الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

أصداء الفكر

Share

* مرحبا بالأديب الوزير :

عين السيد رئيس الجمهورية المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة الاستاذ محمود المسعدى وزيرا للشؤون الثقافية ، ونحن إذ نهنئ الاستاذ محمود المسعدى بهذه المسؤولية العظمى نهنئ فى نفس الوقت المثقفين والادباء بأن يرعاهم ويسعى الى حفظ كرامتهم والدفاع عنهم واحد منهم وعضو بارز من أسرتهم أدى - ولا يزال - أجل الخدمات للثقافة والتربية بهذه البلاد ، وأثرى الادب العربى بها بانتاج رائع ممتاز

وبهذه المناسبة نرى من الواجب أن نشكر الاستاذ المثقف الشاذلى القليبى على ما أسداه للادب والثقافة التونسية من خدمات وخاصة منذ سنة 1961 حيث انشئت لاول مرة وزارة للثقافة بالبلاد التونسية ، ونرجو له التوفيق والنجاح فى مهامه الجديدة على رأس سفارتنا بجمهورية مصر العربية .

* تكريم الاستاذ محمد مزالى بمناسبة صدور " مواقف

أقامت دار الثقافة " ابن خلدون " فى أواسط الشهر الماضى حفل تكريم شيق على شرف الاستاذ محمد مزالى مدير " الفكر " بمناسبة صدور كتابه الجديد " مواقف " الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع

حضر الحفل جمع كبير من المثقفين والطلبة ، كما حضرها الاستاذان عدنان بغجاتى وزكرياء ثامر وهما رئيس اتحاد الكتاب السوريين ومساعده ، والاستاذ ميشال أسمر مؤسس " الندوة " اللبنانية ، وكلهم فى زيارة ودية الى تونس

تولى الاستاذ عز الدين المدنى إدارة الحوار الذى دار حول كتاب " مواقف " وشارك فيه كل من الاساتذة : محمد فنطر ، البشير بن سلامة ، أبو زيان السعدى ، عبد العزيز قاسم . وسنوالى ابتداء من هذا العدد نشر النصوص الكاملة لهذه الكلمات التى ألقيت فى الحفل

أشار الاستاذ فنطر فى كلمته الى تنوع القضايا التى تناولها الكتاب ، واستنتج من عناية المؤلف بها انغماسه فى الحياة اليومية ومحاولته الجادة الى

الوقوف منها موقفا واضحا وشجاعا ، متخذا لنفسه هدفا كبيرا هو إرساء صرح الأمة التونسية ، وتوضيح شخصيتها الطريقة المتميزة

واستهل الاستاذ البشير بن سلامة رئيس تحرير كلمته بقوله : " كنت أنوى أن أرتجل كلمتى ثم قلت : إن عشرة عشرين سنة فى ظل أخوة صادقة من شأنها أن تلهب العواطف . لذا التجأت الى قيد الكتابة أستعيض فيض الاحساس بالتحليل المتأنى ثم ركز الاستاذ بن سلامة حديثه على صاحب الكتاب ، لا الكتاب ذاته وقال : " إن هذا التصنيف بعيد عن الادب الانشائى الذى يتعمد الخيال والعاطفة - مع أن كتاباته لا تخلو من ذلك - إذ الكاتب يرد من نفس العين الصادقة التى توحى للشاعر بتهويماته ، لكنه يمتاز عنه ببأس العقل ، وشدة الفكر . إنه يعود الى الماضى ليتتجاوزه الى الحاضر المشرق . إن قاعدة الاصلاح التى تفسر أعمال الشابى ، والدوعاجى والمسعدى تفسر بدورها كتابات مزالى . إن مجلة " الفكر " التى انضوينا تحت لوائها هى احتماع لكل الاتجاهات ، وترحيب بالمجهودات الشابة واحترام لها . الغاية والأمل : احتضان أبناء تونس وترك السبيل لهم للخلق والابتكار . الادب صدق أولا وملحمة ثانيا . صدق أى ولاء ، وملحمة أى ايمان بقدرة الانسان على التغيير . هذا ما يؤمن به مزالى ، وهو ما جعل " مواقفه " تتكامل "

