجهم قالت :

" وقد مثل الجنس اللطيف ( ولا أدرى لماذا ؟ ) طائفة من الشاعرات : جليلة رضا ونجاة شاور وروحية القليني ونسرين عبد الحى وشريفة فتحي ولورا الاسيوطى ، وكان شعرهن فى اكثره نظما مدرسيا ، وكثر النقاش حول مؤلف هذا الشعر من يكون : الشاعرة أم ألف لها الغير . والأمر لا يدعو الى نقاش فى الواقع ، لان مستوى الشعر النسائى فى هذا المهرجان لم يكن يستحق أى اهتمام . ولعل المستوى العام - كان كذلك ، لو لا نفحات من بعضهم كانت تأتى كالغيث للظمآن "

فهل كان مستوى الشعر ضعيفا حقا أم هل أن المرأة تقسو دائما على أختها ألمرأة ، واذا كان هو الاولى والاصح فاننا ننتظر 000  ردا قاسيا !

* وفاة شاعر أمريكى كبير

فى مطلع هذه السنة ( يوم 29 جانفى 1963 ( توفى روبرت فروست الشاعر الامريكى الشهير وقد ناهز الثامنة والثمانين من العمر ( ولد في سان فرانسيسكو عام 1874) .

عاش عصاميا ومات أبوه وهو فى العاشرة من عمره فأخذ يرتزق منذ نعومة أظافره وأشتغل اسكافيا وأجيرا فى المصانع والمزارع فى الوقت الذى كان يتابع دراسته ويوسع معلوماته .

نشرت له مجموعة شعرية بعنوان Worth of Boston 1914,) ثم Moun,intervl سنة 1916 وأظهر روبرت فروست وعيا ذاتيا طريفا فى كتاب  New Hampshire   (1923) أما في West Runig Broock ( 1928 ) فقد سيطرت النزعة الرواقبة ونجد في كتابه ( Further Ran ) الامثال والمواعظ وما أن بلغ الاربعين حتى نال الشهرة وأنهالت عليه الجوائز الشعرية وذاع صيته فى العالمين

وهذا نموذج من شعره : قصيدة بعنوان اهمال

يتركوننا هكذا لاى طريق نشاء

أن نتخذ - نحن كلانا رغم انه ثبت

لهم خطأهم بنا

فلطالما جلسنا الى جانب الطريق

نحدق بنظرات خبيثة شاردة

محاولين ان نعرف اذا كنا

لا نستطيع أن نشعر بأننا هجرنا

* جريدة " ازفاستيا " تهاجم ايليا

يشن المحافظون ببلاد الروسيا ، فى نطاق حملتهم ضد المجددين ، حملة واسعة النطاق ضد الكاتب الروسى الشهير ( ايليا اهرانبورغ ) ويعتبرونا من أعظم الضحايا . فقد بدأ الرسام " لاكتونوف " بنشر مقال لاذع عنه في جريدة ) البرافدا ) بتاريخ 4 جانفى ، وكتب أثره  (الاسكندر قيراسيموف ) فصلا فى نفس الموضوع ، والملاحظ انهما أكتفيا بنقد آثاره الفنية ولم ينعتاه الا بأنه كان " محامى المتزمتين " 0

أما بعد المقال الضافى الذى برزت به جريدة " ازفاستيا " فى عددها الصادر بعنوان مذكرات " اهرانبورغ " فقد تطورت هذه الحملة ضد ايليا تطورا خطيرا ، اذ احتوى المقال على كثير من الاشارات والتلميحات البعيدة ولم تعد الانتقادات منحصرة فى الميدان الفنى ، بل انتقلت الى الميدان الادبى . ومن المعلوم ان محرر المقال الكاتب ( فلادمير اير ميلوف ) يعد من أكبر نقاد الادب . عرف منذ ما قبل الحرب العالمية الاخيرة بأنه اختصاصى فى النقد " المقنع " والسهم المسموم المغشى بأعذب الالفاظ . فقد كان نقده ( لاهرانبورغ ) انموذجا لطريقته هذه . من ذلك انه ختم مقاله معلنا أنه معجب " بملكة هذا الكاتب الفذ " وبتشبعه " بالقيم الاخلاقية " . . وكل ما يؤاخذ به هو مواقفه غير الواضحة أبان عهد الافراط فى عبادة الاشخاص والقمع 0 00

*كان  (اهرانبورغ ) اكثر اطلاعا على واقع بلاده من السوفياتى المتوسط

وعند الحديث عن " سنوات الارهاب " فى مذكراته التى نشرت فى فصل الربيع المنصرم لم يعمد ( اهرانبورغ ) الى الظهور بمظهر البطل . ويمكن القول أن وصفه لحالة بلده سنتى 1937 و 1938 كان تعبيرا صادقا عما كان يشعر به فى ذلك العهد جل المفكرين الذين كانوا مطلعين على بشاعة الاحداث لكن لم يكن فى وسعهم الا الصمت " والضغط على أسنانهم " 000

وينتقد الاستاذ ( ايرميلوف ) بلطفه المعهود . . و " باسم الاخلاق " موقف هذا الاديب ، فيقول : " من الواضح أن ( اهرانبورغ ) كان يمتاز على بقية ابناء جلدته امتياز كبيرا . فلم يشك السوفياتى المتوسط فى أى وقت من الاوقات كامل هذه السنوات فى سداد أعمال قادته . بل كان يشعر بشىء : من الامتعاظ كلما بلغت الى علمه أخبار بعض " المخذولين " أعداء الشعب العديدين " بل اذا داخله بعض الشك فى صحة بعض التصرفات يحاول الدفاع عن المضطهد بكل سذاجة لايمانه بأنه لم يمكن من الاعداء . فقد كافح اذن لا بالصمت فقط بل وبالفعل . فلا يمكن القول كما يدعى ( اهرانبورغ ) أن " اجتناب التفكير فى الاحوال الجارية واستيعاب كامل ملابساتها وغض الطرف عن الواقع ونسيان الماضى " هى من مميزات مشاعر السواد الاعظم من السوفياتيين خلال هذه المدة 0

* رسالة السودان

الحياة الأدبية فى السودان تغط فى نوم عميق ، ولذلك تحتاج الى من يعمل على ايقاظها وانعاشها بشىء من المنبهات ، ويعود السبب الرئيسى إلى الفوضى المؤسفة التى خلقتها الاحزاب السودانية ، التى استولت على الحكم فى البلاد بعد طرد الانكليز واستقلال السودان . أما الآن فقد تولت الحكم حكومة ( ثورية ) بقيادة السيد الرئيس الفريق ( إبراهيم عبود ) ولما كانت الحكومة الحالية - وما تزال - منشغلة بتصحيح الاوضاع ، مركزة كل قواها فى الجوانب الاقتصادية ، كالتصنيع والانشاء والتعميرا إلى ذلك . فقد انكمشت الحياة الفكرية ولم تساير هذا الزحف العمرانى المترعرع 0

وموجز القول أن حياتنا الادبية مضطربة ، والانتاج مخل وقليل جدا . تمر شهور بل أعوام ولا يصدر أى كتاب ذو قيمة مشرفة . وفي هذه الايام بدأت تعنى الدولة بالفنون فأنشأت أعظم مسرح بالخرطوم عاصمة السودان ، وقد ارتادت هذا المسرح منذ انشائه أعظم الفرق العالمية ، الى جانب الفرق الفنية المحلية ، والى جانب اهتمام اهتمام الدولة بالفنون والرياضة وتربية الاجسام ، هذا الاهتمام الملحوظ ، بدأت تظهر جمعيات أدبية ، ورغم قصور النشاط الفكرى لهذه الجمعيات فى ( المحاضرات ) الا أنها تسببت فى دفع الحركة الادبية خطوة الى الامام فقد بدأنا نرى دواوين للشعر وبدأنا نرى كتبا للقصة لادباء من الشباب ، وهى على كل حال مجرد محاولات يمكن أن يرجى منها خير اذا تعمق أصحابها فى الثقافة وصبروا على الاطلاع ، واستكملوا عدتهم . والمؤلم جدا أن هؤلاء الشبان لا يجدون التوجيه الصادق الذى يقوم اعوجاجهم ، فساحة الادب خالية من الناقد ومن الرائد . لذلك فقد استغل بعض المهرجين خلو الميدان وبدأوا يعبثون بالحياة الادبية فلو وجد الاديب المتمكن والناقد الموجه والرائد الامين والمجلة المحترمة لظهرت في سماء العالم العربى حقيقة الادب في السودان . ذلك لان السودان أحد أقطار العروبة ، إنه جزء من جسم الامة العربية ، لا ينفصل عنها لافى اللغة ولا فى التاريخ . بل ان لغتنا واحدة وفلسفتنا واحدة و آمالنا وأحلامنا كلها واحدة ، ولذلك فان على هذا القطر السودانى واجبا حتميا فى المساهمة الجادة فى مجالات الحضارة العربية .

معنى هذا أن هذه الدعوة الكريمة التى وجهها إلي الصديق الاديب "محمد مزالي " مدير ( الفكر ) الاغر لكى أوافية بشيء من أوضاع الحياة الادبية فى السودان " الشقيق ، - كما يقول - دعوة لا تند عن عوامل الاشتراك الروحى والجغرافى والاقتصادى التى تجمع أبناء الامة العربية . وإنى لسعيد جدا أن أقرأ مجلة ( الفكر ) العزيزة وان المس هذا المستوى الرائع في المجال الحضارى ، وأكثر من ذلك فقد أسعدتني العبارة التى قرأتها بعدد ( الفكر) ديسمبر 1962 للسيد الرئيس الحبيب بورقيبة ، تلك التى يقول فيها : " على المسؤول عن هذه الامة وعن مستقبلها أن لا يقصر عنايته على ناحية دون أخرى بل لابد من أن يحرص على الحفاظ على الشخصية التونسية ومستواها الادبي وتمسكها بالقيم الانسانية التى تميز بين البشر والسوائم وأن لا يترك كفة الماديات ترجح على كفة الادبيات حتى تتوفر للمواطن حياة كريمة حقا ، فلئن كان للانسان جهاز هضمى يتطلب الغذاء فان له فكرا وروحا يتطلبان الثقافة ! "

وأنا أوكد بأن الشعب الذى يرأسه رئيس كالسيد الحبيب بورقيبة هذا الزعيم الانسان الذى يسخر من المادة ويهتف بالتربية الروحية والغذاء الفكرى ، هو الشعب المبدع الذى سوف يخلق كيانه بطفرات خارقة ، سوف لا يستعيرها ولا يقلدها ، وسوف لا يعجز عن مسايرة الحياة الراكضة ، ولن يتخلف فى تقاطع ينصلب فيه تاريخه 0

حديث مع " الصقر " محيى الدين محمد !