وفى نهاية كلمته لاحظ السيد بن سلامة أن هذا الحفل تأكيد جديد على إمكان البقاء على مكونات شخصتينا : العروبة والاسلام ، مع الانصهار فى العالم المتقدم ، وكل ذلك رهان على وشك الربح من جانب الاستاذ مزالى

ثم تناول الكلمة بعد ذلك الاستاذ أبو زيان السعدى ويجد القارىء نصها كاملا فى هذا العدد من الفكر

وارتجل الاستاذ عبد العزيز قاسم كلمة جاء فيها : أنه عادة ما يلاحظ تناقضا بين المواقف وصاحبها ، ولكن مزالى فرض تضامنا مدهشا مع انتاجه وهذا نادر فى عالم الادب والفن . أقرأ له فكأنى أستمع اليه فى مجالس " الفكر " . . أسلوب واضح لتفكير واضح . إن مزالى لم يتمذهب ، ولم يتحيز ، وبذلك سمح للزهرات بالتفتح . اختار منهج الحرية ومكن الكتاب من نشر إنتاجهم مهما كان جريئا ، متحملا فى ذلك مسؤوليته كاملة . وفى " مواقف " حديث كثير عن الحرية والمسؤولية ، وهذه الكلمة الاخيرة يرددها المؤلف كثيرا ويستعيض بها عن كلمة التزام ، الالتزام عنده قد يكون إلزاما والمسؤولية حرية .

ثم تحدث الاستاذ قاسم عن مجلة " الفكر " قائلا أنها كانت مجالا لتكوين مواهب جديدة ، مختلفة ، متنافرة المناهج . محمد مزالى كان يعتقد أن ذلك إثراء للادب التونسى . كنا نؤمن بالحتمية التاريخية ، أى أن الاحداث هى التى تخلق الانسان ، ولكن جاء مزالى مؤمنا بأن الانسان هو الذى يصنع الاحداث . كنا نقدر فيه هذا الايمان ، وكان يسحرنا براهبنه معطيا للانسان شرفا هو به جدير ، كان يعمل على زرع الثقة بالنفس ، ويبحث عن قيمة أساسية للفرد التونسى : أى التونسة ، ووضع مرادفا لها : الأصالة "

ثم جاء دور الاستاذ محمد مزالى مؤلف كتاب " ليختتم الحفل فشكر دار الثقافة ومديرها الاستاذ عبد القادر القليبى على التفاتتها وعنابتها التى تتجه من خلاله الى كل مواطن يحاول أن يخدم الثقافة والادب فى هذه الديار ثم رحب بالحاضرين ، وأثنى على الذين درسوا الكتاب وقدموا له ، وقال بالخصوص : " دون أن استغل ورقة التواضع فأنى أقول أن الذى سمعته قد أخجلنى ، ولعل أحسن ما أجزى به الذين أكبروا مجهودى هو أن ألتزم بمواصلة الكتابة ومحاولة الافادة .

كيف يمكن التعليق على هذه الكلمات اللطيفة ؟ سأذكر ببعض المواقف التى ما زالت هى مواقفى منذ أن كنت طالبا فأستاذا ، الى ان تحملت مسؤوليات فى الدولة . كان جيلى يشعر بشئ من المأساة نتيجة قيام الاستعمار وأعوانه بحركة احتوائية لجعلنا هباء منثورا ، أو بيادق فى أيديهم . وإنما حمانى من المذاهب والتمذهب أنى رأيت بعض من كانوا يدعون التقدمية من أساتذتى بالصادقية يتظاهرون بمعاداة الاستعمار ، ويحاولون مع ذلك حشرنا فى سلم قيمهم الخاصة بهم ، ويدعوننا الى الانسلاخ من " هذا " الدين المحنط ، ومن هذه " التقاليد ، و " ذلك الكيان الجماعى الذى منه نبتنا واليه ننتمى انساق كثيرون فى هذا التيار . . بل ذهب الامر ببعضهم الى التجنس أو الهجرة الى اوروبا . لكن كثيرين - والحمد لله - انكمشوا ، وقد يكون الانكماش محمدة فى بعض الحالات .