فى صيف 1962 زرت الجمهورية العربية الشقيقة ، ومن بين الادباء والمفكرين الذين سعدت بلقائهم " الصقر " الاديب العربي العملاق الاستاذ محيى الدين محمد ، لقيته وكان ممسكا بيده عدد مجلة " الفكر " الذى يحوى البحوث التى القيت فى المؤتمر الذى انعقد في ( روما ) لدراسة قضايا الادب العربى المعاصر ، باشراف معهد الشرق الايطالي ومجلة ( تمبو بريزنتي) خلال تلك الجلسة دار بيننا حديث كثير عن الادب في السودان وفي العالم العربى بصورة عامة قلت له لقد التقيت فى رحلتك الى ( روما ) ممثلا للجمهورية العربية المتحدة بأدباء من شتى بلاد العالم ، فكيف كان احساسك بهذا اللقاء بالنسبة للذين كانوا يعرفونك سلفا عن طريق الفكر ، وما هى الطرائف التى لفتت انتباهك فى ذاك المؤتمر ؟

قال : دائما يفضح اللقاء الاول كل أستار العواطف ، ويحل الحماس محل الهدوء والتظاهر . والواقع . كنت دائما أرغب عن مقابلة من أحب من

لكتاب لاننى - فى مظنة المشاركة - لا أحب للخلاف أن يكون جديا وبائنا ، من أجل ذلك كنت عزوفا عن لقاء الادباء ، بيد أننى اخطأت ؛ إذ ما من شىء كان يقنعنى بخطئ أكثر من التحقيق الفعلى لخوفى نفسه أحببت لقاء كنت أهرب منه وأخشاه أذكر كلمة قيلت منذ زمن ، وهى أن على الاديب أن يكون وحيدا . أن يهرب من اللقاءات ، وأن يخلق قدره في حجرته الخاصة أنا أو من بذلك ، وادافع عنه كلمة كلمة : لان الاديب خالق وصانع وإذا لم تتح له فرصة الخلق منفردا سوف يسقط بالنتيجة في فرصة الخلق العام : أى المشاركة ... والمشاركة بدون ريب أحد الاعباء الخطيرة التى تسقط بالخلق الى وحل العمومى والمبئذل .

أى مشاركة ؟ !! القصد منها هو اللقاء المتكرر ، وطرح القضايا وإثارة المشاكل ، وبعبارة أخرى ( التطهير النفسى ) كما يحدث على المسرح إذ يتبخر القلق النفسى والحصر الذي يحمل الاديب فى قلبه وفكره أولا بأول مع اللقاء المتكرر بأصدقائه من الكتاب هذا شىء خطير ، ولا بد يؤثر فى انتاج الكاتب الواعد ، ولعلها أن تكون آفة كثير من الكتاب الذين يحملون مشاكلهم على أطراف أصابعهم ، وأذكر أن رجاء النقاش صديقى العزيز أخبرنى بذلك أيضا كاحدى المشاكل التى تعذبه روحيا ونفسيا فى فترة يحتاج فيها الى هدوء أكثر وتعمق أكثر ومساحة نفسية وذهنية أبعد وأفسح وأغور ...

التقيت بأدباء من العراق ومن سوريا ولبنان وانجلترا وفرنسا وأمريكا والمغرب العربى وكانوا جميعا على ثقة أن الادب العربى قد وجد نفسه ، في خضم المشاكل الراهنة ، وأن عليه الآن مسؤولية ان يضطلع باعبائه وأقداره ..

ستيفن سبندر أحد كبار شعراء انجلترا ، أمضيت معه وقتا غير قصير في رحلة طويلة الى ( التيفولي ) إحدى ضواحى روما الجميلة . أمضيت الحديث عن الشعر الانكليزى والامريكى المعاصر ، ولفت انتباهى أنه من المدرسة القديمة ، وأن فهمه للشعر مازال يحمل الروح القوطية القديمة ، والتى تثيرها الحلاوة أولا . قلت له أن قصيدة ( السجين ) هى أحد الاعمال التى أثرت فى كقارىء أحب الشعر الانكليزى الحديث ، فذكرنا أن ( السجين ) مرحلة من مراحل شعره ، وقد تنكب عنها ، ورفضها ، وانه بسبيله الى تقييم جديد للشعر الذي يكتبه الشبان الآن والواقع أن رايه فى ( الارض الخراب ) غريب ويستحق المناقشة ، فهو يظن أن احتشاد هذه القصيدة بالالغاز والرموز والمضامين الانتروجية لم يغن القصيدة ، انما زادها تفتتا ... وهي نفس القضية التى طرحت قبل ذلك بالنسبة لقصائد ( ازرا باوند ) ابتداء

من ال GANTos إلى مويرلي . . فالقضية ليست عمومية الشعر . أى أن الشعر ليس لجميع الناس ؛ هذه قضية مفروغ منها ، فالناس عندهم شعرهم الخاص . انهم يملكون زجلهم وأغنياتهم وخلقهم . أما مشاكل المثقف ، فان المثقف هو الوحيد الذى يملك القدرة على اختراقها واظهارها كما حدث تماما بالنسبة لهالت ودون كيشوت .

والتقيت بالاديب جبرا ابراهيم ، وسألته عن روايته التى كتبها بالانكليزية Hunters in a narrow street ) )  فأجاب بأنها قد اختفت من سوق لندن  وان البحث يجرى عن نسخة منها لترجمتها ، وتعريفها الى القارىء العربى ، والواقع أننى عجبت كيف يتأتى لكاتب عربي كبير أن يكتب أثرا باللغة الانكليزية ، وما معنى ذلك ؟ وما هدفه بالضبط . ؟

لقد كانت تجربة ممتازة ، وغنية ، وقد أحببت بعدها أن أكون على صلة بأولئك الكتاب الذين أحببتهم كتابا واحببتهم أصدقاء .

وبعد هذا الحديث الذى تطرق أيضا الى نجاح المؤتمر ، وفرصة توصيل وجهة نظر الشرق الى الغرب وغير ذلك من أحاديث تناولت جوانب شخصية بحتة ، سألته عما اذا تأتى له أن يلم بشئ ذى بال من انتاج الادباء السودانيين . شىء يستطيع إضافته الى حصيلة الفكر الانسانى المفيد ، وهل وقف بالمصادفة على آثار جيدة من أعمالهم فى مجالات الفنون الكتابية . ؟

فقال : لم يتسن لي أن أطلع على انتاج السودانيين إلا من خلال قصائد جيلى عبد الرحمان وتاج السر الحسن وحى الدين فارس ، وغيرهم من الادباء السودانيين الذين قضوا فى القاهرة بعضا من الوقت ، وهو انتاج يحتاج بدون ريب الى صقل كثير والى ثقافة تثوى وراءه - فالموهبة موجودة وينقصها معادلها الموضوعى ، وهو الكد الفظيع : قراءة واستيعابا وتفتحا أى شاعر جيد في أوربا لم يقرأ أورتيخا إى جاست أو ألبيرتى أو دانو تزيو أو شعراء التروبادور ؟..  كلهم يقرأون ، لانهم يعرفون أن القراءة ليست اطلاعا انها عملية تعادل الخلق ، إذ كما قال الفلاسفة اليونانيون : لاشئ يخرج من لاشئ !! فالعبقرية الادبية هى عبقرية إضافة أى عملية ( + ) زائد باستمرار ، وليست خلقا من لاشئ ... وفى السودان وفي الشعر السودانى بالذات يوجد هذا الخلق من اللاشئ ، يوجد هذا العبث : توجد الطبيعة خالية من الرجال ، يوجد الرجال بمعزل عن الطبيعة ، توجد الاقدار ويوجد ( الشليل) (1)

( والعنقريب ) ( 2) والكراكى . . إنها قضية الشعر الذى لم ينفتح على ذاته بعد الشعر الذي لم يع بعد قضية الوجود الانسانى : أصلب قضية معاصرة .

وبعد : هذا هو رأى ( الصقر ) فى الادب السودانى وهو رأى كما يرى القارىء له وزنه ، فمحى الدين محمد أديب لايجامل فى القضايا الادبية ، مهما كانت الاحوال ، ومع كل فان مشاكل السودان الفكرية ، هى نفسها مشاكل البلاد المتخلفة التى تريد أن تنهض دفعة واحدة ، غير أن ذلك محال . فرحلة من ألف ميل تبدأ كما يقول المثل اليابانى بخطوة واحدة . أما الفكر فليس بمعزل عن الوجود الحضارى للامة ، ونحن ندرك ذلك جيدا . ولذلك بالرغم من انعدام المجلة التى ينبغى أن تعطى الفكرة الصادقة عن تراثنا وعن حضارتنا فاننا نملك بعض الصحف السيارة التى تحمل صفحات أدبية فيها النقاش وفيها الغث والحضيض . بيد أن ذلك - على ضالة قدره - علامة انها بشرى . والغرام نفسه يبدأ ببث اللواعج ، يبدأ بالحركة ، يبدأ بالسخيف من الامور وأمنياتنا في هذا الوقت أن نرى بلادنا العربية . وطننا العربى العملاق بأكمله يحمل أعباءه فى وجه الشمس .