كان مذهبى هو أن اتخلص من المذاهب ، أدركت باكرا خطر الالتصاق بمذهب والخضوع له بقية الحياة . إن النفس البشرية توتر غير قار بين ظلام بغرائز والاحشاء ، وبين نور العقل والضمير ، تلك هى المنزلة الانسانية التى ألهمت الفجور والتقوى

إنه لا بد من الايمان بما يسميه فاستون باشلار : " العقل العاقل " أو بما يقول الغزالي من أن العقل يتقحم على جميع المعضلات . إن الواقع يتغير بلا

هوادة ، وصولة الفكر فى محاولة فهم الجديد ، ولا بد من شجاعة للحكم على الاشياء . اني أومن بالانسان ، الانسان الحر ، الانسان المعجزة ، الانسان الذى يصنع التاريخ " .

كما نظمت اللجنة الثقافية بصفاقس حفل تكريم مماثل يوم الجمعة 21 ديسمبر الماضى تناول فيه الكلمة الاساتذة : مصطفى بحرى ، وأحمد الزغل والحسب الحشيشة ، وابن عباد ثم دار نقاش شارك فيه عدد من رجال الادب والثقافة ومن الطلبة ، اختتمه الاستاذ محمد مزالى بكلمة شكر فيها اللجنة الثقافية بصفاقس على بادرتها ، وذكر فيها بجملة من المبادىء التى أوحت له ب " مواقف " .

. جوائز بلدية تونس للانتاج الادبى والفنى

فرغت اللجنة الثقافية التابعة لمدينة تونس من ضبط القائمة النهائية للادباء والمؤلفين التونسيين الذين أحرزوا على جوائز بلدية تونس العاصمة لأحسن انتاج أدبى وفنى لسنة 1973 ، وذلك بعد أن تم النظر فى الانتاج الذى قدم اليها ، وفيما يلى قائمة الفائزين

- جائزة على البلهوان للقصة ومقدارها 600 دينار فاز بها محمد بن عاشور عن قصته : البحث عن الاوراق - جائزة قصص الاطفال ومقدارها 200 دينار فاز بها عثمان بودن عن قصته : القلب الكبير " - جائزة الشعر ومقدارها 300 دينار فاز بها محمد الصغير عن مجموعته الشعرية : " فى طريق الورد "

- جائزة الدراسات ومقدارها 1000 دينار فاز بها عبد العزيز الدولاتلى عن دراسته : " تونس فى عهد الحفصيين " - جائزة ثانية للدراسات ومقدارها 600 دينار فاز بها المنجى الصيادى عن دراسته : " الخلدونية " وبهذه المناسبة تتقدم مجلة " الفكر " الى جميع الفائزين بأحر التهانى راجية لهم مزيدا من النجاح والانتاج .

. أوجين يونسكو " للبيع :

كتب الروائى الفرنسى " أوجين يونسكو " فى الشهر الماضى على صفحات جديرة " الفيقارو " مقالا هاجم فيه العرب بعنف واتهمهم بتدبير مذبحة تهدف

إبادة الجنس اليهودى وتدمير اسرائيل . وفي اليوم التالى لنشر هذا المقال الذى احتل مساحه كبيرة من الصفحة الاولى والصفحة الرابعة اتصل " بن ناثان " السفير الاسرائيلى فى باريس بالكاتب المسرحى وأبلغه امتنان حكومة بلاده وشعبها لهذا الموقف الذى يقفه معهم . وفي اليوم الثالث اعلن فى باريس ان يونسكو يتفاوض مع الاسرائيليين على كتابة قصة وسيناريو فيلم سينمائى تنتجه اسرائيل ويدور موضوعه حول الخطر العربى الذى يتهدد اليهود .