بوسودان - حب الله الحاج يوسف

* كيف أصبحت قصصيا

شرت الزميلة " الاديب " الغراء مقالا هاما لرائد القصة العربية الاستاذ محمود تيمور تحدث فيه عما تأثر به من عوامل جعلته يلج باب القصة وينجح فيه فيصبح من أعلام القصاصين العرب ، وها نحن ننشره فى هذا الباب تتميما للفائدة راجين أن يفيد الشباب الهاوى لفن القصة ومؤرخ الادب العربى المعاصر 0                                                                الفكر

نشأت فى بيت اكثر ما فيه الكتب ، فقد كان ابى المرحوم " احمد تيمور " ولوعا بجمع ما نمخضت عنه القرائح العربية في كل فن وعلم ، ولا يكاد يدع منها مطبوعا أو مخطوطا في الشرق والغرب ، ولعله كان بالمخطوطات أشد ولعا ، وحرصه على اقتنائها ابعد مدى . ومرت الايام تبعا ، و " الخزانة التيمورية " التى تحتل الآن مكانا كريما من " دار الكتب المصرية "

تكبر ، وانا اكبر معها ، وازداد من تقديرى لها ، وكان ابى ينفق اطيب وقته بين حجراتها ويرصد أعظم جهده فى سبيلها ، حتى لقد خيل لى - وهو ينتقل بين اصونتها ورفوفها - أنه قد غدا فيها كتابا حيا ينطق بما بين دفتيه .

اشتد عودى ، وأحسنت القراءة والكتابة ، ألفيت أبى يهدى الى مجلدا ضخما من كتاب " الف ليلة وليلة " فى طبعة مهذبة محلاة بالتصاوير ، فما هى الا ان أقبلت على الكتاب، أسبح فيما حولى من حكايات شائقة ، وكنت اجمع من يرغب فى الاستماع من عشيرة البيت فاعيد عليهم تلاوة ما قرأت ، ولعل السر فى اعجابي بكتاب " الف ليلة وليلة " فى تلك المرحلة من حياتى هو مشابهتها للحوادث ، وهى القصص الساذجة الخرافية التى استمعنا اليها من العجائز ، يسامرننا بها فى عهد الطفولة الاولى ، فكانما كنت بقراءة " الف ليلة ليلة " استعيد سذاجة ذلك العهد المحبب الانيس ، وما منا الا من يشعر بحنين الى بواكير ايامه ، وهو حديث عهد بالحياة ، ولم يكن كل ما يعجبنا فى " الف ليلة وليلة " مجرد شبهها بالقصص البطولية الساذجة ، فقد راقنا منها - مع ذلك - اتساع الخيال ، وخلابة الاحداث ، وطرافة الصور ؛ والجو الشرقي الساحر اتذى يمت الى نفوسنا باوثق الاسباب ، ذلك الجو الحافل بالمغامرات التى تهفو نفوسنا الى مزاولتها ، نشرك الابطال فيما يقومون به من أعمال ، وما يخوضون من أخطار ، نرتفع مع الروح الى السماوات العلي ، ثم نهبط من وادى " الثعابين " الى " مغارة الموتى " واذا نحن ننفذ منها الى " مدينة النحاس " نهيم فى صمتها المهوب ، ثم لا نلبث أن نتوب الى الاهل والاحباب ، محملين بالذهب والفضة ، متحلين باللآلئ واليواقيت .

ولا ريب فى أن " الف ليلة وليلة " مما يذكى فى نفس القارىء موهبة التخيل ، ويمده بعناصر الخلق القصصى ، ولم يكن عبئا ان يقول " فولتير " انه قرا ذلك الكتاب مرات قبل ان يجرى قلمه بكتابة قصة ، وانه تمنى ان يفقد ذاكرته ليستستطيع أن يقرأ الكتاب من جديد بمثل اللذة التى قرأه بها أول مرة 0

ولقد آثار كتاب " الف ليلة وليلة " ميلى الى قراءة امثاله ، فامدتني مكتبة أبي بما اطمح اليه ، وأذكر انه كان فيما قرأت يومئذ من كتب الاسمار ونوادر الاخباريين كتاب " اعلام بما وقع للبرامكة مع بنى العباس " وكتاب " نفحة اليمن بما يزيل الهم والشجن " وغيرهما من النظائر والاشباه .

وامتدت عيني الى غير ما تحويه خزانة ابى من روايات عصرية مترجمة ، فوجدتنى اجنح الى ايثار " القصص البوليسي " أعنى قصص الحياة والجريمة ، وأذكر منها الآن روايات " نقولا كارتر " و " شارلول هولمز " و " سنكلر " ففتنت ايما فتنة بما يبديه الابطال من ذكاء وسرعة خاطر وحضور بديهة ، وقدرة بارعة على التخلص من المآزق ، وكذلك اعجبت بما تدبر القصص من مفاجآت مثيرة ، تملك على القارىء انتباههه ، وتحمله على متابعة القراءة في شوق موصول

وفي صيف من الاصياف ، وانا مغمور بما قرات وما وعيت من هذا اللون القصص الغربي ، سافرنا الى الضيعة فى الريف ، والحياة هناك هادئة ، يتسع فيها وقت الفراغ ، والجو هناك مهيأ للتأمل والانطلاق فى آفاق الخيال ، فالفيتنى اخلو الى نفسي ، وأغلق الباب دوني ، واحلب الى اوراقى واقلامى ، ادبج قصة هندية الاحداث ، بطلها ضابط انجليزى يجنى على فتاة وطن فينبرى اهلوها يثأرون لها وينتقمون ممن أساء اليها ، وجعلت للقصة عنوانا عظيما ، هو " الشرف الرفيع " وما فاتنى ان ارصع القصة ببيت المتنبي :

لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى      حتى يراق على جوانبه الدم

ولما أتممت تحبير القصة هرعت بها الى أبى ، ورجوت منه ان يبعث بها الى احدى الصحف كى تنشرها باسمى ، وكانت سنى اذ ذاك لا تتجاوز الرابعة عشرة ، فألقى ابى على القصة نظرة خاطفة ، ثم ابتسم لى وربت على كتفى وقال :

حسنا كتبت ، وسأنظر فيما رغبت فيه من نشر القصة ، وانقضت ايام ، وانا اترقب ظهور القصة العظيمة ، وطال ارتقابي ، حتى الهتني عنها الشواغل - وبعد حين صادفت باكورتي في الكتابة القصصية مسجاة فى زاوية من مكتب أبى ، تشكو الصون والاعراض ، قادر عليها اشفاق ، وهممت ان اتناولها ، ولكن اكبارى لابى منمعنى ان افعل ؛ فانتظرت حتى لقيته وفاتحته فى الامر ، فطلب منى ان اعاود تجربة الكتابة مرة أخرى ، لعلى ابلغ من التوفيق . لم يتح لى فى التجربة الاولى .

واذا كان ابى صاحب الفضل الاول فى اذكاء موهبتى الكتابية بما يسر لى من المطالعة فى صباى الباكر ، فان الذي بعثني على ان اكتب فى جد وتصميم هو شقيقى المرحوم " محمد تيمور " اذ وجه موهبتي توجيها استفاده من ثقافته وخبرته وذوقه ، يتزود من الادب العصرى الاوروبى بعد ان قضى فيها ثلاث سنين ، ما طاب له ان يتزود

وشرع شقيقى يعالج فيما يعالج من ألوان الكتابة رسم الواج قصصية أظهر ما فيها معالم حياتنا المحلية ، وأمهات مشكلاتنا الاجتماعية ، وكانت كتاباته فى هذه الناحية فسحا لنطاق الادب العربى ، ونقلا له من موضوعاته التقليدية المتوارثة الى تسجيل ما يعتلج من آمال وآلام فى نفسية المجتمع العصرى .

ولبثت ارقب من كتب شقيقى يعرض محاولاته فى هذا الباب ، فاذا تحرك قلمي للبيان والتعبير الفيتنى اوثر ذلك اللون الذى كان يسمى حينئذ " الشعر المنثور " ، ابث كلما ما يضطرب به وجدانى من عواطف ومشاعر وخطر ، ولم يكن ذلك الشعر المنثور يخلو من وشاة هى فى باب القصة ادخل منها فى باب المقال ، على اننى كنت فى هذا الاتجاه متأثرا - لاشك بما يتوهج فى أفقنا الادبي لذلك العهد من لوامع ادب المهجر ، بأقلام " جبران " و " الريحانى و " نعيمة " ومن اليهم ممن زفوا الى الكتابة العربية ادبا عاطفيا انسانيا جديدا في روحه ، يمس من القارىء شفاف قلبه ، ويثير فيه كوامن عطف ورحمة واشفاق .

وفي ذلك الوقت كنت استنير فى مطالعني بهدى شقيقى ، فنصح لى فيما نصح أن اطالع " حديث عيسى بن هشام " للاديب العربي الصميم " محمد المويلحي " وقصة " زينب " للكاتب الاجتماعي المفكر " محمد حسن هيكل " فلمحت فيهما مسحة تختلف عن الادب " الرومانى " الذي  كنت غارقا فيه ، مسحة تهبط بالقارئ من سماء الخيال المجنح ، حيث يعيش الناس كالملائكة فوق الضباب ، الى الارض التى تدب فيها ، فترى الناس من حولنا بشرا مثلنا على فترتهم التى خلقوا عليها .

و"حديث عيسى بن هشام " هو المرحلة الثانية للقصة فى الادب العربى بعد " الف ليلة وليلة " وقد نحا فيه مؤلفه منحي حديثا ، فخياله واسع ، وسرده ممتع ، وشخصياته لا تخلو من أحكام في الرسم ، واذا كان قد اقتفى اثر " المقامات فى بعض اسلوبها ، فقد امتاز بأنه صاحب المحاولة الناجحة المبكرة لتمصير الادب ، وصبغة باللون المحلى ، مع سموه عن الواقعية الساذجة 0

أما " زينب" فهو اسبق عمل ادبى فى العصر الحديث ، مكتمل العناصر الاساسية للقصص الفنى ولا ريب فى ان هذه القصة كانت مظهرا لنزعة التجديد ، ووثبة الخلق ، فيها انتفاضة وجدانية وطنية ، وفيها معالجة لتصوير الحياة فى رقعة كبيرة من هذا الوطن ، هى الريف ،