وتحدثوا عن العرض السخى الذى عرضه الاسرائيليون على الكاتب المسرحى ( الذى وافق على العرض مرحبا واعلن عن رغبته فى زيارة اسرائيل وبالذات الاراضى التى تحتلها حتى يمكن أن يستلهم سيناريو الفيلم المنتظر ليس هذا فقط ، بل ان مدير مسرح تل أبيب أعلن عن اسبوع لمسرحيات يونسكو يبدأ فى الشهر القادم !

أوردنا هذه التفاصيل التى نشرتها الصحافة فى الابان عن موقف " أوجين يؤسسو لنذكر بما جاء فى افتتاحية العدد الماضى من " الفكر " من تنديد . كل هذا التورط المكشوف الذى أردى فيه أنفسهم كتاب لهم سمعتهم الفنية ، ولهم - مع الأسف - جمهورهم الكبير فى العالم العربى . . هذا العالم الذى لم يعد له فى أنفسهم حرمة ولا قيمة .

تقديم تاريخ انعقاد الملتقى الثامن للتفكير الاسلامى :

تعلن وزارة التعليم الاصلى والشؤون الدينية بالشقيقة الجزائر أن تحديدها لميعاد الملتقى الثامن للتفكير الاسلامى المزمع انعقاده يمدينة بجاية كان على أساس عطله الربيع المقررة فى التعليم الثانوى ، وحيث تغيرت العطلة حسبما جاء فى العدد الاخير من الجريدة الرسمية ، فقد ترتب على ذلك تغيير ميعاد الملتقى بحيث سينعقد من الفاتح الى الثانى عشر من ربيع الاول 1394 ه الموافق للخامس والعشرين مارس الى الخامس من أفريل 1974 م . ، فى نفس المدينة ) بجاية ) ، وبنفس جدول الاعمال .

٠ منشورات جديدة :

- أهدانا الاستاذ عمر ابن سالم نسخة من ديوان ابن دريد الذى قام بدراسته وتحقيقه وتولت نشره الدار التونسية للنشر فى طبعة أنيقة ويضم الديوان 186 صفحة بما فى ذلك الفهارس والمقدمة التى وضعها المحقق بين يدى عمله . فللأستاذ عمر ابن سالم شكرنا وتشجيعنا .

- وصلتنا هدية أخرى من الدار التونسية للنشر وهى نسخة من كتاب أصدرته حديثا بعنوان : " إفادة النصيح فى التعريف بسند الجامع الصحيح لشيخ المحدثين محب الدين أبى عبد الله محمد بن عمر ابن رشيد السبتى الفهرى الاندلسى . ويحتوى هذا الكتاب الذى هو من تحقيق الدكتور الشيخ محمد السبب ابن الخوجة على 158 صفحة بما فى ذلك الفهارس ومقدمة المحقق فشكرا للدار التونسية للنشر على هديتها

وصلنا كذلك العدد الاخير ) وهو التاسع ( من حوليات الجامعة التونسية مشتملا على عدد من الدراسات حول : مخصص ابن سيده ، والقلصادى والرقيق القبرواني ، وابن هانئ ، وأيمن بن خريم الاسدى ، وابن حزم وابن عرفة ، ومسكويه الفيلسوف المؤرخ

* زيارة وفد عن اتحاد الكتاب العرب بسوريا الى تونس :

أدى وفد من اتحاد الكتاب العرب بسوريا زيارة الى تونس استغرقت أسبوعين من الشهر الماضى ، وكان هذا تلبية لدعوة وجهت من طرف اتحاد الكتاب التونيسين الذى بادر بالعمل على تنفيذ ما جاء فى اتفاقية التعاون المبرمة بين الاتحادين فى كل من سوريا وتونس

تألف الوفد من الاستاذين عدنان بغجاتى رئيس اتحاد الكتاب السوريين ، زكرياء ثامر القصاص المعروف ومساعد رئيس الاتحاد ، وكانت الزيارة تهدف من ناحية الى الاطلاع على الحركة الثقافية بتونس ونشاط اتحاد الكتاب بها ، ومن ناحية أخرى للاشتراك فى وضع برنامج عمل لتطبيق الاتفاقية الاطارية على مدى العامين القادمين

قام الوفد خلال إقامته بزيارة عدد من المنشآت الثقافية للاطلاع على سيرها الاتصال بالمشرفين عليها من ذلك : الدار التونسية للنشر ، والشركة التونسية للتوزيع ، ودار الاذاعة والتلفزة ، واللجنة الثقافية القومية ، ودار الكتب الوطنية ، والمركز الثقافى الدولى بالحمامات ، وكل من دارى الثقافة ابن رشيق " و " ابن خلدون " ، ونادى القصة بالوردية ، على ان الفيضانات قد حالت دون انتقال الوفد الى القيروان وصفاقس كما كان مقررا .

وكان الوفد قد تقابل منذ بدء الزيارة مع السيد محمود المسعدى وزير الشؤون الثقافية ، كما حضر جلسة عمل مع هيئة اتحاد الكتاب التونسيين

وأمضى نص برنامج العمل الذى تشتمل بنوده على أنشطة مختلفة تتعلق بتبادل المعلومات ، والانتاج الادبى ، وتشجيع النشر المشترك ، وتنظيم الاقامة والتزاور بين الادباء والكتاب فى كلا البلدين

. فى ذكرى البيرونى

* اللجنة الوطنية المغربية لليونسكو تحتفل بالذكرى الالفية للعالم الاسلام الشهير محمد بن احمد البيرونى المولود سنة 973 م لقد أعدت اللجنة الوطنية المغربية لليونسكو فى إطار الاحتفال بالذكرى الألفية للبيروني لمحة تاريخية عنه وزعتها على نطاق واسع بين الاوساط التعليمية والثقافية . .

وفي ذات الحين الذى يسعد مجلة الفكر أن تشكر فيه اللجنة المغربية عن عملها فانها تسهم بدورها فى التعريف به وذلك بنشرها على صفحاتها هذه اللمحة التاريخية القيمة

ازداد محمد بن أحمد البيرونى سنة 973 م بمدينة خوارزم ودرس العلم بها ، وقضى الفترة بين سنتى 999 م و1013م ببلاط قابوس بن وشمجير فى " جرجان " ، ثم احتضنه بلاط غزنة سنة 1018 م على عهد السلطان محمود الذى صحبه الى الهند ، كما لقى الاحترام والتقدير ببلاط خلفه مسعود ، الى أن توفى سنة 1051 م .

ان حياة هذا العالم تكشف عن شخصيته فى جانبيها الثقافى والوطنى فهو مرتبط بالعالم الاسلامى والعربى بأكمله أولا بينما كان يرتبط بأصله الايرانى ثانيا وان العالم الاسلامي عرف ثمرة امتزاج الثقافتين العربية والايرانية ابتداء من خراسان ، وأشعت شرقا الى الهند وغربا الى بقية أرجاء العالم الاسلامى خلال القرنين 11/10 م - فى علماء عاقرة من بينهم البيروني وابن سينا والخيام وبينما عمل البيرونى على اثراء اللغة والثقافة العربية فانه لم بغفل عن احياء تراث الثقافة والحضارة الايرانية ، مما جعل منه مسلما ورعا وعالما حياديا بالثقافات . لقد اعترت الدهشة علماء الحضارة الاسلامية المحدثين أمام هذا التواؤم بين حب الحقيقة والاخلاص وعدم التحييز وبين دقة الملاحظة والوصف والتحليل ، الذى ميز البيرونى ورفعه الى طليعة المفكرين فى تاريخ الانسانية .

وعلى الرغم من أن مقدارا ضخما من البحوث عن آثار البيرونى قد تم بمعرفة محققين من مختلف البلاد شرقا وغربا ، فما زال هناك الكثير فى انتظار الانجاز ، لتشعب المعارف التى تطرقها البيرونى فقد كان رياضيا ومنجما جيولوجيا وصيدليا ، مؤرخا وجغرافيا ، لغويا وعالما دينيا ، معا ، وكان فى الحقيقة من أعظم من عرفتهم الحضارة الانسانية .

فنظرة على ما أسهم به فى حقول العلم الرئيسية تكشف لنا عن رحابة آثاره وعمقها ، ففي الرياضيات اعتنى بنظرية الأعداد والتسلسل العددى ، وبقى كتابه " التفهيم " كمتن دراسى لعدة قرون ، وأما فى التنجيم فكتابه القانون المسعودى يضارع قانون ابن سينا فى الطب بينما كتاب " الآثار الباقية " وهو دراسة عامة لتقاويم مختلف الأمم والأديان يعد مرجعا هاما المؤرخي التنجيم والأديان

فى العلوم الطبيعية نبغ البيرونى كعالم بطبقات الأرض والتعدين ، وملاحظاته الجيولوجية تمتاز بالدقة والعمق ، وكتابة " الجماهير فى معرفة الجواهر " يعد من أدق ما كتب فى علم المعادن فى العصور الوسطى وينم عن جرأته كعالم طبيعى ، وبالنسبة لعلم العقاقير وضع كتابه الفريد " الصيدلية الذى حاول أن يعطى فيه أسماء النباتات والعقاقير المختلفة فى عدة لغات مما يجعله ذا أهمية كذلك لدارسى اللغات القديمة والوسطى ، كما أن اسهامه فى الجغرافية الرياضية هام ، وكتابه " تحديد نهايات الأماكن " رائد فى هذا المجال ابتكر فيه طرقا جديدة لقياس شعاع الأرض ، وطول المدن ، وعرضها مما حدا بالعلماء المحدثين الى نسبة علم المساحة التطبيقية اليه .

و آثار البيرونى فى العلوم الانسانية ومجالات التحقيق تمتاز بالاستناد والتشخيص وكذا تجميع المصادر مما يتطلب صبرا وتدقيقا ، كما فى فهرسه " قائمة آثار محمد بن زكريا الرازي " وهو عمل فريد فى الأخبار التاريخية للعليم الاسلامي . ولو لم تكن آثاره العلمية فى متناولنا لمكنته آثاره فى التاريخ من تبوء مكانه كأحد أفذاذ المؤرخين الاسلاميين ، على أن هناك حقلا تاريخيا لم يسبق اليه وهو تاريخ الأديان والأديان المقارنة ويعتبر بجدارة مؤسسه فكتابه الهند فريد فى دراسة الأديان المقارنة ، وهو مرجع عن بعض جوانب الهند حتى بالنسبة للعلماء الهندوس . وبهذا يعتبر أكبر محقق مسلم للهند على مدى التاريخ

على الرغم من جماع البحوث والدراسات التى أنجزت عن البيرونى فما زال هناك الكثير ينتظر الانجاز . كاعداد طبعات جديدة ومحققة لما صدر من آثاره وتحقيق وطبع ما زال مخطوطا مثل كتابى " الصيدلية " و " الاستيعاب وترجمتها الى احدى اللغات الأوروبية العالمية . زيادة على أنه ينبغى ترجمة آثاره الرئيسية الى اللغات الاسلامية الأخرى

والتحاليل المفصلة لأفكار البيرونى العلمية والفلسفية والتاريخية أحرزت بعض التطور بفضل ما قدمه عدة مؤرخين وبحاث خلال العقود الماضية والسنوات الأخيرة . ومهما يكن من أمر فما زالت هذه المجالات متعطشة الى الجهود حافلة بالمسؤوليات محتاجة من مجامع العلماء أن يكرسوا أنفسهم لفترة طويلة ليوفروا لنا كل ما حرره البيرونى فى لغة معاصرة .

وأخيرا ينبغى التعريف بما أسهم به البيرونى فى الفكر الاسلامى ودوره الطلائعي كشخصية اسلامية علمية على ضؤ المجال الثقافى والفكرى والدينى الذى تواجد فيه البيرونى ، فى قالب الحضارة الاسلامية عامة والثقافة الايرانية خاصة .

اشترك في نشرتنا البريدية