فتوجهت فى القصة مشاعر وعواطف وتعاقببت صور محلية ، وتجلت شخصيات شعبية اريد بها جميعا ان تحقق غرضها هفت اليه نفوس الداعين والى تجديد الادب فى مستهل القرن الذي نعيش فيه ، ذلك هو الغرض هو انشاء ادب قومى السمات ، قومى الاحداث ، قومى الروح ، بتأكد به طابع القومية في التعبير والتصوير

ولم تقف مطالعتي عند الادب العربى قديمه وحديثه ، ما ألف فيه وما ترجم اليه ، فقد كانت معرفتى بالانقليزية والفرنسية قد نمت نموا يمكنني من ان اقرا الادب الغربى فى هاتين اللغتين ، وأرشدنى شقيقى الى قراءة ما كتب " موباسان " الفرنسي و " تشيخوف " الروسى في مجموعتهما القصصية ، فقرات لهما ، أو قل عببت من اقاصيصهما عبا ، فاما " موباسان " في راقتني منه قدرة على تصوير قطاعات كثيرة من الحياة مختلفة الالوان ، فيها بساطة ، وفيها صدق ، وفيها امتلاك لناحية الصياغة القصصية ، وفيها مهارة جمع الاطراف التى يبنى عليها العمل القصصي من أحداُث وشخصيات

واما " تشيخوف " فقد راعنى منه انه يصور مآسى الحياة فى الواح فنية ناطقة ، لعلها لا تستكمل صياغتها القصصية بالمعنى الشائع للقصة المحبوكة الاطراف ، ولكنها بضعة من الحياة، فيها مرارة ، وفيها خفوق ، ومع ما يبدو من بساطة الظاهر فى هذه الالواح ، فانها تنطوى على معان عميقة ، وتحليل للنفس البشرية عجيب

ويبدو لى أن تأثرى بما قرأت من ادب اللغتين الفرنسية والانجليزية قد اغضب على شيطان الشعر المنثور ، فاذا هو يتخلى عنى ، شكر الله له ما صنع ، ان كان للانسان ان يطلب الشكر للشيطان .

وجرى قلمى بقصة قصيرة هى " الشيخ جمعة " وعلى اثرها كتبت قصة اخرى " يحفظ بشباك البريد " والحق ان قصة " الشيخ جمعة " نصيبها من التصوير الوصفى أكبر من التأليف القصص فضلا عن ان الواقعية فيها ، تكاد تكون هي العمل كله ، والقصة الفنية انما تكون مزاجا من واقع وخيال . على ان " الشيخ جمعة " لقى من القبول والاستحسان ما لم اتوقع ، اذ مس الموضوع ناحية انسانية في تصوير ذلك الشيخ الفطرى فى نقاء سريرته . وفي فلسفته الساذجة التى تستعلي على مشكلات الحياة ، وكثيرا ما تتعقد المشكلات في وجه الانسان ، فتهفو نفسه الى مثل تلك الفلسفة البدائية المريحة التى هى كالمرفا تجنح اليه السفينة حين يكتنفها اعصار ، أو يعبث بها تيار ولكن القصة التى اعتبرها مكتملة المزاج الواقعي الخيالي - اعنى مكتملة لعنصرى القصصى الفنى - هي قصة ( يحفظ بشباك البريد ) وموجزها سخرية خفيفة بأدعياء المغامرات وبخاصة فى فورة الشباب ، وهذه القصة اتيح لها ان تترجم بعد ذلك بسنين الى الانجليزية في كتاب يضم نخبة من القصص في مختلف البلاد ، ولعلها كانت طليعة ما ترجم من الادب المصرى الى لغة اجنبية ، وربما كان السر فى اختيارها لتمثيل ادبنا المصرى القصصى وقتئذ انها كانت موفورة الحظ من اللون المحلي الذي يجذب انظار القارىء الاجنبى

وفجعنى القدر فى شقيقى " محمد تيمور " سنة 1921 وهو من شبابه فى عنفوان ، وحوله هالة من الامانى تتألق ، ولا نعرف مصيرها من بعده ، اتخبو بموته ، ام تتاح لها حياة وبقاء ؟ حقا لقد شعرت على اثر ارتحال شقيقى الى دار الخلود ، بانهيار ما كان يطمح اليه من نماء النبتة الجديدة ، نبتة القصة فى ادبنا القومى الحديث ، تلك النبتة التى رواها بدمه ، وارتقب لها أن تزدهر كل الازدهار .

ورايتني اضعف من ان اخلف شقيقى الراحل على ما كان يبشر به ، ويسعى اليه ، فأخلدت الى سكينة اليأس ، بعض حين ، ولكن عملية الحياة جعلت تدفع بي طريقها الممدود ، ولا يعني من الامر الا ان تستكمل دوراتها ، ولا تبالي من انقطعت به الطريق . . فأخذت جراح الفجيع تندمل رويدا ، وان كانت الذكرى باقية بقاء الروح في الجسد الحي

ووجدتني انشط لبعض العمل ، فلملمت ما تشعث من قواى ، وخطوت على الدرب فى تؤدة وحذر ، انفض عن كتفى غبار الياس ، وأقصى شبح الاخفاق ، معولا على نفسي مهتدبا بهدي شقيقى الراحل ، فكنت اكتب اقاصيص مندفعا بباعث من واعيتى الباطنة إلى استكمال ما كان نفس شقيقى تصبو الى تحقيقه ، لو مد الله فى عمره ، وكنت أحس اني بهذا النشاط اكرم 698                                          98

روح شقيقى ، وأقرئها واجب التحية والاجلال . وما ان اقبل عام 1925 حتى كان قد تجمع لدى ما يصح اخراجه فى مجموعة قصصية فسارعت الى طبع كتابي الاول " الشيخ جمعة وقصص اخرى " واتبعته بكتابي الثاني " عم متولى " ونفسى راضية عما اصنع وضميرى مستريح الى انى احاول ان استبقى من شقيقى الراحل جوهر حياته ، اعنى ما كان يهدف اليه ، ويهتف به من ارساء دعائم الفن القصصى العصرى فى الادب العربي 0

والزم نفسي التجرد للكتابة ، لا انتهى من مجموعة حتى أكون قد نسجت الخيوط لمجموعة اخرى ، وتراءت لى مشاهد الحياة ، وشخصيات الناس ، واحداث المجتمع ؛ ولوامع الافكار كأنما هى بضاعة قابلة للعرض فى مخيلتى الفنية ، داخل الاطار القصصى ، أو كانما هي الواح محشودة امام عيني ، وعلى ان انتقى ، منها ما انقله فى حروف وكلمات .

وكان من الطريف ان يتحدث اصدقائى عنى بأنى اجالس منهم من اجالس ، واتحدث الى من اتحدث ، فلا يلبثون ان يروا سماتهم وقسماتهم وبعض خفايا نفوسهم فيما انشر من اقاصيص وكاني اذيع لهم اسرارهم أو أصور منهم زوايا كانوا يصونونها عن العيون

ولم اكن ابالي هذا من الاصدقاء الظرفاء . فقد شغلنى أن أجل مرآة للحياة من حولى ، ولمن أعايش من خلق الله . فمن رأى فى تلك المرأة وجهه فلا تثريب على ، بل لعل ذلك مما يزيدني ايمانا وثقة بان اكذب فيما وصفت ، ولم اخفق فيما صورت ، ولست اخفى أو هذه الغبطة والزهو كانت تعروني حين اعلم أن بعض من اصاحب عرف نفسه فى معرض لشخصيات التى اضمنها ما اكتب من اقاصيص 0

وفي خلال أربعين سنة اخرجت من كتبي القصصية جملة تبلغ عدد تلك السنين ، منها ما نرجم الى لغات شرقية ، ومنها ما ترجم الى لغات غربية .

ولقد كتبت القصة قصيرة ومطولة ، وكتبتها للقراءة وللمسرح ، واستلهمت في كتابتها ولقد كتبت القصة روح العصر مرة ، وأحداث التاريخ مرة ، وطوفت بالمدينة احيانا ، وبالبادية اخرى ؛ ومشيت في دروب الواقع خطوات ، وخلقت في آفاق الخيال شاوا بعد شاو ، واستجبت لهواتف شتى من مسرات واحزان ، وحلوت من سرائر النفوس ما استطعت ان أجلو ، وعالجت من مشكلات الحياة ما تيسر لى ان اعالج . . وكنت فيما اكتب انتقل من مرحلة الى مرحلة ، ومن عهد الى عهد لا أحمد عند مذهب ادبي بعينه ، ولا أقنع بلون من ألوان الاداء الفني استمسك به لا أعدوه يحدوني في ذلك كله ما اكتسبت من خبرة بالوجود ، ومن تجربة فى المجتمع ، ومن دؤوب على الاطلاع في مختلف فروع الثقافة ، ومن رحلات في الشرق والغرب ، ولا انسى ما افدت من سخط الناس على ما أكتب طورا ، ورضاهم عنه طورا ، ولعلى أفدت من النقد والملاحظة اضعاف

ما أفدت من الثناء والاطراء

وانا الآن فى مرحلة اعالج فيها كتابة القصة ، وأوازن بين المرحلة الاولى ، مرحلة قصة " يحفظ بشباك البريد " التى كتبتها منذ أربعين عاما ، مقتصرا فيها على تصوير شخصية شاب من ادعياء المغامرات الغرامية ، وبين المرحلة الحاضرة التى أعالج القصة فيها مستنفدا ما كسبت وما افدت من طول المرانة ، ومعاناة الدرس ، ومن فهم لاصول القصة الفنية ؛ وضرور استيفاء حظها من التحليل النفسي ، ومن التعمق فى النزوع الانسانى الذى يمت الى غرائز ثابتة تمثل كفاح البشر فى معركة الحياة على مسرح الوجود . في هذه المرحلة الحاضرة التى استدبر بها تلك المراحل السالفة ، اتصت الى من يسألني : - كيف أصبحت قصصيا ؟ فاراني افكر في السؤال مليا ، ولا املك الا ان يكون جوابي هو ان اسأل نفس فى صدق واخلاص : - هل أصبحت قصصيا حقا ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية